By / 9 نوفمبر، 2019

الالتفاف الأوروبي على قرارات منع تصدير الأسلحة للسعودية

في أعقاب اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية في شهر أكتوبر 2018، واستمرار سقوط القتلى والمصابين من المدنيين في اليمن، سارعت عدة حكومات وبرلمانات أوروبية لإصدار قرارات بحظر منح تراخيص تصدير أسلحة للسعودية، وجاءت ألمانيا وبريطانيا في مقدمة تلك الدول بذريعة حماية حقوق الإنسان وعدم السماح باستخدام أسلحة أوروبية في انتهاكات ضد المدنيين.

تلك القرارات أثارت جدلا بين الساسة الغربيين، فالسعودية تمثل بيضة الذهب لشركات صناعة الأسلحة الغربية، حيث احتلت السعودية في عام 2018 المركز الثالث عالميا في قائمة الإنفاق العسكري، بمبلغ 67.6 مليار دولار بينما شغلت المركز الأول عالميا ضمن قائمة أكثر الدول استيرادا للأسلحة خلال الفترة من 2014 إلى 2018 وفق التقرير السنوي لتجارة الأسلحة العالمية الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبيري)

ونظرا للمصالح التي تربط الدول الأوروبية بالسعودية والفوائد التي تجنيها من مبيعات الأسلحة للسعودية، فقد عملت الحكومات الأوروبية على الالتفاف على قرارات المنع سواء عبر شركات القطاع الخاص أو عبر قرارات استثنائية.

الالتفاف البريطاني

منذ بدء حرب اليمن في مارس 2015 وصولا إلى حظر تصدير السلاح البريطاني للسعودية في عام 2019 عقدت لندن صفقات أسلحة مع الرياض بمبلغ يقدر ب 5.9 مليار دولار، من بينها صفقة في عام 2015 بمبلغ مليار جنيه استرليني لشراء قذائف تطلق من الجو على أهداف أرضية. وقد اشترت السعودية بمفردها 44٪ من صادرات الأسلحة البريطانية خلال الفترة (2014-2018)، فيما بلغت الواردات البريطانية خلال المدة المذكورة 16% من إجمالي مشتريات الأسلحة السعودية حسب معهد (سيبيري).

وحسب مجلة انتيليجنس أون لاين الصادرة في أكتوبر الماضي، تستعد حكومة بوريس جونسون لإطلاق برنامج تدريبي للبحرية الملكية السعودية المنخرطة في الحرب قبالة سواحل اليمن رغم:

  • إصدار محكمة الاستئناف في لندن في يونيو 2019 حكما بعدم مشروعية صفقات السلاح التي عقدتها الحكومة البريطانية مع السعودية، نظرا لاستخدامها في الحرب باليمن بشكل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي ويخالف الضوابط البريطانية لتصدير الأسلحة. 
  • توصية لجنة مشكلة من مجلس العموم البريطاني في عام 2016 بتعليق مبيعات الأسلحة البريطانية التي يمكن استخدامها في اليمن إلى السعودية لحين إجراء تحقيق مستقل من طرف الأمم المتحدة بخصوص استهداف المدنيين.
  • إعلان الحكومة البريطانية في 25 يونيو 2019 تجاوبها مع قرار محكمة الاستئناف، وإصدار الحكومة قرارا بحظر بيع أسلحة جديدة إلى السعودية دون أن يشمل ذلك تسليم صفقات الأسلحة التي سبق التعاقد عليها.

التدريب البحري المقرر أن يستمر حتى عام 2022، سيقدم لتقنيي الأسلحة البحرية السعوديين الذين يشرفون على عمليات الحصار البحري للسواحل اليمنية. وسيجري التدريب بالتعاون الوثيق مع البحرية الملكية البريطانية في القاعدة العسكرية بفيرهام، ثم في السعودية بقاعدة الجبيل. 

وقد تحايلت الحكومة البريطانية على قرار حظر تصدير الأسلحة للسعودية من خلال اسناد التدريب من قبل مدربين بريطانيين إلى شركة الخدمات الدفاعية “Babcock” الدولية، التي ستنسق التدريب مع الفرع السعودي لمجموعة الدفاع البريطانية BAE سيستمز، والتي تقوم أيضا بتدريب الطيارين السعوديين على مقاتلات التايفون.

-شركة “Babcock” الدولية حسب موقعها الإلكتروني على النت: هي شركة رائدة في مجال توفير الخدمات الهندسية المعقدة والحساسة في جميع مجالات الدفاع، وتعد ثاني أكبر مورد للخدمات العسكرية في المملكة المتحدة، ولها فروع في كندا وأستراليا ونيوزيلندا وفرنسا، وتشارك في دعم برامج الغواصات في كوريا الجنوبية وإسبانيا كما تقدم خدمات الصيانة والتدريب للبحرية الملكية البريطانية.

أما شركة BAE سيستمز، فهي أكبر شركة بريطانية للدفاع والأمن والطيران، تأسست في عام 1999 عبر اندماج عدة شركات دفاعية بريطانية، وتضم 85800 موظفا في أكثر من 40 دولة. وسبق أن فازت الشركة في عام 2014 بعقد قيمته 4.4 مليار جنيه إسترليني لتزويد السعودية بـ 72 طائرة مقاتلة من طراز تايفون، وقد استخدم سلاح الجو السعودي بعضها لاحقا في قصف مستشفيات الصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود في اليمن.

وسبق أن طالت التحقيقات في صفقة اليمامة شركة BAE سيستمز، وهي الصفقة التي تم خلالها بيع كميات ضخمة من الأسلحة البريطانية إلى السعودية بقيمة تناهز 60 مليار دولار أميركي مقابل تسديد السعودية قيمة الصفقة بالنفط الخام. وقد أشار تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في عام 2007 إلى أن الأمير السعودي بندر بن عبدالعزيز تلقى عمولة تقترب من 2 مليار دولار لإتمام تلك الصفقة.

لم يتمكن مكتب التحقيق في الاحتيال الخطير ببريطانيا – المكلف بالتحقيق في قضايا الفساد- من إكمال تحقيقاته في صفقة اليمامة بسبب الضغوط السعودية التي وصلت حد التلويح بوقف التعاون الاستخباري مع بريطانيا. وقد بررت وزارة الدفاع البريطانية آنذاك حجب تقرير التحقيق بأنه “يتضمن معلومات حساسة يضر الإفصاح عنها بالعلاقات الدولية والمصالح التجارية للمملكة المتحدة.”

هذا النمط من الالتفاف أشارت إليه دراسة نشرتها الكلية الملكية البريطانية بعنوان “التعاون الأمني مع المملكة العربية السعودية: هل الأمر يستحق بالنسبة للمملكة المتحدة؟”: (يوجد تناقض بين المملكة المتحدة التي تقدم نفسها كدولة تقدمية وليبرالية وتدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد بينما توفر في الوقت نفسه غطاء دبلوماسي للنظام السعودي الذي يعمل على تقويض تلك القواعد).

ولم تكن برلين بأفضل حالا من لندن، فرغم إصدار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في نوفمبر 2018 قرارا بحظر منح تراخيص تصدير أسلحة ألمانية للسعودية. وتمديد الحظر عقب ذلك كل ستة شهور، فإن قرار حظر تصدير الأسلحة الألمانية لم يسر على الشركات الفرعية التابعة لشركات السلاح الألمانية خارج ألمانيا. كما استثني من القرار صناعات الأسلحة التي تشترك فيها ألمانيا مع دول أوروبية أخرى، وتشمل تصنيع مكونات طائرات، وصواريخ، ومدرعات، وزوارق بحرية.

 ومن أبرز تداعيات الاستثناء إمضاء طلبية سعودية تبلغ قيمتها 10 مليار جنيه استرليني تخص شراء 48 مقاتلة من طراز يوروفايتر تايفون، حيث تشترك ألمانيا في صنع بعض مكوناتها، وإمضاء صفقة بيع صواريخ (جو/جو) طراز ميتيور، وهو الصاروخ الذي تصنعه شركة إم.بي.دي.إيه، التي تشترك في ملكيتها إيرباص وBAE سيستمز البريطانية، فضلا عن شركة ليوناردو الإيطالية، حيث يجري تصنيع نظام دفع الصاروخ ورأسه الحربي في ألمانيا.

وبذلك يتضح أن الموقف الأوروبي من تصدير الأسلحة للسعودية هو موقف إعلامي، وليس موقفا جادا. إذ تتغلب المصالح الاقتصادية على ما سواها من مزاعم أخلاقية.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *