By / 16 ديسمبر، 2018

أصحاب السبت والسياسة الحرام

يحدثنا القرآن الكريم عن قوم من بنى إسرائيل كانوا يعملون بصيد السمك، وكان لهم تشريع إلهى خاص، يبيح لهم الصيد ستة أيام، ويحرمه عليهم فى اليوم السابع، وهو يوم السبت.

وكان من فتنتهم أن تتراءى أفواج السمك لهم فى يوم السبت، حتى يروها بأم عيونهم، ثم تضل فى البحر سائر الأسبوع وترهقهم فى طلبها.

لم يصبر هؤلاء القوم على مقتضيات الصيد المشروع من طول صبر ومشقة عمل وقلة نتائج …

وأغرتهم تلك الحيتان الرابضة على شواطئ الحرام في يوم السبت، فنصبوا لها الشباك قبل مغرب الجمعة، وجمعوا شباكهم فجر الأحد، زاعمين أن الحيتان هى التى دخلت شباكهم بإرادتها، وأنهم لم يجمعوها إلا على الوجه المشروع!

صحيح أن الله قد مسخ أصحاب السبت، وجعلهم قردة خاسئين، وانقطع نسلهم من الأرض، فالأمم الممسوخة لا تتناسل، إلا أن طريقتهم فى التفكير ومنهجهم فى التصرف لم ينقطع بعد!

فعلى طريقة أصحاب السبت رأينا عسكريا يريد صيد المنصب الكبير فى بلده، لا بخلع بزته العسكرية، وتكوين حزب مدنى، ووضع برامج وجذب أنصار وتأهيل شباب وتكوين قواعد وخوض انتخابات ….. فتلك طرق طويلة وشاقة بعيدة لا تقارن بإغراء الصيد الحرام!

ووجد الجنرال يوم سبته: تعطيل كل ما ينتخبه الشعب بالقضاء المسيس  تارة والإفشال أخرى، وحشد فئات بعينها للتظاهر، ثم الانقضاض على السلطة مباشرة بالدبابات الغليظة، وقتل بضعة آلاف من الأبرياء فى سبيل الوصول للصيد الحرام!

وكان له ما أراد ،  وانفرد الرجل وحده بالصيد الكبير!

وعلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر كان ذلك الأمير الحدث يبحث هو الآخر عن يوم سبته، فقد جاء الدور على أبيه ليكون ملك البلاد بمقتضى الوراثة لا الشورى ولا إرادة الناس .

وأبوه هو آخر الأبناء الأقوياء للجد المؤسس، والسلطة من بعده ستنتقل – بغير شك – لجيل أبناء الأبناء ، وهو مسبوق بالعشرات من هؤلاء، وبعضهم يكبره بمثل عمره ، وبعضهم يعمل بدوائر الحكم من قبل مولد الغلام!

ولمعت فكرة الصيد فى رأسه : لماذا لا يقدمه أبوه على سائر الأحفاد ويقيمه وليا للعهد؟؟ وساعتها سيبطش بكل بنى عمومته: فيصادر أموالهم، ويعتقلهم ويقضى على الجميع ليبقى هو ، وكان له ما أراد واستقر الصيد الحرام فى حجره!

هكذا تم الصيد وعاد أصحاب السبت المعاصرون مبهورين بما نالته أيديهم يمنون أنفسهم بدوامه !

هكذا تم الفصل الأول من قصة المكر والغدر لكنه ليس نهاية المطاف، لقد بقى فصل النهاية المحتومة: “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” (الأعراف 165)

إن الشعوب ليست كأسراب السمك تستسلم لفخاخ الغدر وشراك البغى بل إن لها إرادة حية موصولة بإرادة الله العليا وسنته الماضية، يقول ابن القيم – رحمه الله – : “وقد شاهد الناس عيانًا أنه من عاش بالمَكْرِ مَاتَ بالفقر، وعاقب الله جل جلاله كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله، ولا يهديه لمقصوده وإن نال بعضه، فالذى ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: {وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (يوسف من الآية:52) ……

وهذا باب واسع جدًا عظيم النفع، لمن تدبره يجده متضمنًا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته، بأن يعكس عليه مقصوده شرعًا وقدرًا، دنيا وآخره، وقد اطردت سنته الكونية سبحانه فى عباده، بأن من مكر بالباطل مُكِر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خُدِع، فلا تجد ماكرًا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعًا إلا وهو مخدوع، ولا محتالاً إلا وهو محتال عليه” ( إغاثة اللهفان بشىء من الاختصار).


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *