By / 7 أبريل، 2020

الاستعمار الفكري لبلاد المسلمين 

في آخر الأخبار جاءت القنوات والصفحات والمجلات بذكر الخبر التالي:  الدحيح سفير الشباب العربي في هارفارد. 

تهافتت المشاركات والتعليقات للتهنئة والمباركة والفخر بالشاب أحمد غندور(الدحيح)  وكان تعليقي الأول: ماذا أنجز لنا لكي يتحدث باسمنا؟ كان الجواب من أحدهم: هو يقدم محتوى هادف!!  

لم أستغرب من اختيار الدحيح سفيرًا للعرب في هارفارد، فالدحيح يقدم في حلقاته عِلم غربي بحت بخيره وشره وقد تعدى ذلك إلى نشر أفكار إلحادية في بعض حلقاته والتي فندها وجاء على ذكرها الدكتور إياد القنيبي  وهي ليست محل ذكر وتفصيل ها هنا، فالدحيح بالنسبة للغرب طفلهم النجيب وذراعهم للشباب العربي. 

ما نعانيه في عالمنا العربي كجزء من أمة الإسلام، أن ابناءنا إذا ارسلناهم للغرب عادوا لنا بأفكار تعادي الدين الإسلام، ولا تفيدنا في أي ناحية من نواحي التطور اقتصاديًا أو عسكريًا أو سياسيًا، يقول الإمام محمد الغزالي ذاكرًا هذه المعضلة التي نعاني منها: لكن المأساة المثيرة للبكاء أننا نرسل طلابًا ليكملوا نقصنا في هذه الناحية فإذا الذاهب إلى موسكو يعود بفكر ماركسي، والذاهب إلى واشنطن يعود بفكر انحلالي تبشيري، والعلم النافع القليل الذي حصل عليه سرعان ما يتبخر ولا تجد له أثراً، أو أثراً ضره أكثر من نفعه.(1)

دعنا نتفق أولًا على اننا لم نكن عالة على غيرنا من الأمم على مر العصور كما يتصور أبناء أمتنا ممن أغواهم الغرب برقيه وطول بنيانه وعظمة شأنه ولا يفهم من كلامي إنكار واقعنا المرير ولكنها دعوة لتصحيح المسار بعدم إنكار الذات وجلدها وإنما تعزيزها وتصحيح الخطأ والعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم وإلى عهد كنا فيه أعزاء، ولنعرض بعض الحقائق التاريخية لنصل إلى اتفاقنا بأن تاريخنا مشرق وذهبي

لا يزال الزعم السائد منذ عام 1552 أن الجراح الفرنسي (أمبرواز باري) هو أول من قام بإيقاف نزف الأوعية الدموية الكبرى، افتئاتاً ظاهراً، فإن صاحب الحق في هذا السبق الطبيب العربي أبو القاسم قبل ستمائة عام خلت قبل الفرنسي!!(2)

انظر كتاب العلوم عند العرب لنوال حسن البحطيطي، وسترى في تقسيمات الكتاب أن العرب لم يدعو بابًا للعلم إلا  طرقوه، ولا طريقًا للحق إلا سلكوه ولا ينكر الحقائق التاريخية لأمة الإسلام إلا حاقد وجاهل، فقد تناول الكتاب في عدة فصول العلوم عند العرب والمسلمون على النحو التالي:

  • الفصل الأول: الفلاسفة المسلمون
  • الفصل الثاني: العلوم الرياضية عند علماء العرب والمسلمين
  • الفصل الثالث: علم الفيزياء عند العرب والمسلمين
  • الفصل الرابع: علم الفلك عند العرب والمسلمين
  • الفصل الخامس: الكيمياء عند العرب والمسلمين
  • الفصل السادس: علوم الأرض عند العرب والمسلمون

تعرضت الوقائع التاريخية التي جاء على ذكرها الكتاب وغيره من الكتب لمحاولة جاهدة للتعتيم والتضليل ومحاولة محو تاريخنا المشريق من سجلات التاريخ البشري ضمن ما أسماه الباحث التاريخي جهاد الترباني بالغزو التاريخي، فبعد الضعف والانهزام العسكري الذي لحق بالأمة في القرون الأخيرة أقتضت الحاجة لأعدائنا بأستبقاء أمتنا على حالها عبر إقناعهم بأن الحل هو التغريب(اتباع الغرب) وبدأت حملاتهم ولا زالت إلى يومنا هذا محاولين إفناء أمتنا،  وليس الحرب العسكرية فقط هي السبيل إلى ذلك، فالحرب الفكرية تدور رحاها بين ظهرانينا ومن شرق بلادنا لغربيها، وما أستطيع قوله أن الحرب الفكرية والعداء للدين في أوجه وقمته وأننا نخوض في أيامنا حرب فكرية والسلاح فيها القلم والكتابة والوسائل المقالات والكُتب والمجلدات والأبحاث والفائز هو الإسلام بالتأكيد فلست بحاجة للتفكير ولو لمجرد لحظات على أن الإسلام باقي وأن الخير في أمة الإسلام إلى يوم الدين، والحرب الفكرية ليست تحاك من تحت الطاولة فهي هجوم على العلن ولا خفاء فيها فقط عليك البحث والإطلاع لترى كم البحوث والكتب الساعية لتشويه الإسلام وما هم إلا كما قال تعالى في محكم التنزيل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) صدق الله العظيم.

لم تكن الدعوة التي بدأت تخرج من روسيا مع نشر الفكر الشيوعي والإلحاد هدفها يتوقف عند فصل الدين عن الدولة فقط، فقد أرادوا فصل الدين بالبداية عن تسيير حياة العامة والتدخل في مظاهر الحياة اليومية كتمهيد لهدم الدين كاملًا فيما بعد فالخطوة الأولى تستهدف المجموعات والخطوة الثانية تستهدف الأفراد وتدخل البيوت وتنخر في العقول، ولنعرج على ما ذكره كتاب ميليشا الإلحاد من أهدافهم،  إذ يقول ريتشارد دوكنز بصراحة: أتمنى حقًا حقًا أن أرى الدين يزول تمامًا.(3) كتاب ميليشا الإلحاد قدم عرض مفصل لسمات الإلحاد الجديد والهجوم المباشر لهدم الدين بكافة الطرق المتاحة الأخلاقية وغير الأخلاقية، فأنظر قول سكوت هان وبنجامين: لقد ذهبت أيام الإلحاد المؤدب.(4)

على المسلم المؤمن أن لا يكون في غفلة عن مايحاك له من دسائس وأفكار مغلوطة فالأصل في المسلم أنه كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ ولا ناصر لهم علينا غير الجهل ولا سبيل لهم فينا لغير المُتغافل المُتقاعس المهزوم نفسيًا، فتاريخنا مُشرق وحاضرنا المهزوز علينا إصلاحه لا هدمه فنكون كمن يجدع أنفه بيده، وإرسال البعثات وذهاب ابناء أمتنا للغرب الأصل فيهم أن يأتونا بالعِلم النافع والمعرفة المفيدة لا أن يأتونا قائلين أن الحل هو في نزع الحجاب وحلق اللحية وترك سنة رسول الله صل الله عليه وسلم وهب أننا فعلنا ووالله لا نفعل، فكيف نكون نحن؟ إن تحدثنا بلسانهم ولبسنا لباسهم وقلنا بما يقولون وفعلنا ما يفعلون، وكأنما نسعى لفناء أنفسنا!! وإنما تعتد كُل أمة بنفسها وإن لم تكن الأقوى لحين نضوجها،  ومن الأمثلة على ذلك يقول خروشوف وهو في أمريكا: إن إقامة مجتمع شيوعي فكرة مقدسة عندنا، وقد يكون اليوم لكم، ولكن الغد لنا. 

سعت الشيوعية عبر العصور لنشر أفكارها كما سعت الرأسمالية لذلك وسعى الصهاينة لإقامة دولتهم ليل نهار واعتز هتلر بالعرق الألماني وأصبحت أمريكا أمة بعد أن كانت دولة، فلماذا يسعون ولا نسعى ونحن أهل الحق، ألا يحق لي أن أبكي وأنا أعلم أحدهم معرفة مكة لشعابها جده استشهد وهو يقاتل الاستعمار الفرنسي على تخوم درعا جنوب سوريا وهو الآن يتحدث الفرنسية ويتهمنا بالتخلف والجهل!! ألا يحق لي أن أعجب كيف لأحدهم أن يخون تاريخ الأجداد ولم يكلف نفسه وقلبه أن يبحث في كتب أهل الإسلام عن حقٍ يدفع به باطلًا في داخله، ليس علينا الإكتفاء بالرد والدفاع، يجب علينا الهجوم وخير دفاعٍ هو الهجوم لنبين باطلهم ونفند أفكارهم الخاطئة ونكشف زيف ادعائهم وإن قالوا بانحراف بعضنا وميلهم إلى صفوفهم، فنقول لهم مال اليكم صغارنا وجُهّالنا، أما أنتم فقد مال إلينا من كنتم تعولون عليهم وتعدونهم في صفوفكم الأولى، أمثال: أرنود فان دورن السياسي الهولندي، نائب الحزب اليميني حزب من أجل الحرية، و القسيس الأمريكي يوسف إستس.

وإن كان حالنا هو الضعف فالملك لله يأتي ملكه من يشاء، فساعة حق ينصر فيها الله عباده الصالحين وساعة باطل نعلم فيها من هم على صدق وعدهم وقد قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) 

الفجوة التي عانينا منها حديثًا ظهور مواقع التواصل الإجتماعي وانفتاح الأبناء على العالم في ضل ضعف الآباء واتساع الهوة في فهم التكنولوجيا الحديثة وانطلاق الأبناء في النهل مما وجدوه دون توجيه صائب وهدفٍ واضح وعن نفسي لم أر  ممن حوالي أب يجالس أبناءه يتحدثون عن كتاب إسلامي أو عالم عربي ولم أرى وعيًا كاملًا من الآباء ومعرفة لمقاصد الدين وأهداف الأمة ومشاكلها وكيفية توعية الأبناء لطريق الحق. كانت العرب قديمًا ترسل الأبناء للبادية لتعلم اللغة الصحيحة وليكونوا أشداء أقوياء الأبدان ينشأون منذ الصغر على العز والكرامة والعرب أما في أيامنا أين يرسلون ابناءهم؟

انا احيا بين أناس من آباء وأبناء لو ذكرت لهم أسماء نصف مفكري الأمة الإسلامية لن يعرفوا أحدهم، ولو سألتهم وتعمقت معهم في مداخل الكتب والجدالات الفكرية والرد على الشبهات لما ذكروا لي اسم كتابٍ واحدٍ مع فحواه ممن ردوا على أهل الباطل، نحن السوريون لو ذكرت إسم نزار قباني فلن تجد من أحد فينا إلا ويعلم أنه الشاعر الدمشقي الذي نفخر به دائمًا في حين أنني سألت أحد السوريون هل تعرف من هو الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله؟ فأجاب: أهو مصري! 

نفتخر بشاعر ولا نعرف الأديب والقاضي الدمشقي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وهو من كبار أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في القرن العشرين وله من المؤلفات ما تطيب له أنفس المؤمنين من جمال ما فيها، وهو السعي لإظهار الفارغين وطمس المفكرين الإسلاميين وهل يعبد الله بالجهل؟ وهل ندافع عن افكارنا ومعتقداتنا ونحن جُهال؟ من جهلنا نرى على شاشاتنا أبناء أمتنا يطعنون في ديننا جهارًا نهارًا وممن يسمون أنفسهم بالتنويريون أصبح شغلهم الشاغل هدم التراث وهم لا يدعون للإختراع أو التطوير وأخذ سر الاختراعات من الغرب!! ويأمروننا بما لا يفعلون، لماذا لا نطالب بالتجديد في الجامعات العربية؟ لماذا نمتلك آلاف المهندسين ولا نستطيع صنع ما يصنع الغرب؟ لماذا لدينا آلاف الأطباء ولا نمتلك مركز أبحاث واحد ليقوم بإجراء الأبحاث لعلهم يجدون علاج للكورونا؟ وهل يقع الذنب على الإسلام؟

حث الإسلام على طلب العلم وجعله طريقًا إلى الجنة يقول صلى الله عليه وسلم : ( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ) رواه البخاري.  ( كتاب العلم/10 ).

والعلم النافع يصنعه الإنسان ويستفيد منه غيره، يبقى له الأجر والثواب ما دام نفعُ عِلمه قائمًا  قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له ) رواه مسلم/1631

فلو كنا نتبع الإسلام حقًا فهذه تعاليمه، فكيف يأمرنا الدين بالتعلم ثم لا نتعلم ولا ننتج ولا نخترع ثم نلقي اللوم على الدين، أي منطق وأي عقل يقبل مثل هذه الأقوال، إنه الإستعمار الفكري الذي فتك بعقول البعض وجعله يرى الباطل حقًا والحق باطلًا ويرى المظلوم ظالمًا والظالم مظلوم. 

المصادر:

  1. الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، محمد الغزالي، صفحة 61.
  2. تراثنا المفترى عليه، جمال محمد حشمت، صفحة 56.
  3. ميليشيا الإلحاد، عبدالله بن صالح العجيري، صفحة 45.
  4. ميليشيا الإلحاد، عبدالله بن صالح العجيري، صفحة 43.
  5. ميليشيا الإلحاد، عبدالله بن صالح العجيري، صفحة 48.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *