By / 28 مايو، 2019

الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (2)

إقرأ أيضا: الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (1)

ثالثا: إجرام النظام الدولي والإقليمي في سوريا

لا يمكن الوقوف على حقيقة أداء النظام الدولي وفي ظله النظام الإقليمي في الثورة السورية من خلال استعراض أداء هذا النظام في السنين الخمس من عمر الثورة، بل نحتاج إلى رؤية المراحل التي سبقت الثورة بكثير ونمطية أداء النظام الدولي واستخدامه للنظام الإقليمي حتى نتمكن من قراءة دقيقة وتقدير لمستقبل ذلك الأداء.

وسوف أتدرج في استعراض تاريخ أداء النظام الدولي والإقليمي ومحطاته الأساسية ووصولا لوقتنا الحالي من خلال ما يلي:

  1. هناك أربع مساطر تاريخية حددت علاقة النظام الدولي والإقليمي بالثورة العربية وبالثورة السورية على وجه الخصوص:

أما المسطرة التاريخية الأولى فتبدأ قبل مائة عام وبالتحديد عند سقوط بيت المقدس وعموم الشام تحت الاحتلال الصليبي عام 1917م متمثلا في بريطانيا وفرنسا، فمنذ ذلك الوقت استقرت معادلة محددة تم على ضوئها صناعة الواقع السياسي للعرب وللأمة المسلمة كلها، ففي ظل تلك المعادلة انكشف الغطاء السياسي للأمة متمثلا في الخلافة العثمانية وفي ظلها تم إقصاء الدين الإسلامي والشريعة عن واقع الأمة، وفي ظلها تم حضانة وتأسيس النظام السياسي العميل الذي حكمها ولا زال منذ مائة عام، وفي ظلها تم تقسيم الأمة إلى كانتونات وقطع عبر اتفاقية سايكس بيكو وتم استيلاد النظام الملكي، وفي ظلها تم تأسيس القطيعة العرقية والشعوبية بين أبناء الأمة، وفي ظلها تم حضانة المشروع الصهيوني وتسليمه فلسطين بالتدريج، وما يهمنا في علاقة النظام الدولي والإقليمي بالثورة السورية الحقائق الثلاث الأساسية

  • الحقيقة الأولى: وقوع المنطقة تحت النفوذ الصليبي الغربي الذي ورثته أمريكا في بريطانيا وفرنسا وهي منطقة نفوذ خالص لا تقبل القسمة بالنسبة لهم.
  • الحقيقة الثانية: الالتزام الصليبي الغربي بحماية الكيان الصهيوني، وكون هذا الكيان معني تماما بإدارة شؤون المنطقة في ظل تفوقه الاستراتيجي.
  • الحقيقة الثالثة: تكامل الأداء والدعم بين المشروع الصليبي المهيمن وبين الكانتونات والمحميات التي أنشأتها اتفاقية سايكس بيكو وخاصة ما سمي بدول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني وسوريا في مقدمتها.

المسطرة التاريخية الثانية: فتبدأ قبل سبعين عاما عند انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م وتأسيس الأمم المتحدة وإعلان نظام الخمسة الكبار الذين وضعوا أنفسهم فوق البشرية، وبدء نظام الحرب الباردة وكانت محطات تلك المرحلة ثلاث محطات أساسية، المحطة الأولى هي حرب فيتنام والتي سقطت أمريكا في براثنها وقام المعسكر الشرقي متمثلا في الاتحاد السوفيتي والصين بدعم الثوار الفيتناميين حتى هزموا أمريكا، وأما المحطة الثانية فهي الحرب الفرنسية الجزائرية والتي قدم فيها الجزائريون ملايين الشهداء حتى هزموا فرنسا ولكنهم لم يتمكنوا في فرض نظام سياسي ذي سيادة حيث فرضت عليهم فرنسا في اتفاقية إيفيان وقامت بترتيب مستقبلهم السياسي واستمرار الوصاية عليهم مع إعلان استقلال شكلي، ثم جاءت المحطة الثالثة وهي اصطدام الشعب الأفغاني المسلم بالاتحاد السوفيتي الملحد، حيث قدم الأفغان مليون ونصف شهيد وملايين المهجرين ولكن النتيجة تاريخية وبوزن الأرض حيث وفي مدة عقد من الزمان اضطر الجيش الأحمر أن يسحب قواته منهزما من أفغانستان ولكي تنهار دولته على إثر ذلك فأصبح أثرا بعد عين، وقد ترتب على هذه المحطة أثران مهمان أما الأثر الأول فهو دخول الأمة المسلمة إلى ساحات الصراع الدولي من أوسع الأبواب وانتشار روح الجهاد وسريانها في بلاد المسلمين، وأما الأثر الثاني فهو التحفز والتخوف الذي أظهرته أمريكا والدول الصليبية من نتائج الجهاد في أفغانستان وبدء تطبيق خطة تجفيف المنابع ومنع انتشار الروح الإسلامية في كل مكان في العالم وخاصة العالم العربي وتكليف أجهزة الاستخبارات العربية بهذه المهمة، وقد صبغت هذه الاستراتيجية ربع القرن الأخير منذ عام 1992م.

المسطرة التاريخية الثالثة: وهي التي تبدأ بعام 1990م بإعلان سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار هيمنته العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية وقد استمرت هذه المرحلة إلى عام 2010م وأما محطاتها الرئيسة فهي:

  • المحطة الأولى: التمثيلية التي قادتها أمريكا بإغراء صدام لاحتلال الكويت في 2 أغسطس 1990 ثم بشن حرب عالمية عليه وعبر تجنيد الدول النصرانية الحليفة وعدد كبير من الدول العربية كان على رأسها دول الخليج، وقد تبين أن تلك الحرب التمثيلية إنما كان سببها هو الرغبة الجامحة لدى أمريكا بتدشين مرحلة سد الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي وبدء تطبيق نظام القطب الأوحد.
  • المحطة الثانية: تمدد المشروع الصفوي وركوبه موجة ملء الفراغ وتعاونه مع أمريكا وبالتالي فتحت له أمريكا أبواب المنطقة والتعاون معه، بالرغم مما أنتج له فائدتين كبيرتين، تمثلت الأولى في بدء تدشين سلسة مفاعلاته النووية عام 1995م ثم بتسليمه العراق في مرحلة تالية.
  • المحطة الثالثة: ارتفاع موجة الأداء الجهادي في الأمة لكي تشمل مواقع مختلفة كالشيشان والبوسنة وكشمير وطاجيكستان وإرتريا والفلبين ولكن كان من أهم المواقع التي ارتفعت فيها وتيرة الأداء الجهادي هي فلسطين، حيث حقق الفلسطينيون توازن رعب مع الكيان الصهيوني عبر العمليات الاستشهادية، وقد تفاعلت شعوب الأمة إيجابيا مع هذا التطور عبر الدعم المالي والإعلامي والدعوي، فما كان من أمريكا إلا أن صعدت من عملياتها الأمنية والسياسية الموجهة ضد الأداء الجهادي في فلسطين، فكان ميلاد اتفاقية أوسلو لضبط الشارع الفلسطيني المجاهد بيد السلطة الفلسطينية وتعاونها مع اليد اليهودية، وقد شهدت هذه المرحلة تصعيدا كبيرا في التعاون الأمني الاستخباراتي ضد الروح والأداء الجهادي، خاصة بعدما شهدت الساحة الأفغانية ولادة جماعة طالبان الأفغانية وجماعة القاعدة ونجاح أمريكا في استقطاب تحالف المجاهدين السابق وتحريكهم باتجاه قتال طالبان.
  • المحطة الرابعة: وقوع حادث 11 سبتمبر 2001م واستغلال أمريكا لها لإعلانها غزو أفغانستان عسكريا وتدشين المرحلة الثانية من تطبيق نظام القطب الأوحد عالميا، حيث تمكنت أمريكا لأول مرة في تاريخها من النزول العسكري في آسيا الوسطى والتي كانت حديقة خلفية للاتحاد السوفيتي ومنطقة محاذية للعملاق الصيني، ثم أتبعت أمريكا غزو أفغانستان بغزو العراق عام 2003 في ذات السياق لكي تجبر العالم على قبول وفرض سياسة الأمر الواقع، ولكن حدث ما لم يكن في حسبان الأمريكان وهو بدء الجهاد ضدهم في أفغانستان والعراق، وانكشاف القدرات العقائدية والنفسية الحقيقية للجيش الأمريكي بغض النظر عن إمكاناته العسكرية واللوجستية والبشرية، ولكي تنتهي هذه المرحلة بسقوط مدوي لنظام القطب الأوحد الذي عملت أمريكا لتثبيته عشرين عاما، ولكي تستغل روسيا والصين هذا السقوط للعودة القوية مرة أخرى للساحة الدولية.

المسطرة التاريخية الرابعة: وهي التي تبدأ بالثورة العربية في نهاية عام 2010م في تونس وامتداد شررها لكي تصيب خمس دول وتسقط وتزلزل خمسة من أصنام النظام العربي خصوصا في مصر وسوريا، ولكي تهدد الثورة كافة منظومة الحكم التي تم تجليسها قبل مائة عام وإن كان الشق المباشر والمتأثر بالثورة هو الشق الجمهوري، وعلى إثر اشتعال الثورة العربية وُلدت في ظلها ثورة مضادة قادتها أمريكا وتولت كبرها دول الخليج وكان في مقدمة المتعاونين السعودية والإمارات والكويت حيث ضخت هذه الدول المليارات لدعم العمليات الأمنية والعسكرية والإعلامية التي استهدفت ضعضعة الثورة وقادتها ووضع خطوط حمر تحول دون وصول الثورة إلى تحقيق نصر سياسي حقيقي والحيلولة دون المساس بأركان النظم الأمنية المتجبرة في بلاد الربيع العرب، وقد طبقت أمريكا في ظل الثورة المضادة عدة استراتيجيات كان من أهمها:

  1. العمل على إلغاء أية شرعية اكتسبها قادة الثورة سواء في المجال السياسي أو العسكري أو الفكري.
  2. شرعنة العملاء الجدد ودفعهم للتموضع في النظام السياسي الجديد.
  3. إبقاء الشعوب تحت هيمنة الخوف والجوع، وتوسيع نطاق عمليات القتل وسفك الدماء.
  4. اللعب بمسألة منح السلطة ومنعها ومصطلح الشرعية تمهيدا لصناعة النظم السياسة الجديدة.
  5. استراتيجية الاحتواء المزدوج لقيادات الثورة وتياراتها عبر تقديم الوجوه التي تظهر تعاونها ودعمها للثورة بل وتمويل أطرافا محددة فيها، وتقديم الوجوه الشديدة العنيفة التي تعمل على ضرب وإجهاض الثورة.

وقد استخدمت أمريكا وأولياؤها أدوات وآليات كثيرة لتحقيق الاستراتيجيات بدء من الانقلاب العسكري والاختراقات الأمنية وشراء الولاءات، ومرورا بطرح المبادرات وانتهاء بقتل واغتيال وسجن قادة الثورة ورموزها.

ويمكن الاستفادة من هذا المخطط في تلخيص المساطر التاريخية والزمنية التي حكمت الأمة منذ مائة عام:

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *