By / 22 فبراير، 2022

التصعيد الروسي الأوكراني: لحظة من زمن الحرب الباردة

الكاتب:: عمر سعيد
إعداد موقع مدى مصر

تسارعت وتيرة الأحداث على الحدود الروسية الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية، إلى حد دفع للتوقع بحرب إقليمية واسعة، ذريعتها التقارب بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، والتأخر في تنفيذ بنود اتفاقات مينسك. وفيما اتخذت موسكو قرارات بسحب جزء من قواتها وإنهاء تدريبات عسكرية حدودية، إلا أن التكهنات بتأثر قطاع الطاقة في أوروبا وآسيا وأسواق القمح في العالم كله، لا تزال قائمة، في سياق لم يخلو من شبح ماضي الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق ودول الغرب والولايات المتحدة.

حشدت روسيا أكثر من 100 ألف جندي بالقرب من الحدود مع أوكرانيا. واتهمتها الأخيرة بإرسال دبابات وبطاريات صواريخ وقناصة إلى المناطق الانفصالية جنوب شرق أوكرانيا. ورغم نفي روسيا نيّة الاجتياح، وتأكيدها أن ذلك الاحتشاد العسكري يأتي ضمن تدريبات عسكرية عادية، إلا أن أوكرانيا، وفي الخلفية تقف الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، تصر على خطورة التصعيد الروسي (حتى أن البعض كان يُجزم بأن الحرب ستقع منتصف هذا الشهر، مع حلول الذكرى السابعة لتوقيع اتفاقيات مينسك).

قررت الدنمارك إرسال أربع طائرات مقاتلة إضافية إلى ليتوانيا المجاورة، وفرقاطة على متنها 160 فردًا لبحر البلطيق. كما أعلنت بريطانيا نيتها إرسال أسلحة دفاعية خفيفة وعدد محدود من العسكريين إلى أوكرانيا بهدف التدريب. وتلقت كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا موافقة واشنطن على نقل السلاح الأمريكي إلى أوكرانيا. وخفّضت عدة دول من بعثاتها الدبلوماسية لدى كييف.

إذن، ما سبب كل هذا التصعيد؟ وما قصة الأزمة بين الجارتين؟ وما هي التداعيات المحتملة لهذا الصراع؟

شبح قديم يُطل من جديد

يعود أصل الصراع الروسي الأوكراني إلى الحقبة السوفيتية، والتي ضمت الدولتين معًا في نظام سياسي واحد. يعود الصراع بذاكرة موسكو إلى الدور الذي لعبه الناتو في مواجهة النفوذ السوفيتي في أثناء الحرب الباردة، حتى انهيار الاتحاد السوفيتي، نهاية الثمانينيات. كان الناتو حاضرًا في جهود تفكيك يوغوسلافيا وفي التسارع نحو ضم الدول الشيوعية السابقة تحت رايته. وهكذا، انتهى حال روسيا وقوات الحلف تحيط بها في كل من التشيك وبولندا وهنغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا.

بالنسبة لأروقة الحكم في موسكو، وعلى رأسها فلاديمير بوتين، فإن عودة روسيا وتثبيت موقعها كقوة عظمى يتطلب استعادة زمام السيطرة على دوائر الأمن القومي السوفيتي القديمة. عمليًا، يعني هذا الكثير من الانعكاسات، بدايةً من الحفاظ على النظام السوري ومحاربة الثورة عليه بهدف تعزيز الوجود الروسي في المنطقة (التي كان له فيها قواعد عسكرية محدودة قبل 2011)، ووصولًا إلى الحد من نفوذ حلف الناتو، لا سيما حين يصل هذا النفوذ إلى حدوده المباشرة.

بدأ التهديد الذي تشعر به روسيا يصبح واقعًا في أواخر 2013. وقتها، نزل عشرات الآلاف من الأوكرانيين إلى الشوارع احتجاجًا على تعليق اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي. واستمرت الاحتجاجات حتى سقط الرئيس المقرب من روسيا، فيكتور يانوكوفيتش.

عقب خسارة موسكو حليفها الأوكراني، في مارس 2014 عُقد استفتاء في شبه جزيرة القرم على الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا. وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال بنسبة 95%. سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم وضمتها إلى سيادتها، واستولى انفصاليون مدعومون من روسيا على منطقتي دونيتسك ولوهانسك في إقليم دونباس.

انتهت أزمة 2014 بفرض عقوبات اقتصادية ضد موسكو، ووقف تعامل بنك روسيا مع النظام المصرفي الأمريكي. والأهم، انتهت بتوقيع اتفاقات مينسك عام 2015، والتي تطالب روسيا الآن بضرورة الالتزام بها.

وتتمسك موسكو بتطبيق الاتفاقات، والتي تضم بندًا ينص على «بدء الحوار في اليوم الأول بعد الانسحاب [الروسي] بشأن طرق إجراء الانتخابات المحلية وفقًا للتشريعات الأوكرانية وقانون أوكرانيا [بشأن النظام المؤقت للإدارة الذاتية المحلية في مناطق معينة من منطقتي دونيتسك ولوغانسك]، وكذلك بشأن النظام المستقبلي لهذه المناطق على أساس هذا القانون».

إن كان هذا هو العنوان المباشر للمطالب الروسية، فإن مطالب أخرى تتعلق بنفوذ حلف الناتو تبقى وكأنها المطالب الأكثر إلحاحًا بالنسبة للروس، وكذلك الأصعب تحقيقًا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. يريد بوتين، المقبل على انتخابات رئاسية جديدة مقرر عقدها في 2024، أن يعود الناتو إلى وضع ما قبل العام 1997، أي بسحب الوحدات العسكرية التابعة له من بولندا وجمهوريات البلطيق والامتناع عن نشر الصواريخ في رومانيا وبولندا، وبالطبع ضمان ألا تنضم أوكرانيا إلى الحلف.

الأمر بالنسبة للمعسكر المواجه واضح. ردت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية، ويندي شيرمان، بقولها: «نحن لن نسمح لأي شخص بأن يمنعنا من السير في سياسة ‘الباب المفتوح’ لحلف الناتو، والتي كانت على الدوام مركزية في الحلف». ورفضت السويد وفنلندا -غير الأعضاء في الناتو- الحد من تعزيز علاقتهم بالحلف. ويقول الحلف نفسه أنه ليس لدى موسكو الحق في النقض، ولا يحق لها التدخل في عمل الناتو.

الآن، ورغم خلق ثغرة مقبولة لتنفيس التوتر، أعطاها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى نظيره الروسي، عندما قال إن موسكو ستدفع ثمنًا باهظًا إذا أقدمت على غزو شامل، لكن «توغلًا بسيطًا» سيكبدها ثمنًا أقل، إلا أن التوتر لا يزال قائمًا ومتصاعدًا مع الانتشار العسكري الواسع عند طرفي الصراع.

قائد الجيش الأوكراني، رسلان خومتشاك، قال إن روسيا نشرت 28 كتيبة تكتيكية بالقرب من الحدود الشرقية لأوكرانيا وفي إقليم القرم، مشيرًا إلى أن روسيا لديها حوالي ثلاثة آلاف ضابط وخبير عسكري يعملون في إطار وحدات المتمردين في شرقي أوكرانيا. وتتهم موسكو جارتها بحشد 125 ألف عسكري، أي نصف تعداد الجيش الأوكراني، بهدف مهاجمة المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون الموالون لروسيا.

كما تنكر روسيا وجود أي قوات لها داخل مناطق الانفصاليين في أوكرانيا، وتقول إن «متطوعين روس» يذهبون إلى هناك وحدهم. غير أنها وزعت 500 ألف جواز سفر روسي في تلك المناطق. الأمر الذي يمنحها مبررًا لأي إجراء تتخذه باعتباره «حماية لمواطنيها»، وهو ما عبّر عنه بوضوح العضو في لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب الروسي، فلاديمير دشاباروف، قائلًا: «بالطبع لا يمكننا التخلي عن مواطنينا

عقوبات وفرص لأطراف متعددة

إذن، ماذا لو لم تُقدم روسيا على توغل واسع في أوكرانيا، وتم تلافي ما كان سيكون أكبر عملية غزو منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب ما وصف بايدن.

الولايات المتحدة واضحة في إنكار أية نوايا لإرسال قوات قتالية إلى المنطقة، وبالتالي سيعتمد الأمر على المساعدات العسكرية المقدمة من قبل واشنطن والحلفاء في أوروبا، وكذلك على العقوبات الاقتصادية. ربما تبدأ العقوبات من وقف تشغيل خط نقل الغاز «نورد ستريم 2» الواصل من روسيا إلى ألمانيا، مرورًا باستهداف صندوق السيادة الروسي الذي تشمل 35% من قيمته بالدولار الأمريكي، على الروس أن يتخلصوا منها قبل فرض العقوبات، وفرض قيود على البنوك في التحويلات بالروبل الروسي، ووصولًا إلى فصل النظام المصرفي الروسي عن نظام الدفع السريع الدولي.

تنتظر موسكو عقبات لا يمكن التكهن بها حال أقدمت على اجتياح الحدود الأوكرانية. وستواجه عقبات أخرى حال كان الاجتياح محدودًا، من بينها عقوبات قد تؤثر على الكثير من التعاملات الاقتصادية خاصة في أسواق القمح والغاز الطبيعي.

في مصر، يبدو أن التوتر سيلقي بظلاله على الوضع المحلي. إذ أن مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، وتعد أكبر مستورد للقمح الأوكراني، واشترت العام الماضي ما يعادل 14% من إجمالي استهلاكها المحلي. كذلك روسيا، وهي أهم موردي القمح الدوليين. العام الماضي اشترت مصر 50% من واردات القمح من موسكو.

الأمر الذي دفع وزير التموين، بحسب تصريحاته لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إلى التصريح بأن الحكومة تعمل على تنويع مصادر استيراد القمح، قائلًا إن «وجود المناوشات بين أكبر مُصدري القمح والغلال في العالم يثير حالة من عدم اليقين في السوق […] تم تشكيل لجنة في وزارة المالية لدراسة سياسات التحوط وسيتم استكمال المناقشات مع بداية الشهر المقبل، بحيث يتم بحث جدوى هذا الإجراء من عدمه»، موضحًا أن الاحتياطي الاستراتيجي للقمح يكفي من أربعة إلى خمسة أشهر.

على الجهة الأخرى، رأى البعض أن التصعيد الروسي والتهديد بوقف إمدادات الغاز إلى أوروبا، التي تعتمد على الغاز الروسي في تغطية 40% من احتياجاتها، قد يشكل فرصة أمام مصر لتصدير الغاز الإسرائيلي بعد تسييله. غير أن قطر كان لها دورًا قد يفسد هذا الاحتمال. فعلى وقع التهديدات المتبادلة، طالبت الولايات المتحدة في الأسابيع الماضية من قطر الاستعداد لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي حال انقطعت الإمدادات الروسية. وبناءً على الطلب الأمريكي، تم تعليق تحقيقات كانت تجريها أوروبا بشأن الغاز القطري، بحسب ما جاء في فاينانشال تايمز.

وكانت المفوضية الأوروبية بدأت في 2018 تحقيقًا لبحث إذا ما كانت اتفاقيات تصدير الغاز المسال من قطر إلى أوروبا تشكّل انتهاكًا للقواعد الأوروبية لمكافحة الاحتكار، وهو التحقيق الذي أدى في وقت سابق لتعطيل بيع الغاز القطري إلى فرنسا وبلجيكا.

لكن، قطر عادت وأكدت أنها تحتاج أولًا إلى موافقة عملائها الآسيويين الذين أبرموا عقودًا طويلة الأمد لشراء الغاز منها، وهو الإجراء الذي لم يحدث حتى كتابة هذه السطور. كما شككت في قدرتها على سد كل الاحتياجات الأوروبية، ما قد يفسح المجال لتعويض يأتي من إسرائيل عبر مصر، أو من الجزائر.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *