By / 16 مارس، 2020

الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (4)

 

الاستراتيجية التي يحاول الغرب (أمريكا وأوروبا) تطويرها لمواجهة تلك العوامل مجتمعة والتي لم تكن لتتطور في هذا الاتجاه لولا نشوب الثورة العربية، فما هي  مؤشرات الاستراتيجية التي تتبعها أمريكا وخلفها أوروبا في التعامل مع تلك العوامل:

المؤشر الأول: استثمار التفوق الاستراتيجي الذي تتمتع به أمريكا وأوروبا والموقع المتميز لها نتيجة لتحكمها بالأدوات الدولية والإقليمية التالية:

الأداة الأولى: منظمة الناتو وقدراتها البشرية والتقنية والعسكرية.

الأداة الثانية: منظمة الاتحاد الأوروبي بقدراته الاقتصادية والبشرية والتقنية وموقعه الجيوسياسي والمؤسسات التابعة له كمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وغيرها.

الأداة الثالثة: التحكم في مسارات الأمم المتحدة وأدواتها ومؤسساتها كمجلس الأمن والسكرتير العام والمبعوثين الدوليين وغيرها.

الأداة الرابعة: التحكم في منظومة الحكم العربي والإسلامي وخصوصا النظم الملكية في الخليج بما تملكه من أجهزة أمنية متكاملة مع المنظومات الأمنية الغربية وبما تملكه من فوائض مالية وما تمثله من موقع الإسلام الرسمي والتزامها التام بالاستراتيجية الأمريكية على مدار العقود الطويلة الماضية.

المؤشر الثاني: امتصاص الفشل العسكري الأمريكي وانتهاء فرصة تطبيق نظام القطب الأوحد واستبداله بالأداء الأمني والاختراقات وتوظيف العملاء والأجهزة الأمنية الحليفة، واعتماد نظريات المكر والدهاء في إدارة الأزمات والصراع كالاستراتيجية التي تعتمدها منظمة الناتو في إدارة واستثمار الأزمات، ونظرية جدوى القوة التي أرساها الجنرال البريطاني روبرت سميث عام 2005م والنظريات التي ولدت في ظلها، واستخدام التطور الهائل في نظريات السيطرة والتحكم العسكرية والأمنية وإدارة التعقيد الهائل في الصراع كنظرية (C4i)

 Command, Control, Communications,

 Computers, and Intelligence 

المطبقة في الصراع العسكري والسيطرة على نتائجه.

المؤشر الثالث: امتصاص التمرد الروسي واحتواء عودته القوية إلى ساحة القطبية الدولية واستغلاله لحاجة المشروع الصفوي، واستبدال الصراع المباشر معه في أوكرانيا عبر تحويل مسارات الصراع إلى ساحة الشرق الأوسط وخصوصا ساحات الثورة العربية وساحة الثورة السورية على وجه الخصوص، وإشعار الدب الروسي بالرضى النفسي بأنه أصبح مؤثرا على الساحات العالمية مع إضمار أمريكا وأوروبا استراتيجية التوريط المتدرج وهو ما أُطلق عليه بالخطة ب أثناء الجدال حول التنسيق والتفاهم الروسي الأمريكي في سوريا، وتستخدم أمريكا أدواتها وحلفائها في النظام العربي لتحقيق هذه الاستراتيجية ولذلك لعب حكام الخليج دورا واضحا ومبالغا فيه عندما أظهروا الاقتراب الشديد من الدب الروسي وإغرائه بالعقود العسكرية وشراء الأسلحة بينما كانوا يسربون رسائل مدروسة باتجاه تحقيق الاستراتيجية الأمريكية.

المؤشر الرابع: تطبيق استراتيجية الاحتواء المزدوج في إدارة المشروع الصفوي من خلال إعطاءه فرصة كاملة للممارسة النفوذ في المنطقة وتقاسم النفوذ مع الكيان الصهيوني خصوصا في الجناح العربي الشرقي، مع بقاء سيف الاستنزاف العسكري المستمر فوق رأسه في كل من العراق وسوريا واليمن ويمكن أن ينتقل الاستنزاف إلى لبنان ورفع وتيرة العداء بين إيران وجيرانها العرب وخصوصا الحكومات الخليجية وذلك بحسب تحسن الأداء والاستجابة الإيرانية وخضوعها للأجندة الأمريكية أو الاقتراب الجيد منها.

المؤشر الخامس: استيعاب وتبريد الثورة العربية في جميع الساحات التي نشبت فيها عبر الاستراتيجيات الأربع التي ذكرتها سابقا، مع الحرص على عدم انتقال الثورة العربية لساحات جديدة والاستعداد لمرحلة طويلة من معاقبة الشعوب الثائرة والتدرج في بناء الأنظمة العميلة الجديدة، وتخيير الشعوب بين الخضوع للأنظمة العميلة أو البقاء تحت التهديد الأمني الذي تفرضه داعش المسيرة أمنيا، مع إمكانية الذهاب إلى تقسيم بلدان الربيع العربي وتفتيتها إلى كانتونات بحسب المعطيات العرقية والطائفية، مع تكليف النظام العربي بإدارة الثورة المضادة عسكريا وأمنيا وسياسيا وإعلاميا واقتصاديا.

المؤشر السادس: إعادة إنتاج النظام السياسي العربي بشقيه الملكي والجمهوري مع التركيز على الشق الملكي ويتم ذلك عبر عدة استراتيجيات من أهمها: إسناد كامل من قبل النظام الملكي للنظم الجمهورية المتداعية على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، وعبر توظيف الصراع الذي فرضه المشروع الصفوي على الأمة بادعاء النظام الخليجي بأنه هو المعني بمواجهة التهديد الصفوي وأنه قد تكفل بحماية السنة، واتخاذ النموذج اليمني مادة للدعاية بهذا الاتجاه بينما هو لا يفعل أكثر من الضربات الدوية ودون حسم على الأرض ويلعب باستراتيجية الاحتواء المزدوج مع المشروع الصفوي فهو يحاربه هناك ويصالحه ويتوافق معه هنا، وهو يلعب معه لعبة العداء والصداقة في آن واحد كما تفعل الحكومة الإماراتية والعمانية وكما بدأت تغازله الحكومة السعودية مؤخرا.

المؤشر السابع: تجهيز التحالف الإسلامي العسكري كبديل عن الغياب العسكري الأمريكي والأوروبي في المنطقة واستخدامه في كل الاتجاهات ومنها تجهيزه لأي انزلاقات ونشوب حرب غير محسوبة، وتكليفه بترتيب وحصار الساحات الثورية وإدارة الكانتونات التي ستنشأ عن التفاهمات الدولية.

المؤشر الثامن: استهلاك جميع المتنافسين في المنطقة في دورة صراع عسكرية وأمنية واقتصادية طويلة المدى لا تخسر فيها أمريكا رجالها ولا دولاراتها.

المؤشر التاسع: الحفاظ على استراتيجية استهلاك بيني للحراك الجهادي وضرب بعضه ببعض عبر الاختراقات الأمنية وبمساعدة الأجهزة الأمنية العربية واليهودية والإيرانية والروسية فهذه نقطة مصلحة مشتركة تجمعهم، وهذا الذي يفسر حرص الجميع على عدم اختفاء داعش من الساحة بل وتهيئة الظروف لبقائها واستمرارها.

المؤشر العاشر: عدم السماح لتيار الإسلام السياسي بتحقيق أي إنجاز في مسيرته خصوصا بعد أن تماهى مع معطيات الثورة واستثمرها لتحقيق تحول سياسي حقيقي في بلاد الربيع العربي، ومن هنا كان العقاب الدولي والإقليمي لجماعة الإخوان المسلمين المصرية وفروعها في العالم العربي ووضع خطوط حمراء حولها ووصمها بالإرهاب، وقد امتدت هذه الاستراتيجية لتشمل النموذج الناجح الوحيد الذي يمثل تيار الإسلام السياسي وهي الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية وخصوصا بعد فشل كل المحاولات لضرب هذه الحكومة من الداخل وبقيت محاولات دفعها للصراع العسكري الذي بدأ فعلا عبر إشعال الجبهة الكردية وعبر توريطها بالصراع العسكري في سوريا ومن ثم إمكانية إشعال حرب إقليمية بينها وبين روسيا وإيران.

المؤشر الحادي عشر: الاتفاق النووي الذي عقدته أمريكا مع المشروع الصفوي برعاية الخمسة الكبار بالإضافة إلى ألمانيا، والذي يمكن وصفه بمقدمة لسايكس بيكو جديدة بعد مضي مائة سنة على اعتمادها، وتهلهل كل العوامل التي شكلتها وخاصة النظام العربي ومؤشرات سقوطه، وبالرغم مما تم إعلانه من جوانب الاتفاق النووي لكن جميع المراقبين يقرون بأن هناك ملاحقا سرية متعلقة به لم تر النور لحرص جميع الأطراف على كتمها، ويمكن توقع أبعاد تلك الملاحق السرية فهي على العموم تتعلق بالمسائل التالية:

  1. مساحات النفوذ التي أعطتها المنظومة الغربية للمشروع الصفوي وخصوصا في العالم العربي.
  2. التفاهم الرأسي بين الأقطاب الكبار في الاتفاق وفوائد كل منهم وخصوصا أمريكا وروسيا.
  3. تأمين المشروع الصهيوني والحفاظ على مساحات نفوذه وكونه يأتي فوق المشروع الصفوي في المنطقة.
  4. إقرار المشروع الصفوي بأحقية وتاريخ الوجود والهيمنة الأمريكية في المنطقة وعدم لعب أية أدوار تؤثر سلبا في الهيمنة الأمريكية خصوصا عند نشوب الحروب.
  5. التفاهم على إدارة مناطق الثورة العربية وتحديد الأدوار التي سيلعبها أطراف الاتفاق في تعويق وتبديد هذه الثورة.
  6. نصيب كل طرف من الكانتونات التي سيتم تأسيسها في المرحلة القادمة كالعراق وخصوصا المنطقة الكردية.
  7. ضمان دور وحقوق الأقليات الشيعية في العالم العربي.
  8. الأدوار الأمنية والتنسيق بين جميع الأطراف لإدارة اللعبة الأمنية والاختراقات في العالم العربي والسني.
  9. توزيع الأدوار بين الأطراف في ضرب البنية العقائدية والأخلاقية في جزيرة العرب فيما يسمى بالتيار الوهابي السلفي والجهادي.
  10. توزيع وإدارة ثروات المنطقة بين أطراف الاتفاق.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *