By / 5 نوفمبر، 2019

الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (3)

العوامل الجديدة التي غيرت من المعادلات المستقرة

العامل الأول: عامل الثورة العربية وتميز مصالح الأمة العليا:

فمع نشوب الثورة العربية المباركة ونجاحها المبدئي بإسقاط أخطر رؤوس الحكم في العالم العربي فقد اتضح بأن ثمة عامل خطير قد دخل على المعادلات المستقرة في منطقة الشرق الأوسط خصوصا في ظل وحدة البواعث التي فجرت الثورة العربية في جميع دول العرب والمسلمين من قمع وفقر وتفريط النظام العربي في مصالح الشعوب والأمة العليا، لذلك فقد كانت الثورة مرشحة للانتشار كما تنتشر النار في الهشيم.

وكان من نتائج الثورة والثورة المضادة تمايز الصفوف وانقسام الساحات إلى مسار منحاز ومؤيد للثورة على مستوى النخب والجماهير حتى تحول هذا المسار إلى تيار عريض في الأمة سواء في الساحات الثورية أو الساحات الباردة، ولكن النتيجة الأخطر في ظل الثورة العربية هو ما أفرزته الساحات الثورية من كتل مقاتلة وجهادية وخصوصا في سوريا وليبيا وبدرجة أقل في اليمن لكنها على الطريق وتمسك تلك الكتل بالسلاح والأرض وقابليتها للحياة ومواصلة الصراع مع وضوح في الأهداف وعدم قدرة النظام الدولي وأولياؤه على حرف هذه الكتل عن مسارها العام.

كما يُعد تكسر مفردات المصلحة الوطنية في كل ساحة ثورية وتراجع السقوف القطرية من الآثار الإيجابية للثورة العربية بسبب فشل تلك المفردات في حفظ وحماية حُرُمات الشعب الواحد في القطر الواحد فضلا عن حُرُمات الأمة ككل، بل وقيام أخطر الأجهزة الوطنية والمُعدة أصلا لحماية الشعب بتوجيه أسلحتها ونيرانها لصدور شعبها وسحقه بلا رحمة كما حصل من كل جيوش وأجهزة أمن بلاد الربيع العربي، وقد أدى هذا التطور إلى ذهاب جماهير الأمة لتلمس وإعادة تعريف المصالح العليا وتمييزها عن مصالح النُظُم القمعية وإلحاقها بسقوف الأمة ومصالحها العليا وإن كان هذا المستوى لا يزال بحاجة إلى خدمة علمية وتربوية وإعلامية.

ومن النتائج الإيجابية والتغيير الواضح الذي أحدثته الثورة العربية وصراعها مع الثورة المضادة هو انحياز أصحاب الأداء السياسي وما أطلق عليه بالإسلام السياسي لساحة الثورة والقبول بمعطيات الصراع سواء على المستوى القطري وبدرجة أقل على المستوى الدولي، مما هيأ الساحة للتجاوب مع الصراع المفروض على الأمة بدرجة أكبر ولعل أنموذج الإخوان المسلمين في مصر وإصرارهم على مواصلة الانحياز للثورة وفي النموذج التركي الذي تحول إلى غطاء استراتيجي للثورات العربية ومتنفسها الأساسي خصوصا للثورة السورية، ففي تلكما النموذجين مؤشر على التغيير الذي دخل على ساحة الصراع وخصوصا في ظل التهديد الذي فرضته الثورة المضادة على الساحة التركية ومحاولة إقصاء حزب العدالة والتنمية عن المشهد السياسي وتجاوب هذا الأخير مع التحديات التي فُرضت عليه، ولكن يبقى السؤال: ما هو المدى الذي يمكن أن يذهب إليه تيار الإسلام السياسي في تصور وإدارة هذا الصراع؟

وبسبب أن النظام السياسي العربي قد تأسس على اتفاقية عمرها مائة عام وهي اتفاقية سايكس بيكو والتي كانت تعبر عن اتفاق وتوازن النظام الدولي فإن تزلزل المنطقة العربية يعني تزلزل النظام الدولي ومعه النظام الإقليمي، ولذلك فقد أعطى نشوب الثورة العربية إشارات خطرة في كل الاتجاه فقد مست الثورة الهيمنة الغربية لأمريكا وأروبا، وباشتعال الثورة في سوريا بعد مصر وهما أهم دولتين من دول الطوق فلم يكن المراقبون بحاجة إلى دلائل أخرى لكي يجمعوا على أن الثورة تحولا يهدد المشروع الصهيوني تهديدا وجوديا، ولم يكن المشروع الصفوي بعيدا عن أشقائه من الصليبيين والصهاينة فقد كان على موعد ينسف كل تمدد حصل عليه على المستوى الإقليمي والعالمي لأن اشتعال الثورة السورية قصم العمود الفقري لهذا المشروع واضطره للدخول في صراع لم يكن يحسب حسابه أبدا وكشف بالتالي عن وجهه القرمطي وعقيدته الحقيقية تجاه الأمة المسلمة فطفق ينتهك كل حرماتها بصورة لا ينافسه عليها إلا الاتحاد السوفيتي الملحد في تاريخه الأحمر الدامي وكذا الكونيالية الفرنسية التي قتلت الملايين من الجزائريين.

العامل الثاني: حاجة المشروع الصفوي لحماية مناطق نفوذه في المنطقة العربية

فقد نشأت حاجة المشروع الصفوي تلك في ظل عامل الثورة العربية التي هددت مناطق نفوذه في المنطقة العربية واضرته للدخول في حرب متسعة ومتعددة الجبهات، وبالتالي حاجته لتأمين الغطاء الاقتصادي والدولي لحربه وممارسته للقتل الموسع فاضطر أن يذهب للملف النووي لكي يستخدمه للتفاوض واستغلال حاجة المشاريع المتقاطعة في المنطقة لكي يتفاهم معها على أدوار ومناطق نفوذ وتعاون، خاصة وأن أمريكا لا تزال تلعب معه ألعابها القذرة في العراق لكي تحصل منه على تنازلات واضحة ومحددة في الملف النووي، فتأسست على هذه الحاجة لدى إيران تسريع المفاوضات النووية.

العامل الثالث: العجز المشترك بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني والمشروع القمعي العربي

فإن الثورة العربية قد وسعت من جراحات هذا الثالوث بتهديدها للأنظمة العربية المستقرة وإمكانية انتقالها من ساحات الجمهوريات إلى ساحات الملكيات، وعدم قدرة المشروع الصهيوني على حسم معركته مع الفلسطينيين وبقاء خيار المقاومة حاضرا لديهم وتوسيعهم من البنية التحتية للحرب في غزة فلم يعد هذا المشروع بأحسن حال من حلفائه، وزاد من عجز هذا الثالوث خروج أمريكا من أفغانستان والعراق مهزومة وغير قادرة على إدارة المنطقة بنفس التحفز الذي أشعلت به حرب عام 2001م في أفغانستان وحرب 2003م في العراق وعدم استعدادها أبدا للمشاركة بقوات على الأرض وهذا بدوره دفع بحاجة هذا الثالوث إلى تبادل المظلات الأمنية في المنطقة مع المشروع الصفوي، ونتيجة لنشوء هذه الحاجة في ظل الثورة العربية والعجز الأمريكي فقد سرعت أمريكا من دفعها للملف النووي الإيراني لكي تحقق به إنجازا عاجلا وملحا.

العامل الرابع: الفرصة المواتية للمشروع الروسي القيصري للعودة إلى نظام القطبية المتعددة

فقد أتاح تطور الأحداث في ظل الثورة العربية للمشروع الروسي المعدل قيصريا لكي يعود إلى نظام القطبية الدولية مكتسحا كما يكتسح التسونامي ومنتقما من الإهانات التي لحقته من المشروع الغربي الأمريكي والأوروبي وتهديد مناطق نفوذه حتى وصل إلى أوكرانيا وتعداها إلى جورجيا وأرمينيا، وعليه فقد استغل المشروع الروسي الفرصة استغلالا استراتيجيا تمثل في أربعة مسارات:

  • المسار الأول: فهو استغلال حاجة المشروع الصفوي للإسناد والدعم في الملف النووي لتحقيق أفضل الشروط الممكنة أمام المفاوض الغربي، واستغلال حاجته أيضا للإسناد السياسي والعسكري في الساحة السورية.
  • المسار الثاني: فهو استغلال حاجة الحلفاء الغربيين والمشروع الصهيوني في إدارة الثورة المضادة والتحديات التي نشأت في ظل الثورة العربية خاصة الثورة السورية، ولذلك رأينا هذا الاستغلال تحقق بقفزة الروس العسكرية وتوسيع وجودهم في سوريا وكونهم المرجعية الثانية الرئيسية مع الأمريكان في إدارة الأزمة السورية وترتيب أوراقها.
  • المسار الثالث: فهو استغلال الروس لحاجة المشروع الصهيوني الماسة والشديدة لبقاء نظام بشار الأسد ومنع تطور الثورة السورية باتجاه تحقيق أي إنجاز لصالح الشعب السوري والأمة المسلمة، خصوصا في ظل العزوف الأمريكي عن التدخل العسكري وتكرار سيناريو أفغانستان والعراق.
  • المسار الرابع: فهو استغلال الروس للإرباك السياسي والأمني في النظام الدولي نتيجة لعامل الثورة العربية وانكشاف المظلة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط وتمثل هذا الاستغلال في القفزة الروسية العسكرية في الشرق الأوكراني واقتطاع جزيرة القرم الاستراتيجية لصالحهم وتكريس هذا الوضع مع مرور الأيام وتحويله إلى فرض أمر واقع، ولا أنسى أن أشير هنا إلى وجود التناسق والتفاهم الصيني الروسي في خلفية أزمات الشرق الأوسط مما حقق دعما وتشجيعا للحراك الروسي، وهذا يذكرنا بحقيقة وثابت من ثوابت العلاقات الدولية وهو التنافسية الشديدة بين المعسكر الشرقي والغربي بل العداء المستحكم الذي يحاول الفرقاء أن يبقوه في دائرة الحرب الباردة أو ما بقي منها خوفا من الانزلاق لحرب كونية.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *