By / 4 مايو، 2020

استشهاد سعيد بن جبير – 11 رمضان 94هـ

هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، أبو محمد، ويقال: أبو عبدالله، عده أصحاب السير من الطبقة الثالثة من التابعين. وقد روى له البخاري، ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.

كان سعيد بن جبير، حبشي الأصل، عربي الولاء، أدرك أن العلم وحده هو الذي يرفعه، وأن التقوى وحدها هي التي تكرمه، وتبلغه الجنة، ومنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إما عاكفاً على كتاب يتعلم، وإما في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في حالة تعبد.

أخذ العلم عن طائفة من الصحابة، رضي الله عنهم، منهم: أبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم الطائي، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لكن أستاذه الأكبر، ومعلمه الأعظم، كان عبد الله بن عباس، حبر الأمة الذي لزمه سعيد بن جبير، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، والحديث وغريبه، وتفقه على يديه في الدين، وتعلم منه التأويل، ودرس عليه اللغة، حتى قال ابن عباس لسعيد بن جبير: حدث، فقال: «أحدث وأنت ها هنا؟ قال: أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد؟ فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك».

طاف ابن جبير في ديار المسلمين يطلب العلم من أهله، فلما اكتمل له ما أراد من العلم، اتخذ الكوفة له داراً ومقاماً، وغدا لأهلها معلماً وإماماً، وقد كان طلاب العلم يتوافدون على الكوفة، وكان سعيد بن جبير وعاء من أوعية العلم، فعن خصيف قال: «كان أعلمهم بالقرآن مجاهد، وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير».

ويقول ميمون بن مهران: «لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إلا يحتاج إلى سعيد». وكان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: «أليس فيكم ابن أم الدهماء؟»، يعني سعيداً بن جبير.

وقد كانت الكوفة حين اتخذها سعيد بن جبير دار إقامةٍ له، خاضعةً للحجاج بن يوسف الثقفي، وكان والياً على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر، وكان يتربع حينئذ على ذروة سطوته وسلطانه، وذلك بعد أن قتل عبدالله بن الزبير، وقضى على حركته، وأخضع العراق لسلطان بني أمية، وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك، وأعمل السيف في رقاب العباد، وأشاع الرعب في أرجاء البلاد، حتى امتلأت القلوب رهبةً منه، وخشيةً من بطشه.

ثورة ابن الأشعث

وحدث أن انشق على الحجاج واحد من قادة جيوشه هو عبدالرحمن بن الأشعث فجمع له الحجاج وحشد الجنود الغفيرة ليحاربه، وكان ابن الأشعث ينتقل من ظفرٍ إلى ظفر، فاغتنم هذه الفرصة، ودعا الفقهاء والقراء إلى مؤازرته، فاستجابت له كوكبة من جلة التابعين، وعلى رأسهم سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي.

ودارت رحى الحرب بين الفريقين، وكان النصر أول الأمر لابن الأشعث ومن معه على الحجاج وجنوده، ثم بدأت كفة الحجاج ترجح شيئاً فشيئاً، حتى هزم ابن الأشعث هزيمة منكرة، وفر ناجياً بنفسه، واستسلم جيشه للحجاج وجنوده، وتوارى سعيد بن جبير عن الأنظار وظل يضرب في أرض الله الواسعة مستخفياً عن الحجاج وعيونه، حتى لجأ إلى قرية صغيرة من أراضي مكة، ومضت عشر سنوات وهو مختف كانت كافية لأن تطفئ نيران الحجاج المتقدة في قلبه، وأن تزيل ما في نفسه من حقد على سعيد. وقدم إلى مكة وآل جديد، فجاء بعضهم إلى سعيد وقالوا: اخرج من هذا البلد، فقال: والله لقد فررت حتى صرت أستحي من الله، ولقد عزمت على أن أبقى في مكاني هذا وليفعل الله بي ما يشاء.

علم الحجاج بمكان سعيد بن جبير فأرسل إليه سرية من جنوده ألقت القبض عليه واقتادته مكبلاً بالقيود من مكة إلى العراق، وأدخل على الحجاج، ودارت بينهما محاورة أرادها الحجاج محاكمة صورية، وأرادها التابعي الجليل إقامة للحجة على الحجاج أمام الله والناس.

حوار تاريخي

سأله الحجاج : ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال الحجاج : بل شقي بن كسير، فقال سعيد: أمي سمتني وهي أعلم باسمي منك.

قال الحجاج: شقيت وشقيت أمك. فقال سعيد : لا يعلم الغيب إلا الله تعالى.

قال الحجاج: والله لأبدلنك بدنياك ناراً تلظى. قال سعيد: لو أعلم أن بيدك ذلك لاتخذتك إلهاً.

سأله الحجاج عن الخلفاء من بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيجزون بأعمالهم فمسرور ومثبور، ولست عليهم بوكيل.

وحين سأله عن علي بن أبي طالب، قال: من أولهم إسلاماً وأقدمهم هجرة وأعظمهم فضلاً، زوجه الرسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحب بناته إليه.

قال: أفي الجنة هو أم في النار؟

قال سعيد: لو أدخلت الجنة وفيها أهلها، وأدخلت النار وفيها أهلها لعلمت يا حجاج، فما سؤالك عن علم الغيب يا حجاج وقد حجب عنك؟

ولما سأله الحجاج عن رأيه فيه قال: أعفني.

قال: لا عفا الله عني إن أعفيتك.

قال سعيد: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى، قد ظهر منك جور وجرأة على معاصي الله تعالى، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة، وهي التي تقحمك الهلاك.

قال الحجاج: فأي رجل أنا؟

قال سعيد: يوم القيامة تخبر.

قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك ولا أقتلها أحداً بعدك.

قال ابن جبير: إذن تفسد علي دنياي، وأفسد عليك آخرتك

فقال الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟.

فقال سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.

قال: أتريد أن أعفو عنك؟

قال: إن كان العفو فمن الله، أما أنت فلا براءة لك ولا عذر، فقال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلما ذهبوا به ضحك ابن جبير، قال الحجاج: ردوه، فلما ردوه

قال: مم ضحكت؟

فقال سعيد: تعجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عنك، فأمر الحجاج بنطع فبسط

وقال: اذبحوه، فكان استشهاد سعيد بن جبير في سنة أربع وتسعين وكان يومئذ ابن تسع وأربعين سنة. ومات ولسانه رطب بذكر الله.

ولم يعش الحجاج بعد مقتل سعيد إلا ست عشرة ليلة مرض خلالها، وظل يردد: مالي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي، ثم يأخذ بمجمع ثوبي، ويقول لي: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ الحجاج مذعوراً وهو يقول: مالي ولسعيد بن جبير؟


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *