By / 21 نوفمبر، 2020

الإمبراطورية الأوروبية والجدل حول الاتحاد الأوروبي

أحمد مولانا
باحث سياسي

لا تزال الدراسات المعنية بالشأن الأوروبي تتجادل حول ماهية الاتحاد الأوروبي هل هو منظمة تضم حكومات دول أوروبية تنسق أنشطتها فيما بينها مما يجعل الاتحاد يندرج ضمن (المنظمات الدولية الحكومية) أم هو مسار تكامل سيتحول في النهاية إلى اتحاد فيدرالي بين الدول الأوروبية؟ أم هو نظام حكم متعدد المستويات يتكون من شبكة من المؤسسات أم هو شكل جديد من أشكال الإمبراطوريات؟

ففي دراسة بعنوان (الإمبراطورية الأوروبية: الدولة والسلطة السياسية في عملية التكامل الأوروبي) يجادل ألريتش بيك وإدجار جراند بأن الدراسات المتعلقة بتكامل الاتحاد الأوروبي لم تنجح في الإجابة عن سؤال ما الذي تعنيه أوروبا فضلا عن ما الشكل الذي ينبغي أن تصبح عليه أوروبا مستقبلا. فمن منظورهما تواجه تلك الدراسات أزمة منهجية تتمثل في الرؤية محدودة الآفاق من منظور الدولة القومية إلى الاتحاد الأوروبي مما يحصره بين نموذجين أحدهما هو التعاون الحكومي الدولي بين دول ذات سيادة، والآخر هو النموذج الفيدرالي فوق الوطني الذي يهدف إلى تأسيس دولة فيدرالية بديلة للدول القومية الأوروبية.

فرغم أن عملية التكامل الأوروبية تطلبت تنازل دول الاتحاد لصالح مؤسسات الاتحاد الأوروبي عما ُيعد حقوقا سيادية للدول مثل السياسات الزراعية والتعريفات الجمركية وضوابط نقل السلع والأفراد عبر الحدود إلا أن الاتحاد لم يتحول إلى منظمة دولية أو دولة فيدرالية تحتفظ بكافة الحقوق السيادية للدول مما دفع بعض العلماء والمؤرخين والفلاسفة إلى طرح مفاهيم جديدة تحاول تفسير نموذج الاتحاد الأوروبي على أنه مجموعة من الشبكات أو شبكة من المؤسسات تربط بين هياكل وإجراءات عمليات صنع القرار، وهو ما يختلف عن الدولة القومية ذات السيادة حيث أن تلك الشبكات لا تملك مركزا محددا مثل العواصم ينفرد بصنع القرار.

وفي المقابل يؤكد بيك وجراند على أن نموذج الاتحاد الأوروبي لن تصلح لتفسيره النظريات والمفاهيم المعتمدة على مفهوم الدولة في ظل أنه لا يأخذ شكل الدولة أو المنظمة الدولية. ويطرحان بالمقابل نموذجا تفسيريا يقوم على النظر للاتحاد الأوروبي باعتباره نوعا جديدا من إمبراطورية ما بعد عصر الإمبراطوريات. إمبراطورية لا تعتمد على الغزو لتوسيع حدودها لكن تعتمد على التعاون الطوعي، والتوافق، والاعتماد المتبادل بين مكوناتها. وفي سياق التنظير لهذا التفسير تحدث بيك وجراند عن إعادة تعريف مفهوم الإمبراطورية عبر أربع خطوات:

أولا: التفريق بين مفهوم الإمبراطورية ومفهوم الدولة

يفترض بيك وجراند أن الدولة والإمبراطورية لكل منهما منطق مختلف للسلطة السياسية رغم قيامهما بنفس المهام مثل حفظ الأمن الداخلي للمجتمع، والعمل على رفاهية المواطنين. فالدولة وفق تعريف ماكس فيبر تتكون من مجموعة من الأفراد يعيشون في إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين، وتحظى بالاعتراف من جهة الشعب والدول الأخرى. وتميل الدولة إلى توحيد المعايير والخدمات التي يحصل عليها مواطنوها، وتنظيم شئونها الداخلية وفقًا لمبدأ التجانس الاجتماعي والثقافي، والعمل على الحفاظ على حدودها الثابتة والدفاع عنها.

أما الإمبراطورية فتعكس نهجا لممارسة السلطة السياسية يميل للتغلب على ثنائية الداخل والخارج، وحل مشاكلها الأمنية والاقتصادية عبر التوسع الدائم مع السماح لرعاياها بالاحتفاظ بدرجة معينة من الاستقلال. وفيما توجه الإمبراطوريات مخاطر من قبيل الإجهاد المصاحب للتوسع الخارجي، ومشاكل تتعلق بضعف التماسك الداخلي في ظل تنوع قوميات المواطنين واختلاف هوياتهم. تواجه الدول مشاكل ترتبط بالنمو المفرط للدولة الأمنية القمعية أو التوسع في توفير الرفاهية.

وفي ظل تفكك الأنظمة الاستعمارية الإمبريالية ونهاية عصر الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الأولى أصبحت الدولة الحديثة هي الشكل المعتمد للسلطة المشروعة منذ النصف الثاني من القرن العشرين. ويذهب بيك وجراند إلى أن بقاء استمرار نموذج الدولة الحديثة في ظل عصر العولمة أصبح محفوفا بالمخاطر، ومن ثم يتوقعان أن يصبح نموذج حديث من الإمبراطورية هو الشكل المناسب من التنظيم للسلطة السياسية في القرن الحادي والعشرين.

ثانيا: الاختلاف عن الأشكال الأخرى للنظام الدولي

يشدد بيك وجراند على أن نموذج الإمبراطورية الحديثة لا يختلف عن نموذج الدولة فقط، إنما يختلف أيضا عن النماذج الدستورية للنظام الدولي والأنظمة فوق الوطنية. فالسلطة الإمبراطورية تُرتب وفقًا لنظام الدوائر والأشكال البيضاوية بحيث تتدرج درجة الالتزام الذاتي بالسلطة من الوسط (العاصمة) إلى الأطراف بشكل متناقص. وتمارس الإمبراطورية هيمنتها على محيطها بشكل غير مباشر من خلال التفوق العسكري والاقتصادي. بينما الدول العظمى هي في النهاية دول تعمل ضمن الإطار الوستفالي الذي يكفل ولو من حيث المبدأ فقط احترام سيادة الدول الأخرى.

أما الاتحاد الأوروبي فيمثل خليطا فريدا حيث لا يُلزم كافة الدول المندرجة في عضويته بكافة أشكال التكامل، إذ يمكن لبعض الدول أن تتكامل في مساحات معينة مثلما هو الحال في ملف الاتحاد الاقتصادي والنقدي، الذي يضم ستة عشر دولة فقط من أصل سبعة وعشرين دولة عضوا في الاتحاد. وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي أقرب لشكل الإمبراطورية التي تراعي الفوارق بين مكوناتها، وتتسم بمرونة في توسيع نفوذها بالخارج.

ثالثا: المقارنة بين الإمبراطورية الأوروبية والمتغيرات الأخرى للإمبراطورية

يشدد بيك وجراند على أن عملية تشكل الإمبراطوريات أخذت تاريخيا أشكالا متنوعة، ومرت بمراحل مختلفة من التطور المتناسب مع طبيعة مكوناتها الأساسية (قبائل، دول، هياكل إقطاعية). ويميز بيك وجراند بين شكلين أساسيين من الإمبراطوريات. الأول إمبراطوريات ما قبل الحداثة التي تشكلت من عناصر دون الدول مثل العشائر والقبائل. والثاني الإمبراطوريات الحديثة التي تتكون عادة من دول غالباً ما تكون دولا قومية مثل الإمبراطورية البريطانية، وإمبراطورية آل هابسبرج.

ويذهب بيك وجراند إلى أن الأشكال الجديدة لبناء الإمبراطورية ستمثل نمطًا جديدًا للسلطة السياسية في العصر الثاني للحداثة يتكون من دول قومية تتمتع بالسيادة لكنها ستتجاوز الدولة القومية. وهو ما يختلف عن الشكل الحداثي الأول للإمبراطوريات الذي قام على نموذج إمبريالي تعمل خلاله الدولة القومية على بناء إمبراطورية عالمية عبر استبدال مبدأ السيادة بمبدأ القهر التنافسي للآخرين.

رابعا: خصائص الإمبراطورية الأوروبية

عند مقارنة الاتحاد الأوروبي بنموذج الإمبراطوريات الحديثة الذي يطرحه بيك وجراند، يزعمان أنهما يتشابهان في عشر سمات على الأقل عند استحضارها يترجح من منظورهما أن مفهوم الإمبراطورية أكثر ملاءمة من مفهوم الدولة (أو المفاهيم الأخرى للسياسة الدولية المشتقة منه) لفهم الاتحاد الأوروبي. ومن أبرز تلك السمات المشتركة:

النظام السياسي غير المتكافئ: فدول الاتحاد الأوروبي لا تتمتع بنفس الحقوق أو الواجبات ففي حين توجد مساحات التكامل فيها بين بعض أعضاء الاتحاد عميق، مثل دول منطقة اليورو التي تتبنى عملة موحدة، توجد مساحات أخرى تتسم بالتعاون المحدود كما هو الحال في السياسة الخارجية والأمنية.

الحدود المفتوحة والمرنة: فالحواجز الحدودية بين دول الاتحاد تتلاشى في ظل توسع حدود الاتحاد بمرور الوقت لتشمل العديد من دول شرق أوروبا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. فبينما تتسم حدود الدول بالثبات تتسم حدود الاتحاد الأوروبي بالمرونة والتوسع وفقا لمعايير سياسية وجغرافية.

البنية المجتمعية متعددة الجنسيات: حيث يضم الاتحاد الأوروبي مكونات متعددة الأعراق والأديان والثقافات والهويات الوطنية مثلما هو الحال في الإمبراطوريات.

التكامل من خلال القانون والتوافق: فالاتحاد الأوروبي يتشكل من خلال الاتفاق الطوعي على الاعتراف بالقانون الأوروبي وتطبيقه. ويواجه الاتحاد الأوروبي تحديا يتمثل في ضمان تعاون الدول الأعضاء به في حين واجهت الإمبراطوريات القديمة تحديا يتمثل في السيطرة العسكرية والإدارية على الأراضي التي تحكمها.

حل مشاكل الرفاه عبر توسيع الحدود: ففي الإمبراطوريات القديمة كانت تُحل المشاكل الأمنية عبر توسيع الحدود إلى الخارج وإخضاع مناطق انعدام الأمن للسيطرة المباشرة؛ والتحكم في الموارد والعمالة ورأس المال بينما في الاتحاد الأوروبي يتمثل الهدف الأول في التكامل وتجنب اندلاع حروب جديدة، ثم توسيع أسواقه الاقتصادية.

في المقابل تشير العديد من الأحداث العالمية إلى اتساع حجم التيارات اليمينية والشعبوية التي تتمحور حول الهويات القومية مثلما أظهرته أزمة انتشار فيروس كورونا والاعتماد خلالها على المقدرات الوطنية في مواجهة المرض فضلا عن الخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي بخصوص التعامل مع أزمة اللاجئين والمهاجرين، والفشل في تبني سياسات أوروبية خارجية موحدة تجاه العديد من القضايا، وصولا إلى تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. فمثلما كان تصاعد الشعور القومي سببا في تفكك الإمبراطوريات المعاصرة مطلع القرن العشرين، فنفس الأمر يهدد حاليا الاتحاد الأوروبي في ظل تقديم الدول الأعضاء به للمصالح القومية على المصلحة الجماعية.

وأيضا ينظر أغلب الأوروبيين إلى المؤسسات الأوروبية باعتبارها أقل أهمية من المؤسسات الوطنية. كما تحتفظ الدول الأوروبية بجيوشها الوطنية وبعضها يحتفظ بعملته المحلية، ويمكن للدول الأوروبية عقد معاهدات واتفاقات ثنائية ومتعددة مع دول أخرى مما يجعل وصفها بالنموذج الإمبراطوري محل جدل. فالدول الأعضاء تظل فاعلا محوريا داخل الاتحاد الأوروبي، وتُستمد السلطة في كافة مؤسسات الاتحاد الأوروبي عدا البرلمان من حكومات الدول الأعضاء.

الشاهد مما سبق أن مشروع الاتحاد الأوروبي لم ينطلق وفق رؤية مفصلة تحدد شكله وخطواته المستقبلية بدقة، إنما تأسس وفق رؤية إجمالية تتطور بالتدريج، وهو الأمر الذي يتجاهله البعض عند الحديث عن شكل الدولة الإسلامية المنشودة فيطلبون منذ اللحظات الاولى تحديد تفاصيل جزئية لا تتحدد أصلا سوى بمرور الوقت والتفاعل مع الواقع.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *