By / 26 يوليو، 2020

أزمة اختيار القدوات: الكي-بوب والسُميط مثالًا

بقلم أحمد عدناني

يُعد مصطلح “القدوة” من المصطلحات المهجورة في زماننا، على الرغم من أهميته، كيف لا وهي أحد الركائز التي يقوم عليها المجتمع، كما تُعد انعكاسًا لاهتمامات المجتمع. القُدوة تعني الأسوة أو المثل الأعلى، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. فالقدوة لا يشترط بها أن تكون حسنة، والغالب في هذا الزمان هو انجذاب الشباب للقدوات السيئة خلقًا وفعلًا. قديمًا، انحرف كثير من الأقوام عن الصواب، بفعل اقتداءهم بآبائهم وأجدادهم، فاستحقوا عذاب الله وسخطه.

دين القُدوة

فطرة الإنسان هي الاقتداء، ويُعد أبسط أنماط الاقتداء هو اقتداء الطفل بوالديه – على ما بهم من الحُسن والتقصير – وهو أحد الركائز الأساسية في التكوين الداخلي للطفل عقليًا وشخصيًا، وهنا نُدرك أهمية القدوة وتأثيرها على الفرد المسلم، وقد ينشأ الطفل في بيئة منزلية يتحقق فيها قول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴾ [الصافات: 69]، لذلك حثّ الإسلام الآباء على أن يكونوا قدوةً حسنة لأبناءهم، لأنهم الأقرب لاحتلال هذه المكانة، أو هكذا كانوا!

قدوات العصر الحديث

في عصر – السوشيال ميديا – والانفتاح الثقافي، اختلف مقياس القدوات أو المثل الأعلى، فأصبحت عوامل مثل الشهرة، عدد المتابعين، هي التي تحدد قدوات المجتمعات بغض النظر عن المحتوى المُقدم، وطرئ على مجتمعنا مصطلح “الإنفلونسر” والذي يعني الشخص “المؤثر”، وهو لقب يُطلق على الأشخاص الذين يملكون عدد ضخم من المتابعين، أيًا كان سبب المتابعة. لذلك، يجب أن يدرك الفرد التأثير الذي أصبحت تمتلكه هذه الوسائل. تظهر هذه الأزمة في اتبّاع الملايين من الشباب والفتيات المسلم لمغنيين الكي-بوب، وهو نوع من الموسيقى نشأت في كوريا الجنوبية في التسعينات، وانتشرت في العالم بعد أغنية “جانجام ستايل” حتى وصلت العالم الإسلامي.

نجم الكي-بوب قدوة للمسلم

دين الإسلام هو دين أصحاب الهمم العالية، دين البذل، فالقدوة في الإسلام هي الشخصية التي تحمل همّ أمتها وقضاياها، تصبر على التعب والأذى، تتقدم الصفوف بما لديها من علم وعمل، عزيزة النفس، تتصدى لمصاب أمتها، قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الممتحنة : 4]. والتاريخ والحاضر الإسلامي لا ينضب من القدوات، لكن المشكلة تكمن في التسليط والتصدير الذي يمارسه الإعلام أو مواقع التواصل للكثيرين من عديمي القيمة والأثر كقدوات للشباب، للتقليد، وقد يصل الحال بالكثيرين بتمني أن يعيش في نمط حياة كالتي يعيشها مثله الأعلى! كنجم الكي-بوب الذي يمتلك الملايين من المعجبين والمستمعين حول العالم.

حياة القدوة

أن تكون نجم كي-بوب مشهور ليس بالأمر الهين، حيث تصل فترة التدريب اللازمة لذلك أكثر من عشرة سنوات! بعد ذلك يقوم النجم بتوقيع عقد مع إحدى شركات الترفيه، وهو ما يعرف بـ”عقد العبودية – Slave Contract”، بهذا العقد تمتلك الشركة كامل الحق في التحكم بحياة النجم لمدة تتراوح بين 8 إلى 15 سنة مقابل أجر زهيد، على الرغم من الإيرادات الضخمة، تحكمًا يتجاوز التحكم في الطعام والشكل وأوقات النوم ليصل إلى تحكم الشركة في الأشخاص الذي يتحدث معهم النجم، وتحديد فترات معينة للتواصل مع الأهل على فترات بعيدة، ذلك لأن النجم يُجبر على التدرب لمدة تصل إلى 20 ساعة يوميًا، لذلك يتعرض البعض منهم للإغماء على المسرح نظرًا للإجهاد وقلة النوم، كما تقوم بعض الشركات باستغلال النجمات وإجبارهم على ممارسة الجنس، وهو ما حدث مع “جانغ جا يون” التي أقدمت على الانتحار شنقًا عام 2009 تاركةً رسالة تقول بها أنها أُجبرت على ممارسة الجنس مع نجوم آخرين وهو ما تسبب في إصابتها باكتئاب حاد، وهو ما تكرر مع نجوم كي-بوب آخرين مثل “جونغ هيون – Jonghyun”، “سولي – Sulli” وصديقتها “جو هارا – Goo Hara” الذين أقدموا على الانتحار لنفس الأسباب تقريبًا.

أيعقل أن يكون أمثال هؤلاء من مسلوبي الإرادة والحرية هم الهدف والقدوة للشباب المُسلم؟! لذلك لابد أن ندرك أزمة اختيار القدوات التي تعصف بأمتنا والجيل الصاعد خصوصًا، جنبًا إلى جنب مع تهميش وتغييب القدوات الإسلامية المعاصرة والاكتفاء بالقدوات التاريخية، والتي أصابها التهميش أيضًا واستبدلت بقدوات الغرب.

رجلٌ بأمة

الدكتور عبد الرحمن السُميط، أحد أعلام الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، حاصل على ماجستير في الطب من جامعة ليفربول، ترك حياته ليتفرّغ للدعوة والعمل الخيري، فأسلم على يديه أكثر من 11 مليون أفريقي، وساهم في تأسيس العديد من المنظمات الخيرية وبناء آلاف الآبار والمساجد، على مدار 29 سنة قضاها متنقلًا بين الدول المختلفة، متحملًا المشاق والأذى حيث تعرّض للعديد من محاولات الاغتيال من قبل المليشيات في أفريقيا، كما كابد الكثير من المشاق في سبيل الدعوة ومساعدة المحتاجين حتى توفاه الله عام 2013. لماذا لا يُذكر أمثال الدكتور السميط ويتم تصديره لأبناء المُسلمين؟ التي تركت عرضة للتصدير والتضخيم لسماحة وتُحضّر الغرب إعلاميا وإلكترونيا، وفريسة للقدوات المزيّفة، ولعل هناك الكثير من المعاصرين التي لم تسلط عليهم الأضواء، فتُرك أبناؤنا بدون قدوات، ترتقي بذواتهم، وتعلي هممهم وتنتشلهم من غيابة الجُب، فمن كان عالي الهمة اقتَدى به الغير، فأصلَح نفسه وأصلَح غيره.

خاتمة

ينبغي أن نعي الأزمة، وأن نساعد هذا النشء على الفهم، عبر عملية توعوية تبدأ في الأصل من الآباء والأمهات، تتضمن معرفة الرموز الإسلامية في مختلف المجالات، في العصر والتاريخ، ومساعدة الأبناء في فهم آلية اختيار القدوات وكيفية التمييز بين القدوة الحسنة والسيئة، ثم ترك المساحة الكافية لهم للاختيار، فليس الهدف أن نختار لهم قدواتهم، بل تعليمهم كيفية اختيار القدوات، وفقًا للمعيار الشخصي والأخلاقي الذي يجب أن يكون عليه الفرد المسلم.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *