By / 29 يونيو، 2019

الإرهاب ..والحساب

عادة ما نقول “1+1=2” فى إشارة إلى قضية محسومة، ومنتهية، لا تقبل الجدل؛ فالقضايا التي يمكن تمثيلها بالأرقام، تُكسبها الأرقام ما لها من بساطة وحسم وإيجاز، ومن ثم توقف تدفق الجدل حولها، وتحسم ميوعة الحكم فيها، وتُعليه فوق انحرافات الأهواء واختلافات الأفهام.

وهذا ما انتهجه البروفيسور “ستيفن فيش” أستاذ العلوم السياسية بجامعة “كاليفورنيا، بيركلى” ، وصاحب كتاب “هل المسلمون مختلفون؟”، الصادر عن جامعة “اكسفورد” 2011. وقد كتب “فيش” في أعقاب حادثي باريس وكوبنهاجن (2016)؛ مقالًا بعنوان: “أبدًا، الإسلام ليس عنيفًا بطبيعته، والحساب يثبت ذلك” () .

يقول “فيش” في مقاله: بنظرة “خاطفة” على البيانات من عام 1994 وحتى عام 2008، عددت 204 تفجيرًا إرهابيًا حول العالم، يُعد الإسلاميون مسئولون عن 125 منها، بما يمثل 61% من الحوادث، و70% من الوفيات.

هذه كانت النظرة “الخاطفة” كما وصفها “فيش”، ثم يبدأ بتحليلها، وتدقيقها ..

أستبعدت من البيانات جميع الحوادث التي وقعت في العراق عقب الغزو الأمريكي، فقد اعتبرت أن الهجمات على القوات العسكرية المحتلة في أى مكان من العالم؛ هي مقاومة على طريقة حرب العصابات، وليست إرهابًا.
كما أننى أستخدم تعريفًا مقيدًا للـ “إسلاميين”، لذا صنفت هجمات الانفصاليين الشيشان بأنها إثنية وليست إسلامية.

ولكننا حتى وإن أعدنا ضبط وتقييد مصطلحي: “الإرهاب” و”الإسلامي”، بما يحد من عدد الحوادث والإصابات التي يمكن إلقاء تبعتها على الإسلاميين؛ فإن الإسلاميين يبدون كجناة رئيسيين!

قد يوحى جميع ما سبق بأن الإسلام أكثر عنفًا، أليس كذلك؟ يسأل “فيش”. ثم يجيب: لا، ليس كذلك!

عد بالزمن خمسين أو مائة عام سبقت، كان هناك الشيوعيون، والأناركيون، والفاشيون وغيرهم. وحتى في الوقت الراهن، لا يمكن البتة اعتبار الإسلاميين وحدهم جناة حصريون. فهناك “نمور التاميل” في “سيرلانكا”، وإرهابي المخدرات في “كولومبيا”، يفجرون المدنيين وليس لهم علاقة بالإسلام، وفي الولايات المتحدة تشكل حركة “المواطنون ذوي السيادة” تهديدًا أكبرًا مما يشكله الإسلاميون.

“فيش” يستدعي من الزمن مائة عام فقط، ظهر خلالها العديد من أصحاب الأيدلوجيات والتوجهات المختلفة، اتسموا بالعنف، ومارسوا الإرهاب على نطاق واسع، بينما لم يكن للإسلام ذكر في هذه الساحة؛ وهذا ينفي وصمه بالعنف، ووصفه بالإرهاب، فبروز العنف (بصرف النظر عن أسبابه) قي حالة “ظرفية”: ظرف زمان، وظرف مكان، وظرف سياسي وتاريخي خاص؛ لا يجعل منه صفة وصبغة أصيلة، فضلًا على أن يجعلها حصرية!

ويعود “فيش” من هذه الرحلة الزمنية القصيرة، إلى واقعنا الحاضر منبهًا إلى جماعات العنف التي تنتشر في أنحاء العالم، شرقه وغربه، ولا يربطها بالإسلام صلة من قريب أو بعيد، ولكن الإسلام وحده هو ما ثبتت أصابع الإتهام إشارتها إليه!

مرة ثانية يدعونا “فيش” لمزيد تمعن في الأرقام، حيث نجدهم لا يهاجمون الغرب كثيرًا. فمن بين الـ 125 هجومًا التي أحصاها “فيش” سابقًا؛ وقع 77 هجومًا (وهو ما يمثل 62%) منها في دول ذات أغلبية إسلامية، وضحاياها فى الغالب من المسلمين. الـ 40 هجومًا الأخرى وقعت فى ثلاث دول فقط: إسرائيل، والهند، والفلبين. فقط 4 من بين 125 هجومًا وقعت في نصف الكرة الغربي أو أوروبا. لقد كانت مروعة ودرامية كما أرادوا لها أن تكون، ولكنها كانت ولا تزال نادرة.

هذا يعنى أن احتمال مصرع شخص أمريكي، بأي عمل إرهابي، في سنة ما، هو 1 من بين 3.5 مليون شخص. وفرصة القيام بهذا العمل لن تكون لإسلامي. 3 مليون مسلم يعيشون في الولايات المتحدة، ومع ذلك؛ فإن احتمال أن يلقى أمريكي مصرعه بسقوط أثاثه أو أجهزته المنزلية عليه، أكبر من أن يقتله إسلامي!

ينتقل “فيش” إلى مماراسات أخرى من العنف، فيها يقتل الناس بعضهم بعضًا إلى جانب الإرهاب، فيذكر طرح “صامويل هنتنجتون”؛ “صدام الحضارات”، ويأتي على العمل الذي يصفه بأنه “أحد أكثر أعمال العلوم الإجتماعية المدونة تأثيرًا في أواخر القرن العشرين”؛ بالنقد والنقض. 

يعرض “فيش”؛ ادعاء “صامويل هنتنجتون” أن المجتمعات الإسلامية “دموية”، وتأكيده على أنها تعاني من عنف سياسي داخلي مفرط، قاصدًا بذلك الحروب الأهلية والتمردات والاشتباكات العرقية والقمع الحكومي المتواصل، فهذه الأنواع من العنف تحصد أرواحًا أكثر كثيرًا مما يمكن للعمليات الإرهابية العارضة أن تحصدها.

ويرد “فيش” على ذلك فيقول، أن “هنتنجتون”  لم يقدم سندًا لادعائه، وقد فحصت ذلك بنفسي. شهد العالم 235 نوبة من نوبات العنف بين عامي 1946 و 2007. مجموع من فقدوا حياتهم في هذه الصراعات يربو على 21 مليون شخص!

وهنا .. أطروحة “هنتنجتون” عن دموية المسلمين تسقط بشكل فاضح؛ عندما ننظر فى الأدلة. ففي البلاد ذات الأغلبية المسلمة؛ هلك حوالي 65% من السكان فى نوبات العنف الشديدة، بينما المقابل في البلاد غير الإسلامية كان 72%. وفي فترة ما بعد الحرب؛ فإن البلاد الإسلامية عانت بدرجة أقل قليلًا من الخسائر في الأرواح خلال نوبات العنف السياسي الكبرى مقارنة بالدول غير الإسلامية.

ويؤكد “فيش” أن: تحليل الأرقام شائك ومخادع. وحتى تصل إلى نتائج تأمن إليها وتثق بها؛ من الضروري أن تفحص الأرقام بطرق متعددة، ولكن بأي طريقة تناولت بها بيانات أطروحة “هنتنجتون” فإنها تسقط. المجتمعات الإسلامية ليست أكثر عرضة لعنف سياسي جمعي من غيرها.

ثم ينتقل “فيش” لجرائم العنف، فيسأل: ماذا عن جرائم العنف؟ ويجيب: ماذا عن جرائم العنف؟ هنا، فإن المسلمين يتراجعون خلفنا في هذا المضمار. معدلات القتل في البلاد ذات الأغلبية المسلمة؛ جريمتا قتل لكل 100,000 شخص سنويا؛ تقريبا. بينما فى البلاد غير الإسلامية؛ يبلغ متوسطها تقريبا 8 لكل 100,000. تتقلب معدلات القتل من سنة إلى إخرى؛ لكنها منخفضة دومًا فى المجتمعات المسلمة. يبلغ معدل جرائم القتل في أندونسيا، أكبر بلاد العالم الإسلامي؛ 1 لكل 100,000، وهو ما يعادل خُمس (1/5) المعدل في أكبر بلد مسيحي في العالم؛ الولايات المتحدة. فالبلاد المسيحية تعيش بمعدلات قتل لا يعرفها العالم الإسلامي. اعتاد البرازيليون، والمكسيكيون على معدلات قتل تتراوح بين 15 إلى 25، المعدل في فنزويلا جاوز الـ 50. بينما الأتراك والمصريون والماليزيون تتراوح المعدلات لديهم بين 2، 4. في السنة الآمنة ذات المعدل الأقل؛ تسجل جنوب أفريقيا المسيحية حوالى 30 حالة قتل، بينما تسجل السنغال المسلم في أسوأ سنواتها عُشر (1/10) هذا الرقم. 

يدعو “فيش” المشككين بهذه الأرقام إلى السير فى كل من “دكار” التى تزينها المآذن؛ و”جوهانسبرج” التى تزينها أبراج الكنائس؛ ليلًا، وليقارنوا تجاربهم بالمدينتين. وللمزيد؛ عليهم أن يتجولوا بعد حلول الظلام في المناطق الفقيرة من “اسطنبول” أو “أنقرة”، ثم يكررون ذلك فى “فيلادلفيا” أو “أوكلاند”. 

الأرقام والتجارب التي عرضها “فيش” تثير دهشته، ويحاول أن يجد لها تفسيرًا! ولكنه يستبعد أن يكون ذلك بسبب أن المسلمين يعيشون فى ظل أنظمة سياسية أكثر استبدادًا؛ حيث يخشى المجرمون السلطات. فإن البيانات (مرة أخرى) تظهر أن الأنظمة الاستبدادية لا تحسن السيطرة على جرائم العنف مقارنة بالديمقراطيات. فحتى لو كان المسلمون يرزحون تحت وطئة أنظمة سياسية قاسية؛ فإن هذا لا يفسر أنهم أقل عرضة للجريمة.

نترك “فيش” يواصل البحث عن إجابة سؤاله سر انخفاض معدل الجريمة عند المسلمين؛ بينما عرفنا نحن إجابة سؤاله “هل المسلمون مختلفون؟”، بالفعل هم مختلفون، مختلفون إيجابًا لا سلبًا، والحساب يثبت ذلك.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *