By / 2 نوفمبر، 2020

الانتهاكات بحق الروهينجا

دفعت العنصرية العرقية بالعصابات البوذية إلى البطش بالمسلمين بزعامة وتشجيع ديني من رجال الدين البوذيين، فهم المحرض الأساسي على عملية التطهير العرقي التي تتم بحق المسلمين بحجج وقف المد الإسلامي في الأراضي البوذية.

 لا تنزل تلك العصابات بقرية إلا وتسرق وتنهب وتحرق وتغتصب وتقتل في أهالي القرية من المسلمين في كافة أنحاء ولاية أراكان، فيما تقف الدولة بلا حراك أمام هذه الجرائم، فهي تساعد في أحيان كثيرة على البطش والتعذيب والاعتقال والابتزاز المالي وانتزاع الوثائق الرسمية ومصادرة الممتلكات عنوة وحتى القتل.

حتى أن حاملي الجوالات والهواتف الذكية من المسلمين يتم اعتقالهم وكثفت السلطات مؤخرًا حملتها عليهم خشية التواصل الإعلامي من قبلهم مع أي جهة تسعى لنشر تلك الجرائم.

من يتعرض للاعتقال يفرض عليه غرامات كبيرة، فهناك أكثر من خمسة آلاف سجين روهينجي معظمهم اعتُقلوا عقب أحداث 2012، ومثالا على ذلك فقد شهد سجن “أكياب” فرض إدارته غرامات مالية على أهالي السجناء لإطعام ذويهم.

المسلمون بالأراضي الميانمارية لا يحظون بحق تملك عقاراتهم وأراضيهم، ويضيق عليهم في ممارسة أعمال التجارة خاصتهم، وتقوم الحكومة بمصادرة أراضيهم وممتلكاتهم وقوارب الصيد خاصتهم دون سبب.

 كما تمنعهم من تطوير مشاريعهم الزراعية،  ويحرمون من تقلد وظائف بهيئات حكومية وكذا الجيش، كما يحرمون من حق التصويت في الانتخابات؛ فوجودهم في ميانمار كعدمه بالنسبة للدولة، وليس لهم حق تكوين وتأسيس المنظمات أو ممارسة الأنشطة السياسية، فيعيشون كالسجناء في مخيمات أو قرى معزولة مقيديين الحركة منها وإليها.

يتم فرض بعض القوانين الخاصة بتحديد النسل وأخرى تضع ضوابط وشروط للزواج لتصعيبه على المسلمين، كما أن تراثهم التاريخي يتم تدميره مع منع طباعة الكتب التاريخية والإسلامية، حتى أن إظهار الرجل أو المرأة لهيأتهم الإسلامية ممنوع فإطلاق اللحى والالتزام بزي إسلامي مُجرَم.

 كما أن فريضة الحج ممنوعة هي الأخرى، وممتلكات الأوقاف تصادر واحدة تلو الأخرى، حتى أن المقابر المخصصة لدفن المسلمين صودرت هي أيضَا، أما المساجد فتضيق ذرعًا بالمسلمين بتضييقات الدولة عليها فلا مكبرات صوت تستخدم ولا يسمح بإعادة ترميمها وإعمارها، بل وأحيانًا تمنع أداء بعض الشعائر بها.

المناطق التي يحيا بها مسلمو الروهينجا تفتقر لأدنى مقومات الحياة وذلك بنقصان المياه الصالحة للشرب، حتى اضطر بعض السكان لاستخدام مياه البحر المالحة للشرب وقضاء حوائجهم، بالإضافة إلى أنها تعاني نقصًا في المؤن الغذائية والأدوية، فيما يعيش أغلب سكانها في مساكن بالية رثة أو في بعض الخيام.

تقوم السلطات بعمليات القتل وحرق المباني المتعمّد والإخفاء القسري والابتزاز والقيود الشديدة على الحركة ونقص الغذاء والرعاية الصحية، فضلا  عن العنف جنسي واختطاف نساء وفتيات في القرى ونقاط التفتيش على طول الطريق المؤدي إلى بنجلادش فضلا عن الاعتقال والتعذيب من قبل السلطات

وخلال عام 2018 دُمرت 34 قرية على الأقل في ميانمار بشكل كامل أو جزئي، ليصل إجمالي عدد القرى التي تقطنها غالبية من الروهينجا والتي دمرت في الفترة إلى 392، معظمها حرقا، كما استولت الحكومة على عشرات قرى الروهينجا ودمرتها بالجرافات.

لماذا يتم استهداف مسلمي بورما

يعيش في بورما مسلمون من عرقيات مختلفة يذوبون وسط البوذيين في الولايات الأخرى لكن المذابح موجهة إلى مسلمي أراكان لعدة أسباب ذكرها الكاتب الصحفي عامر عبدالمنعم في أحد مقالاته، وهي:

إنهاء وجود المسلمين تماما حتى لا يطالب الروهينغيا بحقهم في استعادة مملكة أراكان، والتخلص نهائيا من فكرة المطالبة.

ظهور النفط والغاز في المياه الضحلة والعميقة أمام سواحل أراكان وهذا يعطيهم حقوقا في التوظيف والمشاركة في الثروة المستخرجة من أراضيهم، مما يزيد من قوتهم ويعطيهم أهمية في المشروعات القادمة.

خشية حكام ميانمار من استخدام المسلمين مستقبلا من قبل أمريكا والغرب في هذه المنطقة الإستراتيجية وتسليحهم للضغط على الحكومة البورمية، وهذا المبرر المزعوم يقدمه النظام العسكري للجانب الصيني لتبرير الإبادة والتهجير، ولكن هذا الزعم غير حقيقي لأنه كان ممكنا في فترات سابقة منذ خروج البريطانيين ولكن المسلمين فضلوا الصبر وانتظار حق تقرير المصير بشكل سلمي.

تأكد النظام العسكري أن الروهينغيا من مسلمي الإطراف الذين لن يدافع عنهم أحد من المسلمين، فلا توجد كيانات أو روابط إسلامية تمثل العالم الإسلامي تتصدي لإنهاء الوجود الإسلامي في أراكان.

ضمان عدم الإدانة الدولية بسبب الحماية الصينية في مجلس الأمن، وبسبب إقبال القوى الدولية – مع اختلاف أهدافهم – لاسترضاء الحكم العسكري للأهمية المتصاعدة لميانمار في الصراع بين الصين والولايات المتحدة.

استعادة النظام العسكري الشعبية التي افتقدها في صراعه مع المعارضة، باستمالة الكهنة البوذيين المتعصبين الذين يقودون الحراك الشعبي، وتحقيق مطالبهم التي في مقدمتها طرد مسلمي أراكان ومنها تجريم تغيير الدين واعتناق الإسلام الذي ينتشر وسط العرقيات الأخرى.

ردور الأفعال الدولية

بين رفض وشجب وتنديد وإدانة، اتفقت الدول جميعها على خطورة ما يحدث في ميانمار، إلا أن الأمر حتى الآن لا يتعدى سوى مكالمات هاتفية ولقاءات واجتماعات لا تسفر عن جديد سوى الإعراب عن القلق والأسف حيال ما يحدث دون تحركات فعلية وقرارات صارمة؛ وفيما يلي نستعرض أبرز المواقف الدولية تجاة أزمة مسلمي أراكان.

 وبينما تتوالى التقارير التي تتناول الانتهاكات المتزايدة، من قبل سلطات ميانمار بحق هذه الأقلية، فإن السلطات تنفي ممارسة أي تمييز بحق (الروهينجا) وتقول إن قوات الأمن في ولاية أراكان، تشن حملة مشروعة ضد “إرهابيين”.

ويقول الجيش البورمي إن حملته تستهدف المسلحين من (الروهينجا)، الذين يهاجمون المدنيين على حد قوله، في حين يصعب وفقا لمصادر مستقلة التأكد بشكل مستقل، من حقيقة الوضع على الأرض بفعل القيود المفروضة على الدخول إلى المنطقة.

وفي الوقت الذي أدانت فيه الأمم المتحدة وعدة منظمات حقوقية دولية، حملة القمع والاضطهاد التي يتعرض لها مسلمو (الروهينجا)، يشكو كثير من الناشطين من أبناء الطائفة، من تخاذل المنظمات والقيادات في العالمين العربي والإسلامي، في مجال إثارة قضيتهم والدفاع عنها.

وانتقدت مقررة الأمم المتحدة الخاصة بشؤون حقوق الإنسان في ميانمار في عام 2017م الزعيمة البورمية ورئيسة الوزراء (أون سان سو تشي)، لفشلها في حماية مسلمي الروهينجا في بلادها، وقالت لي إن “الوضع خطير فعلا، وكان على سو تشي أن تتدخل.”

على صعيد العالمين العربي والإسلامي فإنه تبدو الفجوة كبيرة بين ما هو رسمي وما هو شعبي، إذ يعتبر ناشطون من الروهينجا، أن المنظمات الإسلامية مثل منظمة التعاون الإسلامي وغيرها لم تفعل حتى الآن شيئا من أجل نظرة قضيتهم.

وقد حاولت دول الغرب طيلة السنوات الماضية اللجوء إلى خيار العقوبات والخنق الاقتصادي والسياسي لإضعاف النظام العسكري ولكن هذا الخيار فشل بسبب الدعم الصيني.

 وبناءا على ذلك فإن ضع مسلمي ميانمار يزداد سوءًا يومًا بعد اليوم، فأعداد الفارين في تزايد، وحجم استيعاب بنجلاديش للاجئين ليس بالدرجة الكافية، والمواقف الدولية لا ترقى إلى حجم وفداحة ما يجري، كما أن بعض منظمات الإغاثة الدولية اضطرت إلى وقف أنشطة تقديم المساعدات الإنسانية إلى المخيمات التي يقيم فيها أعداد كبيرة من مسلمي الروهينجا خشية تعرضهم لمخاطر من الناحية الأمنية، الأمر الذي يجعل الوضع في ميانمار في غاية الصعوبة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *