By / 6 أبريل، 2020

الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (5)

ماذا يفعل النظام العربي في سوريا؟

بالرغم من إجماع المراقبين على أن نشوب الثورة العربية جاء كردة فعل من قبل الشعوب على تراكم القمع والعبودية وسرقة واحتكار الثروة من قبل نظام القمع العربي فلا يزال الفرقاء من قادة الثورة مختلفين على توصيف وتحديد طبيعة وحقيقة الدور أو الأدوار التي يلعبها النظام العربي مجتمعا ومنفردا في ساحات الربيع العربي منذ نشوبها!

ولأن طبيعة الورقة لا تتيح البحث المفصل في هذه القضية فسوف أسلك أسلوب الأسئلة التي تثير القضايا الكلية المتعلقة بشؤون الأمة ومصالحها العليا وموقع النظام العربي فيها:

السؤال الأول: هل يمكن التعويل على نظام الحكم في العالم العربي والإسلامي كله أو بعضه (كالملكي دون الجمهوري) في أيامنا هذه على رعاية المصالح العليا للأمة وحفظ حُرُماتها؟

مناقشة السؤال:

لقد أهدى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطرة لقياس حال الأمة الكلي على مدار التاريخ وهي تلك التي توصّفُ وتحدد علاقة الأمة بالنظام السياسي الذي سوف يحكمها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وإلى مراحل متأخرة ومتطاولة في التاريخ ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. 

فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

وروى الحديث أيضًا الطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط.

والحديث الآخر في الصحيحين عن حذيفة هو: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

ويكاد يجمع العلماء والباحثون المعاصرون بأن المرحلة السياسية الحالية في الأمة هي مرحلة الملك الجبري لانطباق الصفات التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ومنها:

  • الصفة الأولى: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
  • الصفة الثانية: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
  • الصفة الثالثة: (من حديث آخر) صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس.

وبالتحقيق في الفروق بين الخلافة الراشدة والملك العضوض من جهة والملك الجبري من جهة أخرى فقد تبين أن تلك الفروق واضحة لا لبس فيها وهي:

  • الفرق الأول: أن فترة الخلافة والملك العاض لم يُصرف فيها الولاء عن وجهه الشرعي وهو الولاء لله ورسوله والمؤمنين، بينما وقع الملك العاض في الولاء لأهل الكتاب.
  • الفرق الثاني: أن فترة الخلافة والملك العاض كان مستقلا استقلالا تاما عن تدخل الكفرة في شأن الأمة السياسي، بينما خضع الملك الجبري خضوعا تاما لهم.
  • الفرق الثالث: أن فترة الخلافة الراشدة والملك العاض كانا ملتزمين بمرجعية الشريعة في تصريف شؤون الأمة كلها، بينما اعتمد الملك الجبري قوانين الغرب والشرق وغل الشريعة عن العمل لا كما فرض الله تعالى على عباده.
  • الفرق الرابع: أن فترة الخلافة الراشدة والملك العاض استخدما الجهاد لحفظ حُرُمات الأمة فلم يعطلاه بل لم يوقفا الفتوح شرقا وغربا، بينما قام الملك الجبري بتعطيل الجهاد ومعاقبة من ينادي به بأقصى أنواع العقوبات.
  • الفرق الخامس: أن نظام الخلافة الراشدة والملك العاض كانا مؤهلين كنظام سياسي للنظر في المصلحة العليا للأمة واتخاذ القرارات التي تترتب على ذلك النظر، بينما أصبح الملك الجبري عريا من كل قدرة وتأهيل للنظر في المصلحة العليا للأمة بل أصبح حربا على الأمة ومصالحها والتفريط في مقدساتها.
  • الفرق السادس: لم تفرق الخلافة الراشدة والملك العضوض بين الأمة لا على أساس العرق ولا الجغرافيا وبقي سقف الأمة الكلي هو الأساس لصلتها وعلاقتها ببعضها البعض، بينما تأسس الملك الجبري على تبعيض الأمة وتقسيمها على الأساس الوطني والعرقي والجغرافي فلم تتمكن الأمة من نصرة بعضها البعض وبقي العدو يعيث فيها فسادا وهي مستسلمة ومقطعة.

فكيف يمكن للنظام العربي القائم ملكيا كان أم جماهيريا في ظل تلك المناقشة أن يقوم برعاية المصالح العليا للأمة؟

السؤال الثاني: هل تاريخ النظام السياسي العربي يؤهله لحفظ حُرُمات الأمة وإدارة قضاياها الكبرى؟

مناقشة السؤال: يمكن تقسيم تاريخ النظام السياسي العربي إلى مرحلتين لا تخطئهما العين

المرحلة الأولى: هي مرحلة تأسيس الشق الملكي من النظام الجبري والذي اتضحت معالمه بداية القرن العشرين عندما

وقع السلطان عبدالحفيظ في المغرب اتفاقية فاس مع فرنسا عام 1912، ثم تبع ذلك إعلان بريطانيا حسين كامل سلطانا في مصر وتبعه اتصال بريطانيا عام 1914 بكل من الشريف حسين وعبد العزيز آل سعود والذي أسفر لاحقا عن تأسيس إمارة شرق الأردن وإمارة نجد والحجاز.

واستمرت هذه المرحلة إلى بداية الخمسينيات من القرن العشرين حيث بدا إعلان استقلال تلك الملكيات.

المرحلة الثانية: هي التي دفع فيها الإنجليز والفرنسيون عملاءهم من العسكر للانقلاب على بعض الملكيات خصوصا في المواقع الحاسمة والاستراتيجية في الأمة ذات الحضور التاريخي والحضاري والبشري وهي العراق وسوريا ومصر والجزائر حيث تبنى أولئك العسكر العقيدة الاشتراكية المعدلة عربيا كالبعثية والناصرية.

فما هو تاريخ هذه النظم طوال القرن العشرين:

  • المحطة الأولى: سقوط بيت المقدس والشام تحت الصليبيين الجدد واصطفاف النظام العربي الوليد معهم حتى أن قوات فيصل بن الحسين كانت مسؤولة عن حماية ميمنة الجيش البريطاني وهو يقتحم فلسطين ويستولي على القدس.
  • المحطة الثانية: انتهاء الحرب العالمية الثانية وحرص أمريكا وبريطانيا وفرنسا على تثبيت دعائم الحكم الملكي العربي والبدء في بناء جيوشه وأجهزة أمنه وعقيدته، وتأسيس مرجعيته الجماعية متمثلة في جامعة الدول العربية كغطاء لكل سوءاته وتفريطه في حقوق الأمة بغض النظر عن خلافاته.
  • المحطة الثالثة: إعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948م والدور الخياني الذي لعبه النظام العربي منفردا ومجتمعا بالتظاهر بالدخول في حرب لتحرير فلسطين وقد كانت حربا تحريكية حتى تبلع الشعوب العربية مرارة ولادة الكيان المسخ على أرض فلسطين حيث كانت جيوش العرب بقيادة البريطاني جون باجوت جلوب أو جلوب باشا، وعندها أعلنت الأنظمة العربية قبولها بالهدنة لتفتح المجال لولادة إسرائيل.
  • المحطة الرابعة: استكمال سقوط القدس بيد اليهود عام 1967م في حرب شكلية لم تكلف الكيان الصهيوني إلا بضعة أيام لكي يسيطر اليهود على القدس ومرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء، ولكي يتهاوى الحلم الكاذب الذي كان يسوقه النظام العربي وهو وهم المشروع العربي، ولكي يستكمل ملوك ورؤساء العرب تمثيليتهم في اجتماع جامعة الدول العربية بالخرطوم متضامنين في التسليم والتفريط بالقدس.
  • المحطة الخامسة: الحرب التحريكية بين مصر والكيان الصهيوني عام 1973 والتي نتج عنها اتفاقية كامب ديفيد والصلح مع اليهود، حيث تظاهر النظام العربي بمقاطعته للنظام المصري ثم تتابعوا على طريقه في مرحلة تالية، فقد أسند النظام الملكي شقيقه الجمهوري فيما يخص الاعتراف بالكيان الصهيوني والمضي في طريق التطبيع معه عبر ثلاث مبادرات وهي: مبادرة الأمير فهد عام 1981م والتي اعترفت بحق إسرائيل في الوجود، ثم مؤتمر مدريد الذي حضرته دول الخليج ممثلة في أمين عام دول مجلس التعاون الخليجي عام 1991م واستكملت اعترافها بالكيان الصهيوني، ثم مبادرة الأمير عبدالله عام 2002م في مؤتمر بيروت واعتماد جامعة الدول العربية لها والتي تأسس عليها لاحقا إدخال الجهاد الفلسطيني في جحر السلطة الفلسطينية وإغلاقه عليه منذ عام 2006 إلى وقتنا هذا.
  • المحطة السادسة: المشاركة في تمثيلية دخول صدام إلى الكويت عام 1990م والتي افتعلتها أمريكا لاستثمار سقوط الاتحاد السوفيتي وإعلان نفسها كوصية وحيدة على العالم، وقد لعب النظام السياسي في الخليج أوضح وأقوى الأدوار في خداع الأمة واللعب بمشاعرها ووضع الفتيا في خدمة الدجل السياسي، وقد ترتب على هذه المحطة دخول إيران في التحالف الأمريكي واستثمارها للتحولات في النظام الدولي باتجاه مد نفوذها وإحكام سيطرتها على المنطقة.
  • المحطة السابعة: محطة خطة تجفيف المنابع التي سلطتها أمريكا على العالم العربي والعالم الإسلامي على الخصوص إثر الخوف والهلع الذي ركبهم نتيجة نجاح المجاهدين الأفغان من شطب الاتحاد السوفيتي من الوجود عبر تجديد روح الجهاد في الأمة، فعمدت أمريكا إلى إعادة إنتاج النظريات الأمنية والأجهزة الأمنية التي تحكم المسلمين عبر استهداف كل ما من شأنه أن يبذر الدين في نفوس النشء الجديد فتم إغلاق مدارس تحفيظ القرآن الكريم وتأميم بعضها ومصادرة المساجد ومنع خطبائها وغل وتوقيف الهيئات الخيرية وملاحقة الجماعات الدعوية والتربوية ومعاقبة المتعلقين بالأداء الجهادي وتسليط كل ألوان الأذى عليهم من جاكرتا إلى الرباط، وكان للنظام العربي نصيب الأسد في تطبيق تلك النظريات وتكامل أداء الأجهزة الأمنية العربية.
  • المحطة الثامنة: محطة 11 سبتمبر 2001 والتي استخدمتها أمريكا للعبور إلى نظام القطب الأوحد بشكل مباشر بعد أن مضى على سقوط الاتحاد السوفيتي عقد كامل دون أن تتمكن أمريكا من إحداث نقلة حقيقية في مشروعها بتجاوز التعددية القطبية في النظام العالمي، وقد كان للنظام العربي نصيب الأسد في الوقوف خلف أمريكا بكل أنواع الدعم العسكري والاستخباراتي والمالي والسياسي وخصوصا الدعم الاستخباراتي حيث تحولت سجون النظام العربي إلى سجون سرية سوداء وفرت كل متطلبات التحقيق والتعذيب والقتل والترحيل التي كانت تتطلبها أمريكا.
  • المحطة التاسعة: محطة احتلال العراق وسقوط بغداد عام 2003م والتي قادت إلى افتتاح عهد جديد من القتل وسفك الدماء حيث بلغ عدد قتلى العراق مليون ونصف قتيل وبلغ عدد المهجرين من ديارهم عشرات الملايين، وتم تسليم العراق هدية لإيران فتكامل المشروع الصفوي واتصل من حدود باكستان إلى لبنان، واستخدمت مطارات دول الخليج كلها في ضرب العراق واستخدمت أمريكا أنواعا من الأسلحة المحرمة دوليا ومنها أسلحة اليورانيوم المنضب الذي أسهم في تشويه الأجنة في بطون أمهاتهم عدا الآثار الخطيرة على البيئة العراقية، وعندما اشتعلت المقاومة والجهاد ضد الوجود الأمريكي في العراق ساهم النظام العربي في حصار العراق وانحاز للعدو الأمريكي ومنع تعاطف ودعم الشعوب العربية للعراقيين بل ووضع كل من قام بدور تطوعي شعبي في دعم العراقيين في السجون حتى بلغ عدد السجناء عشرات الألوف كما هو الحال في السعودية.
  • المحطة العاشرة: محطة الثورة العربية التي اشتعلت بنهاية عام 2010م وتمكنت في وقت قياسي من زلزلة وإسقاط خمسة أصنام كبرى من أصنام النظام العربي، وكانت أمريكا وأوروبا بطبيعة الحال أول من تفاعل مع التحدي الذي فرضته الشعوب العربية في بلدان الربيع العربي فبدأت سيناريوهات الثورة المضادة بالتشكل وكان للنظام العربي نصيب الأسد فيها.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *