By / 1 فبراير، 2019

الأبعاد العقائدية والاستراتيجية في تداعي الأمم على أمة الإسلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن القرن العشرين الميلادي أو القرن الرابع عشر الهجري قد تحققت فيهما الأخبار الصحيحة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل حذافيرها وهي تلك التي تتحدث عن حال الأمة المسلمة وحال بقية الأمم من يهود ونصارى ومشركين كمرحلة من مراحل الأمة السياسية والتاريخية والتي حفلت بها العديد من الأحاديث الصحيحة ومنها:

  • عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ. صحيح أبي داود
  • عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناسُ يَسأَلونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الخيرِ، وكنتُ أسأَلُه عنِ الشرِّ، مَخافَةَ أن يُدرِكَني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ، فهل بعدَ هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: (نعمْ)، قلتُ: وهل بعدَ ذلك الشرِّ من خيرٍ؟ قال: (نعمْ، وفيه دَخَنٌ). قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: (قومٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَديِي، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ). قلتُ: فهل بعدَ ذلك الخيرِ من شرٍّ؟ قال: (نعمْ، دُعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابهم إليها قَذَفوه فيها). قلتُ: يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا، قال: (هم من جِلدَتِنا، ويتكَلَّمونَ بألسِنَتِنا). قلتُ: فما تأمُرُني إن أدرَكني ذلك؟ قال: (تَلزَمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهم). قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: (فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شجرةٍ، حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت على ذلك. متفق عليه

والشاهد في الحديثين حال الأمة في عصر محدد وحال الأمم الكافرة وتعاملها مع أمة الإسلام، أما حال الأمة فهو أنها ستكون في هوان لا تخطئه العين وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالغثائية أي الضعف الشديد وعدم التأثير في الحياة كما يحمل السيل والبحر الزبد وقطع الأخشاب الطافية على وجهه، ثم وصف للسبب المباشر الذي سيؤدي إلى هذه الغثائية وهو وصف الوهن بتسكين الهاء ويجوز بنصبها والذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بحب الدنيا وكراهية الموت أي بكراهية الجهاد في سبيل الله عز وجل، وينتج عن ذلك كله أثر خطير وهو طمع أمم الأرض في أمة الإسلام ومقدراتها وخيراتها ومقدساتها فتأتي بنسق ونظام فتتقاسم الأرض وتفرض السيطرة على كل شيء وهو المعنى الذي ذكره صلى الله عليه وسلم تحت مصطلح “تداعي الأمم”.

ويترتب على هذا السقوط والضعف الشديد في أمة الإسلام إلى آثار عقائدية وسياسية واستراتيجية تعاني منها كل الأمة بغض النظر عن أعراقها وقومياتها وأوطانها وجنسياتها، وهو الذي نلحظه بوضوح، فإن المعاناة الخطيرة لا يخرج منها أحد فالمسلمون الإندونيسيين مع عددهم الذي يتخطى مائتي وخمسين مليون إنسان هم في حالة الاستضعاف والهوان كدولة لا يتعدى وزن أهلها مليون نسمة كالإمارات فكلهم في الذلة والمهانة سواء وهو معنى مطابق للغثائية التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم.

كما نتج عن هذه المرحلة الخطرة أثر سياسي تمثل في سقوط نظام الخلافة الإسلامية التي تمثل وجود الأمة الكلي منذ 1400 عام وقيام أعداء الأمة وبالذات اليهود والنصارى بتعيين وتسمية حكام المسلمين وحدود أقطارهم حيث تمت العملية هذه على مرحلتين، أما المرحلة الأولى فهي التي تمت في بداية القرن العشرين عندما بدأ الإنجليز والفرنسيون بتسمية الملوك وتحديد المساحات التي يحكمون عليها، وأما المرحلة الثانية فهي التي انعقدت أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1945م حيث فسح النصارى للانقلابات العسكرية على بعض الأنظمة الملكية ثم ربطوا النظامين الملكي والعسكري برباط واحد هو جامعة الدول العربية لأن الذي اقترح هذا النظام هو السير أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني.

والأخطر في النظام السياسي العربي ومن خلال ممارساته التي تجاوزت قرنا كاملا حتى الآن هو تحقق وصف النبي صلى الله عليه وسلم “دعاة على أبواب جهنم” فإن الممارسات القمعية والبطش والإجرام القانوني والأخلاقي والاقتصادي الذي مارسته جعل من تلك النظم وصية ومعنية بمنع الأمة وشعوبها من العودة إلى دينها وتحكيمه في شؤونها وبالتالي انهارت المصالح العليا للأمة وأصبحت مهمة النظم القمعية هو فتنة الشعوب عن دينها وتطبيق المذاهب والأفكار المنحرفة عليها وباستخدام نظام الدولة المهيمن، كالفكر البعثي والشيوعي والناصري والاشتراكي والخضوع للملكية المطلقة التي تعاونت وتكاملت مع الأنظمة العسكرية في فرض القمع ورعايته باسم القانون وباسم الوطنية حتى سقطت المقدسات وانتهكت الحرمات.

ومن أخطر الأبعاد في ظل هذه المرحلة وهي مرحلة الغثائية والوهن اعتماد الأمم المعادية للأمة في حربها لها على أديانها وعقائدها وتكامل حصارها وهيمنتها على الأمة المسلمة فالصليبيون الغربيون وهم البروتستانت والكاثوليك فقد مثلهم الإنجليز والفرنسيون في مشروع متكامل ومتساند تمكن من احتلال مصر عام 1882م ثم التدخل الأمني والعسكري في الحرب العالمية الثانية في تركيا حتى أسقطوا الخلافة العثمانية ودخلوا بيت المقدس وهيمنوا على الشام بشكل منسق وموحد، وكذلك فعل اليهود حيث حددوا أهداف مشروعهم الكبرى وهو إنشاء دولة يهودية في بيت المقدس فتجمع اليهود والذي يحملون جنسيات مختلفة ويتكلمون لغات مختلفة حتى أسسوا الكيان الصهيوني ولولا التجمع تحت عقيدة محددة لما تمكنوا من إنشاء مشروعهم وغزو الأمة المسلمة، ثم رأينا بعد ذلك مشاريع مختلفة تسهم في التداعي على الأمة كمشروع الاتحاد السوفيتي الملحد الذي قتل ما يقرب من أحد عشر مليون مسلم في أنحاء الاتحاد السوفيتي، وكذلك فعل المشروع الصيني الملحد البوذي والمشروع الهندوسي وأخيرا المشروع الصفوي الإيراني الذي أحيا عقائد الباطنية ودخل العراق متوحدا ومتكاملا مع المشروع الصليبي الغربي عام 2003م.

أما البعد الاستراتيجي بين هذه المشاريع وما تفرضه من هيمنة على ساحات المسلمين المختلفة فيمكن أن نراه في طبيعة المعركة التي يفرضونها على الأمة المسلمة عربها وعجمها من تركستان الشرقية إلى الشيشان والبوسنة مرورا بأفغانستان والعراق وسوريا وصولا إلى ليبيا غربا واليمن جنوبا، فكل هذه المشاريع تعتمد أداء متشابها في الصراع يمكن أن نسميه مسارات المعركة وسماتها الأساسية حيث يمكن رصد تلك المسارات بوضوح في خمسة مسارات وهي:

  • المسار الأول: المسار الأمني
  • المسار الثاني: المسار العسكري
  • المسار الثالث: المسار السياسي والفكري
  • المسار الرابع: المسار النفسي والإعلامي
  • المسار الخامس: المسار الاقتصادي والتنموي

ويوضح الشكل التالي هذه المسارات

فمن خلال تلك المسارات تقوم تلك المشاريع العدوة لأمة الإسلام بتطويق وحصار وقتل أبناء الأمة وفرض السيطرة التامة عليها في مشهد متكامل يمكن رؤيته في أفغانستان منذ عام 2001م وإلى يومنا هذا ويمكن رؤيته في العراق منذ عام 2003م وإلى يومنا هذا ويمكن رؤيته في ساحات الثورة العربية.

وأخيرا ما هي المؤشرات الأساسية التي يمكن أن نستفيد منها ونوظفها في الصراع لصالح أمة الإسلام تأسيسا على الوصف السابق لطبيعة المعركة العقائدية والاستراتيجية؟

والجواب مختصرا في النقاط التالية:

ضرورة البدء من نقطة المشروع الكلي الذي يمثل وجود الأمة العقائدي والبشري والجغرافي والتاريخي وعدم الانغلاق على البعد القومي أو العرقي فضلا عن البعد الوطني، فإنه وبدون تأسيس مشروع حضاري يمثل ثقل الأمة الحقيقي فإن الصراع سيبقى محسوما لصالح الأعداء على الدوام، وهذا يقتضي مراجعة كل الاجتهادات الجزئية التي تقود الصراع السياسي والفكري والجهادي في مختلف المواقع.

لا بد من تأسيس مشروع الأمة على الأبعاد العقائدية في الصراع وفق ما ورد في الكتاب والسنة ووفق أداء الأمة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم التفريط في هذا الجانب.

ضرورة دراسة مسارات المعركة التي تفرضها المشاريع المتداعية على الأمة في أبعادها الاستراتيجية والتكتيكية وفك طلاسمها وأسرارها، ووضع ما يكافئها من نظريات وتصورات استراتيجية، وإعداد المناهج التأهيلية التي تؤدي إلى إنجاز الطاقات البشرية المؤهلة والعقليات العبقرية القادرة على إدارة الصراع وتفكيك عقده، والعمل على وضع المناهج التي تبني مهارات وتخصصات بشرية محترفة في فنيات الصراع وقادرة على إدارة المعركة مهما امتد بها الزمن واتسعت بها الرقعة الجغرافية.

والله أعلم وأحكم


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *