By / 20 أبريل، 2019

الثورة السورية بين تداعي الأمم وغياب مشروع الأمة (1)

مهما اختلف المحللون والدارسون لطبيعة الثورة السورية ومحصلة أدائها بعد سنين من انطلاقتها المباركة فلن يختلفوا على تحديد طبيعة الصراع العقائدي الذي يحكم علاقة الشعب السوري بأعدائه الوالغين في دمائه المتشفِّين بقتل نسائه وأطفاله وشيوخه، وهو أمر يتكرر في علاقة الأمة المسلمة بأعدائها من شرق وغرب ويكفي أن نقف على الهمجية المشتركة ونمطية القتل التي يمارسها كل من اليهود في فلسطين والأمريكان والإيرانيون في العراق وأفغانستان والروس والإيرانيون في سوريا لكي نتذكر قوله عز وجل: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد)البروج:8

ولعل من أهم نتائج ودروس الأداء الجمعي في شعوب الأمة والجماعات والتيارات فيها خلال خمسة عشر سنة مضت وخصوصا في ظل محاولة أمريكا إعادة تجليس النظام الدولي على قاعدة القطب الأوحد ومنذ أن غزا جورج بوش أفغانستان عام 2001م ثم العراق عام 2003م وعلى ضوء الحقائق التي تكشفت بذلك الغزو، فإن تلك التجارب قد أوقفتنا على ثلاث نتائج أساسية وهي:

  • النتيجة الأولى: هي تلك التي تبلورت في ساحة أعداء الأمة أنهم لن يتوقفوا عن الغزو العسكري والاختراق الأمني وعن تعاونهم وتكاملهم في ضرب الأمة ونهب ثرواتها، وقد كان ذلك واضحا في تكامل الأداء الأمريكي بفرقاء النظام الدولي وكذلك بقوى النظام الإقليمي في المنطقة وخصوصا المشروع الصفوي الذي فاز بالعراق كمكافأة له في تكامله مع المشروع الأمريكي الجديد.
  • النتيجة الثانية: هي تلك التي تبلورت في ساحة النظام السياسي العميل الذي يحكم الأمة نيابة عن أعدائها، فقد ذهبت تلك الأنظمة في التجاوب مع الغزو العسكري كل مذهب فقد وظفت خزائن الأمة التي سرقتها وفتحت مطاراتها وأجوائها لضرب أفغانستان والعراق واحتفلت بسقوط بغداد على أيدي مغول العصر وأرسلت سفراءها ليكرسوا الواقع الجديد، ودعمت العملاء الجدد في كابل وبغداد بكل أنواع الدعم.
  • النتيجة الثالثة: هي تلك التي تبلورت في ساحة أداء الأمة الكلي فقد تبين أن حراك الشعوب فيها إنما هو سعي جمعي للانعتاق من معادلة الغثائية والوهن التي ضربت أطنابها في جنبات الأمة منذ أن سقطت مرجعيتها وغطاءها السياسي قبل مائة عام، وعليه فإن اختلاف التصورات والمشاريع للخروج من هذه الغثائية إنما يُعبّر عن تلك الأزمة وعمقها، و تبين بأن مخرج الأمة الطبيعي أمام ما يفرضه نظام تداعي الأمم عليها هو الحراك السياسي والجهادي مهما ادعى عملاء القمع العربي بأنهم يجابهون الإرهاب، كما تبين بأن عِظَم التضحيات في ساحات الثورة العربية والساحة السورية على وجه الخصوص تتناسب مع عظم النتيجة المتوخاة من انعتاق الأمة من معادلة الغثائية والوهن وهي مرحلة لا بد من استيفائها زمنا وجغرافيا وعلى مستوى الأمة كلها فلن يخرج السوريون من الغثائية وحدهم ويبقى الخليجيون وغيرهم من شعوب الأمة يرزحون تحت أثقالها.

وفي هذه الورقة وقوف مع المعادلات التي أثرت في الثورة السورية وعلاقة ذلك بوضع الأمة الكلي ثم محاولة رسم الاستراتيجية التي يحتاجها قادة الثورة السورية في هذه اللحظة الدقيقة والحاسمة من تاريخها.

ثانيا: خصائص الثورة السورية

تشترك الثورة السورية مع بقية ثورات الربيع العربي في بعض الخصائص وتفترق عنها في البعض الآخر، ويمكن الوقوف على خصائص الثورة السورية في المسائل التالية:

  1. تأخذ الثورة السورية خصيصتها وميزتها الأساسية من سمات أرض الشام كونها أرض الملاحم والجهاد والرباط إلى يوم القيامة بحسب ما ورد في الصحيح عنها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ فسطاطَ المسلمِين يومَ الْمَلحمةِ بالغُوطةِ، إلى جانبِ مدينةٍ يُقالُ لها دِمشقُ، من خيرِ مدائنِ الشَّامِ).. وهذا يعني أن الثورة السورية هي نقطة التقاطع لكل ساحات الصراع مع مشاريع الأمم المتداعية على الأمة من جهة ومشروع الأمة الكلّي من جهة أخرى، وهي مؤشر النجاح والفشل الأساسي لمشروع الأمة، مما يوجب تركيزا واهتماما مضاعفا من قبل كل المعنيين بشأن الأمة وحرماتها ومقدساتها ومستقبلها.
  2. كما تعتبر الشام المؤشر الرئيس على نجاح الأمة في إدارة الصراع بسبب وقوع أخطر رموز الصراع فيها وهو بيت المقدس فهي تمثل المساحة الأكبر لأكناف بيت المقدس، وهي المهدد الحقيقي لمرتكز المشروع الصليبي المتمثل في المشروع الصهيوني ودولة الكيان المسخ، خاصة وأن المشروع الصهيوني هو محل إجماع ودعم من كل المشاريع المتداعية على الأمة والمشاريع التي تولدت في ظلها وخاصة المشروع الصفوي.
  3. وتقود معركة الشام الصراع في الأمة ليس بسبب مميزاتها الجيوسياسية فقط وإنما بسبب التزامن بين معركتها والمعارك الأخرى في الأمة وما يتولد عن هذه المعارك من نقض المظلة السياسية التي أسسها الصليبيون الجدد متمثلة في النظام السياسي العربي أو الملك الجبري بحسب ما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.. ومن دلائل التزامن بين المعارك في ساحات الأمة وتكاملها، وارتباط ذلك بالفشل السياسي للأنظمة العميلة ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (مَنعتِ العراقُ درهمَها وقِفّيزَها، ومَنعتِ الشامُ مُدَّيْها ودينارَها، ومَنعتْ مصرُ إردبَّها ودينارَها، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتُمْ، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتُمْ، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتمْ، شهدَ على ذلكَ لحمُ أبي هريرةَ ودمُهُ).. فإن المدقق فيما حدث منذ عام 2001م وحتى يومنا هذا يجد تزامنا وتتابعا في سقوط العراق وسوريا ومصر في دائرة الفشل السياسي والاقتصادي والأمني وبنفس الترتيب الزمني الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم.. ويعني ذلك أن الأمة عند حدوث هذا الأمر ستمر بحالة من التجديد الكلّي والنهضة التي تتشابه مع نهضتها الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الخلفاء الراشدين في الفتح والظهور.
  4. ويتمثل التطور الخطير الذي قادته الثورة السورية في استجابتها السريعة والشاملة للصراع المسلح الذي فرضه النظام عليها، فهو تطور غير مسبوق سواء من حيث ردة الفعل المتمثلة في المواجهة المسلحة مع النظام السياسي العربي متمثلا في الحاكم النصيري، وما سوف يترتب على ذلك من صيرورة الثورة العربية عموما، وكذلك من حيث الأعداد الهائلة التي ساهمت في الأداء الثوري المسلح وما ترتب عليه من صناعة جيل مجاهد وبأعداد تخطت عشرات الألوف وبخبرة في أحدث أنواع الحروب وهي حروب المدن والقتال وسط الناس.. وبذلك فقد فتحت الثورة السورية والثورة الليبية الباب واسعا لأي تداع ثوري قريب في بقية الدول العربية والتي تشترك في نفس عوامل ودوافع الثورة لدى الشعوب وخصوصا في مصر.
  5. وقد كشفت الثورة في الشام عن حقيقة كبرى في الصراع وطبيعة المعادلات التي تحكم الأمة وعلاقة شعوبها بمن يحكمهم، وهي أن المعركة في المقام الأول معركة الأمة مع نظام تداعي الأمم ومشاريعها المتسلطة على المنطقة فلم يقف الأمر بمواجهة الشعب السوري للنظام القمعي الذي يحكمه وإنما سارعت القوى الحقيقية إلى النزول في الميدان وبالترتيب الإقليمي أولا وهو المشروع الصفوي فلما فشل نزل البعد العالمي متمثلا في المشروع الروسي.
  6. كما مثلت الثورة السورية امتدادا في مواجهة المشروع الصفوي بعد العراق، وهددت بذلك العمود الفقري للمشروع الصفوي متمثلا في سوريا وإيذانا بخروجها عن نطاق هيمنته وسيطرته، مما يمهد لسقوط ذريع ونهائي للمشروع الصفوي ليس فقط في مناطق نفوذه وإنما في عقر داره إيران.
  7. كما أعطت الثورة السورية من خلال صمودها وقدرتها على الاستمرار لخمس سنوات بافتتاح زمن جديد من مصاولة الأمة لأعدائها بالرغم من تناصرهم واجتماعهم، وقدرة الجيل الجديد الذي يقود الصراع على التعامل طويل المدى مع المشاريع المتداعية على الأمة وامتصاص موجات الضغط الشديدة والمتتابعة من تلك المشاريع.
  8. ونتيجة لمركزية الشام والثورة على أرضه فقد قادت هذه الثورة إلى تداخل وتشابك كبير في أحوال الأمة وفرقائها وقضاياها وكشفت عن مستوى الترابط البنيوي والجوهري الذي يربط مصير الأمة الكلي بعضه ببعض، وفتحت بذلك الباب واسعا لعولمة الأداء الإسلامي وكسر الحدود المفروضة على شعوب الأمة وقضاياها الكبرى، ولعل أحد أهم الانعكاسات لهذه الصفة في الثورة السورية انعكاسها على القضية الفلسطينية، فقد أنهت مسيرة طويلة وغامضة من الدجل الذي كان يمارسه المشروع الصفوي بادعائه تبني القضية الفلسطينية والجهاد في فلسطين، فلما تم اختباره في سوريا إذا به يكشف عن وجهه القرمطي الكالح وسفكه للدماء على أساس الهوية السنية العقائدية وليس بناء على ما يدعيه من محاربته لليهود؟
  9. كشفت الثورة السورية عن أخطر ما تعانيه الأمة وهو فقدها للمشروع والتصور المشترك الذي يمكنها من خلاله مواجهة مشاريع تداعي الأمم والتعامل مع مستوى التعقيد الذي وصل إليه الصراع العالمي والإقليمي، وهو ما يُعبَّر عنه في المصطلح الإسلامي بالتجديد والإجابة الشاملة على النوازل الكبرى، ولم تكن الجماعات الإسلامية وحيدة أمام هذا التحدي بل إنه وضع كل علماء الأمة أمام هذه المعضلة الكبرى والحاجة الملحّة، وقد ظهر ذلك جليا في التخبط الذي مارسته الجماعات الإسلامية في إدارتها للثورة السورية سياسيا وعسكريا، وعجز طاقات الأمة عن توليد آليات مستقلة في دعم الثورة السورية.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *