By / 8 نوفمبر، 2019

أبناؤنا تربية دعوية

إن دخول الطفل المسلم حقل الدعوة منذ الصغر لخليق بأن يصنع جيلاً رائدًا، يقود ولا يُقاد، يرى الحق ولا يُرى له، وإن من الأخطاء الفادحة التي تقع فيها الأسرة هي إخراج الطفل من الحجرة بمجرد دخول الضيف إليها، وعلى العكس فإن حضور الطفل لحوارات الكبار وسماع القضايا العامة يثير في حِسّه روح التفكير والتفاعل مع الواقع بما يكسبه شخصية تختلف عن غيره من الأطفال.

إن هذا الطفل قد مرّت عليه من المشكلات عرضًا وحلاً ما يجعله قادرًا على اتخاذ قرار مبني على الخبرة والحكمة، كما أنه التقى عددًا من الشخصيات والنفوس البشرية المختلفة، ما يجعله قادرًا على التمييز بين الصالح وغيره، ولا أحسب سيدنا عمر بن الخطاب  عاتب ابنه عندما لم يجب عن سؤال الرسول  في حديث النخلة، قائلاً له: “لو قلت لكان أحب إليَّ من كذا وكذا”، لا أحسبه  أراد التباهي بابنه، وإنما أراد لابنه التفاعل مع الكبار، فترنو نفسه أن يصبح مثلهم.

كما أن مشاركة الطفل والأخذ برأيه في معالي الأمور يكسبه ثقة بالنفس، تؤهله لتحمل تكاليف الدعوة فيما بعد؛ فلقد تعود منذ صغره أن يقول ما يراه صوابًا، فإذا ما سمع التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت الاستجابة أسهل وأسرع، فلا نراه يخاف في الله لومة لائم.

كما أن مشاركة الطفل والأخذ برأيه في معالي الأمور يُنشئ بداخله روح الريادة، بما يحميه فيما بعد من اتباع كل ناعق، أو أن يكون إمعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء.

وحماية لهذا الطفل من خطر الغرور والكِبر أو حتى الثقة الزائدة بالنفس التي قد تطرأ عليه نتيجة لهذه المعاملة لزم على المربي أن يوجه إمكانات الطفل العقلية والبدنية إلى خدمة المسلمين وقضاء مصالحهم، وأن يزرع في نفسه أن قيمته ومكانته مرهونة بما يُقدِّمه للإسلام والمسلمين، فهذا أخٌ مريض وجب علينا زيارته، وهؤلاء أبناء معتقل ينتظرون زيارتنا، والآخر يوم زفافه فلنشاركه فرحته، وهناك أرملة بحاجةٍ إلى قضاء حوائجها، وهكذا يجد الطفل نفسه بين أبناء المجتمع المسلم يعيش لهم ويعيشون بوده لهم، فإن أحبه الناس فلما يُقدِّمه من عطاء، وإلا فإنه كأي فرد في المجتمع لا يزيد عن من حوله شيئًا.

فإذا كانت حياة الطفل على هذا النحو من الانغماس في أحوال المسلمين، ثم تليت عليه آيات التكليف بالولاء لله  وللرسول  والذين آمنوا، كانت الاستجابة أسهل وأسرع؛ إذ إنه عاش منذ صغره في خدمة من أمر بالولاء لهم، ولا نجد شخصًا أكثر تأثرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فكوا العاني” [رواه البخاري]، أي الأسير، من شخصٍ عاش في طفولته يتفقد أبناء هذا الأسير، حتى إن توزيع الطفل بنفسه للصدقات على فقراء المسلمين يجعل منه شخصًا عطاءً كريمًا، فإذا ما سمع الأمر بالتكليف بالصدقة كانت الاستجابة أسهل وأسرع؛ إذ إنه تعود منذ صغره على العطاء.

على أننا يجب ألا ننسى أننا نتحدث أولاً وآخرًا عن طفل، بمعنى أنه يجب أن يعيش طفولته بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلا يتعارض ما قلنا مع أن يلهو الطفل ويلعب مع غيره من الأطفال، أي أن إشعاره بالمسئولية مجرّد تدريب وتأهيل لمرحلة التكليف، وليس العبء النفسي والضغط الذي يحمله ما لا يطيق، وإلا انقلب الأمر وتحوّل إلى نفور.

وكيف يدخل السعادة على قلب غيره ولم يذق هو طعمها؟! ولا يتعلّل المربي بالانشغال عن هذه الأمور، فما داعب النبي  أبا عميرٍ  وسأله عن عصفوره إلا وهو راجع من قتال، فالمقصود هو بناء شخصية سوية تحمل بين جوانحها آمالاً تمكنها بإذن الله من الإصلاح.

وبالنسبة للتربية الدعوية للإناث.. فهناك أمر مهم يجب الانتباه له لتنشئة أخت داعية مربية..

وهو أن تربية البنات على حب الزينة والتزين شيء، وتربيتهن على حب الدنيا شيء آخر.

التربية على حب الزينة يتماشى مع كونه فطري غريزي عند البنات، بدليل وصف الله  للإناث: ((أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)) [الزخرف: 18].

لكن الموازنة بين حب الزينة والتزين وبين حب الدنيا والتعلق بها كالذهب وغيره يحميها فيما بعد من اتخاذ قرارات خاطئة في حياتها.

كأن تختار فلانًا زوجًا باعتبار أنه (هو اللى هيجيبلها) دون أي اعتبار لأمور أهم، أو أن تدخل في مقارنات تافهة مع قريناتها حول من يمتلك القيمة الأعلى، أو أن يكون شغلها الشاغل في دنياها هو ماذا ارتدت وماذا امتلكت.

تربية البنت من قِبَل الأبوين (وخاصة الأم) على أن في الحياة أمورًا أهم، ونشأتها على أن لها دورًا في حماية أمتها المسلمة، ولها قضايا تهتم بها وتشغل بها نفسها، يساعدها على الموازنة بين حب الزينة كأنثى والتعلق بالدنيا، فيستوي معها وجود الذهب من عدمه، ويسهل عليها التضحية به إن تعارض مع مصلحة دينية أو حتى دنيوية.

تربية البنت على أن الله له الحمد على العطاء، كما له الحمد على المنع، هو الحماية لها من الوقوع فريسة للتعلق بالدنيا، والنظر لجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين..


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *