By / 9 فبراير، 2019

إمكانية استمرار الأنظمة العربية

هناك احداث معينة تتجاوز دلالاتها الكبيرة التفاصيل المتعلقة بها، وهناك تغييرات كبرى تحدث مرتبطة للمشاهد بحادثة أو فعل معين؛ ولكن الحقيقة أكثر عمقا وتعقيدا من تلك الحادثة المباشرة؛ فمثلا اندلاع الحرب العالمية الأولى بعد حادثة اغتيال ولي عهد النمسا على يد طالب صربي في سراييفو تبدو كأنها سبب الحرب ،إلا أن طبول الحرب كانت تصم الآذان في كل أوروبا، ولم يكن هناك غير شرارة لتشعل براميل البارود التي ملأت كل أوروبا، فكانت هذه هي الرصاصة التي أطلقت على ولي عهد النمسا.

والمنطقة العربية الآن قد فقدت كل النظم تقريبا أسباب وجودها، فقد شاخت كثيرا عبر مئة عام من الحياة المتوترة والنشأة المشوهة، وهذا ليس تمنيا كما أعتقد، فهناك من المقدمات التي تشير إلى حتمية الانهيار وما ينبغي الحديث عنه الآن ثلاثة أمور رئيسية وهي:

  1. كيفية الإسراع بهذا الانهيار والاستعداد للمواجهة مع الأنظمة التي توحشت.
  2. تقليل آثاره السلبية على الجماهير.
  3. كيفية بناء المجتمع الجديد والقواعد الحاكمة له.

وحتى يقبل القارئ الفرض المبدئي بحتمية انهيار الأنظمة وعدم صلاحيتها للبقاء ولا يعتبره فرضا تعسفيا؛ دعنا نحاول قراءة عدة أحداث فاضحة خلال الأسابيع القليلة السابقة، ربما تؤكد له صحة الفرض المطروح.

حادثة إعادة ترشيح بوتفليقة بالجزائر “الفشل المعلن”:

ربما تكون الأكثر وضوحا على عدم قدرة النظام العربي على تقديم بدائل – أي بدائل – حتى لو لم تقنع الجماهير، فالجماهير العربية لم تعد تمتلك من أمرها شيئا في النظام الانتخابي الكوميدي في بلادنا، فأي شخص – أي شخص-تريده الأنظمة الحاكمة يمكنها تمريره، وإن لم تستطع تمريره بالإجراءات الانتخابية فهي قادرة تمريره تحت سحق المجنزرات، إلا ان النظام نفسه لأسباب بنيوية لا يستطيع فعل ذلك الآن، فقد استنفذ كل ما في جعبته من كروت ولم يعد حتى قادرا على الاتفاق حول تصدير كارت جديد يحتمي خلفه ويفعل ما يشاء.

حادثة اغتيال خاشقجي وفتاتي نيويورك “التوحش المعلن”:

تأكد اغتيال السيد خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول، وتشير بعض التفاصيل إلى تورط البعثة الدبلوماسية السعودية في أميركا في جريمة قتل الفتاتين، إن الأمر الذي تشير له تلك الحوادث ليس له علاقة بالاغتيالات السياسية، فهي قديمة ومستمرة وستحدث دائما بالتأكيد، مع إدراكنا أن قتل الفتاتين لو صح ليس له علاقة مباشرة بمصطلح الاغتيال السياسي؛ ولكن ما حدث ليس فقط اغتيالا سياسيا بالنسبة لخاشقجي، وقد يؤكد ذلك تورط السعودية بقتل الفتاتين؛ ولكنه يشير بالأساس إلى حالة من التوحش التي قد نؤكد بقدر من الثقة أنها أصبحت متوغلة بشدة داخل غالب الأنظمة العربية، ولم تعد أي تغييرات شكلية قادرة على نزع التوحش المتوطن داخل الأنظمة بشكلها الحالي، لقد ظهر ذلك بوضوح منذ أحداث الجزائر في التسعينيات وأعاد الظهور بوجهه في شوارع مصر في 2013، إلا أن دائما كان مبررا ما بصرف النظر عن صحته، ولكن الاغتيالات الأخيرة وربما القادمة ستشهد خروجا حتى عن إمكانية وجود سبب قد يبدو منطقيا في سياق كاذب.

إن الأنظمة التي تصل إلى هذه الدرجة من التوحش لا يمكنها الاستمرار بوضعها الحالي، وقد تسعى في لحظة ما إلى إعادة تركيب نفسها بنفسها لتقليل التوحش الكامن، قد لا يفيد ذلك كثيرا ولكنه يعطيها قدرا من الزمن للاستمرار.

حادثة فرح أسوان “الاستفزاز الطبقي والقيمي المعلن”

في أحد المحافظات المصرية الشديدة الجمال والشديدة الفقر أيضا في أقصى جنوب مصر، أقامت إحدى عائلات الطبقة الحاكمة بمصر حفلا أسطوريا للزفاف، لم يكن الأول بالتأكيد في مصر من حيث الإنفاق المستفز لعشرات الملايين الذين يعيشون في فقر مدقع ربما على بعد عدة كيلومترات من الفندق محل الاحتفال؛ ولكن الاستفزاز في الإعلان عن التفاصيل بكل أريحية، هناك دائما مثل هذه الأمور تتم ولكنها في الخفاء، أما الوصول للدرجة التي لا يخشى أحد إعلانها بل ويتفاخر بها؛ فهي مرحلة جديدة من “الغشم” بالتعبير المصري في الإعلان عن السفه والاحتقار للشعب.

بالتأكيد هذا حال الطبقات الحاكمة التي تستنزف الثروة وتحتكر السلطة وتستخدم كافة الوسائل والأدوات لحماية الوضع الحالي ويساندها في ذلك المتطلعين البرجوازيين سواء لجزء من السلطة أو الثروة، ويسحقوا معا بلا رحمة باقي المجتمع مهما كانت النتائج.

وفي حالة مصر الفاضحة لم يعد هناك داع لإخفاء ذلك، فكل شيء خرج للعلن ملوحا بالكلاشنكوف ومنصة القاضي لكل من يعترض، بل عليك أن تستمتع مع احتفال أسوان بالانهيار الأخلاقي والملايين المهدرة وسط عشرات الآلاف من الفقراء المحيطين بالمكان الذين ربما لا يعلموا شيئا عما حدث ولن يعلموا.

هذه الأحداث الثلاثة التي تؤكد الفشل الكامل والتوحش غير القابل للسيطرة والفصل الطبقي الحاد غير القابل للاختراق او التحرك كلها تدعم فكرة حتمية الانهيار، وأن الاستمرار مسألة وقت قد يطول أو ينقص ولكنه يهبط بشكل حر.

والقضية الآن ليست محاولة إنقاذ النظام المتهاوي؛ بل كما ذكرت في البداية كيفية الإسراع بالانهيار الحتمي، لأن أي محاولة لإنقاذه من الانهيار أشبه بمحاولة إيقاف قطار بضائع محمل بدون مكابح يهبط على منحدر منذ ساعات واقترب من نهاية الخط، ومن يحاول إنقاذه يجري بسيارة جانب القطار يحاول تنبيه السائق، فلا السائق يملك شيئا ولا القطار يملك مكابح ليقف، وربما يكون محاولة الإنقاذ هي نوع من العبث.

وبالتالي فمن المنطقي أن نتركه يواجه مصيره ونحاول التفكير كيف سنواجه الكارثة وكيف سنقلل الخسائر وكيف سنبني قطارا جديدا.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *