By / 17 أكتوبر، 2020

أدوار المنظمات الدولية

 

ترتبط السياسة الدولية على تنوع مظاهرها منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالمنظمات الدولية التي تشكلت بمرور الوقت مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وغيرها. وهو ما تظهر آثاره في مجالات مثل التجارة الدولية، وتدفق الأموال، والمحاكم وجرائم الحرب، والسلم والأمن الدوليين.

يهتم المنظرون في مجال العلاقات الدولية بدراسة وفهم قوة وحدود تلك المنظمات الدولية، ولماذا تقوم في بعض الحالات باتخاذ إجراء تجاه قضايا معينة مثلما فعلت المحكمة الجنائية الدولية عندما أدانت في عام 2012 توماس لوبانجا أحد أمراء الحرب في دولة الكونغو الديمقراطية بالسجن 14 عاما بتهمة تجنيد الأطفال كجنود في القتال بينما عجزت في حالات أخرى عن إدانة قادة صهاينة وعرب على تجاوزاتهم تجاه الشعوب العربية كما هو الحال في فلسطين وسوريا.

ومن بين المنظرين الذين تناولوا تلك القضايا إيان هيرد الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة نورث وسترن. وهو باحث بارز في القانون الدولي والعلاقات الدولية. يؤكد هيرد على أن جميع المنظمات الدولية توجد في الفضاء الفاصل بين سيادة الدولة من جهة والالتزام القانوني للدول من جهة أخرى بمعنى أن المنظمات الدولية تنشأ من ثلاثة أمور تشمل:

  • الالتزامات التي تتعهد الدول ذات السيادة بالوفاء بها عند انضمامها لمنظمات دولية.
  • الخيارات التي تتخذها الدول فيما يتعلق بالامتثال أو عدم الامتثال لتلك الالتزامات.
  • سلطات الإنفاذ التي تمتلكها كل منظمة دولية تجاه الدول المنضمة لعضويتها.

وفي ضوء ما سبق يتحدث هيرد عن 3 منظورات لتحليل الأدوار التي تؤديها المنظمات الدولية، وهي (الأداة، المنتدى، الفاعل المستقل).

المنظمات الدولية كأداة

يرى هذا المنظور أن المنظمات الدولية مجرد أدوات تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها على الصعيدين المحلي والدولي. حيث تستخدم الدول البيانات والقرارات والمخرجات الأخرى للمنظمات الدولية كمبررات لدعم مواقفها واتهام المنافسين بانتهاك القرارات الدولية والقانون الدولي. ومن ثم تصبح المنظمات الدولية مؤثرة عندما تريد الدول الكبرى تفعيلها في حين يجري تهميشها تمامًا عندما تسعى الجهات الفاعلة القوية لعدم تفعيلها فتعيد تفسير قرارات المنظمات الدولية بما يفرغها من مضمونها.

ومن المدارس التي تتبنى هذا المنظور المدرسة الماركسية التي ترى أن السياسة الدولية والاقتصاد الدولي يشكلان كيانا واحدا يعمل على تكريس التوزيع غير المتكافئ للقوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة. وأنه لا فرق بين المصالح السياسية التي تعبر عنها الدول الغنية في اجتماعات مجلس الأمن والتحليلات الاقتصادية التي يتبناها صندوق النقد الدولي – فكلاهما يحافظ على استقرار النظام السياسي الذي يمكّن من تراكم الثروة في أيدي قلة من الأفراد.

ووفق هذا المنظور، فإن المنظمات الدولية تساهم في الحفاظ على الانقسامات القائمة بين الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء عبر آليات مثل قواعد التصويت غير المتكافئة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وجهود منظمة التجارة العالمية لتخفيض الرسوم الجمركية على صادرات العالم الثالث وتقاعسها عن خفض دعم الدول الغنية للزراعة، وإجبار صندوق النقد الدولي للبلاد التي تتعامل معه على اعتماد سياسات قائمة على اقتصاد السوق تضر بالفقراء.

المنظمات الدولية كمنتديات

يرى هذا المنظور أن المنظمات الدولية عبارة عن منتديات تشغل حيزا مكانيا وزمانيا، فهي تتكون من مباني ومؤتمرات وجداول اجتماعات، وبين أروقتها تلتقي الوفود ويتقابل الرؤساء لمناقشة القضايا والمشاكل ذات الاهتمام المشترك. ولذا توجد في أغلب المنظمات الدولية هيئات عامة تشارك فيها وفود تمثل كافة الدول الأعضاء بها مثلما هو الحال في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويتاح خلال لقاءات المنظمات الدولية لجميع الأعضاء فرصة المشاركة فعلى سبيل المثال تشمل الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة عدة فعاليات مثل الخطب الرسمية من قبل رؤساء الدول والحكومات وكبار المسؤولين، كما تشهد أيضا عددا كبيرا من الاجتماعات غير الرسمية في ظل وجود العديد من الدبلوماسيين والقادة في مدينة واحدة في نفس الوقت. وبذلك يتم تخفيض تكاليف اللقاءات الدبلوماسية، وتتحقق فوائد من تلك اللقاءات الجانبية حتى لو لم تسفر الخطابات والفاعليات الرسمية عن شيء يُذكر.

المنظمات الدولية كفواعل مستقلة

يرى هذا المنظور أن المنظمات الدولية هي جهات فاعلة في السياسة العالمية تشكلت بموجب القانون الدولي ككيانات اعتبارية مستقلة منفصلة عن الدول المؤسسة لها والمشتركة في عضويتها. أي أن المنظمات الدولية فاعلة بذاتها ويمكنها القيام بأشياء لا تستطيع الدول المكونة لها أن تقوم بها بمفردها. هذا المنظور يواجه عدة تساؤلات بخصوص مدى قدرة المنظمات الدولية على مخالفة سياسات الدول الكبرى أو العمل بشكل مستقل بعيدا عن القوى الفاعلة الخارجة عن سيطرتها.

وفي حين ترى المدرسة الواقعية أنه لا ينبغي السماح للمنظمات الدولية بالتدخل في الأنشطة والمساعي العسكرية للقوى العظمى، حتى أن جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي السابق ذهب إلى القول علنا بوجوب استخدام القانون الدولي والمنظمات الدولية بشكل فعال لتعزيز المصالح الأمريكية. بينما ترى المدرسة الليبرالية أنه يمكن النظر إلى المنظمات الدولية باعتبارها سلسلة من الاتفاقيات التي تعقدها الدول للحصول منها على مكاسب، وبالتالي تركز تلك المدرسة على التكاليف والفوائد التي تقدمها المنظمات الدولية للجهات الفاعلة المختلفة.

خليط من الأدوار

يذهب إيان هيرد إلى أن المنظمات الدولية تمثل خليطا من عدة أمور، فهي أدوات وجهات مستقلة ومنتديات في ذات الوقت، حيث تتصرف المنظمات الدولية مثل الجهات الفاعلة المستقلة في العلاقات الدولية فتصدر القرارات وتتخذ إجراءات، ويتم التحدث عنها كما لو كانت لاعبًا مستقلا في حد ذاتها. وفي أوقات أخرى، تلعب دور المنتدى الذي تقوم فيه الدول (أو غيرها) بإجراء مفاوضاتها ولقاءاتها وتصبح مجرد مكان للمساومة والتفاوض والتواصل بين الدول. وأخيرا تعمل المنظمات الدولية في بعض الأحيان كأدوات تحاول الدول بواسطتها تحقيق أهدافها، فتستخدمها كمصدر لإضفاء الشرعية على ممارساتها ونزعها عن خصومها. ومن خلال ما سبق تتضح عدة منظورات مختلفة تفسر الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية مما ينعكس على مجالات السياسة العالمية.


Comments
  • اعتقد ان فكرة انشاء هذه المنظمات أجدر بالبحث و التقصي. لان هذه المنظمات لا تخدم فقط دول و لكنها تخدم ايضا منظمات و افراد و مؤسسات و شركات. و هذا ما وضح جليا في ازمة كورونا الحالية التي يراها الكثير مفتعلة و مختلفة تم هندستها لتحقيق مصالح بعض الشركات و الافراد الذين استفادوا كثيرا من الاغلاق العمدي للدول و المطارات و غيرها و الذي اضر جدا باقتصاديات الدول كافة. اذا هذه المنظمات التي تعمل تحت مظلة واحدة و دون اي رقابة تم تاسيسها علي فكرة معينة ربما لم تكن معلنة من قبل لكننا نري اطراف كثيرا اليوم تتحدث علنا عن خطط مستقبلية قريبة للسيطرة علي الشعوب. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *