By / 9 أغسطس، 2021

2- السودان تاريخ من الانقلابات .. ولم يصل بعد لتغيير حقيقي

مع قيام الثورة والدولة المهدية ووثبات التصدي لنظم الحكم الاستعماري، بدأ حديث الشعور القومي ينمو منذ القرن التاسع عشر حتى نما الشعور القومي لإقامة وطن سوداني مستقل ومحاربة الاستعمار.

بدأت الحركة الوطنية الحديثة مع بداية الحكم الاستعماري الأجنبي خلال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين متمثلة في اندلاع الثورة المهدية والالتفاف حولها حتى قيام الدولة المهدية، ومع الاستعمار الثنائي الانجليزي المصري انطلقت مرحلة جديدة من الحركة الوطنية السودانية.

فكانت المرحلة الأولى تتمثل في محاولات التصدي والمقاومة المسلحة للقوات الغازية وهي فى طريقها لاحتلال البلاد، فكانت تقوم ضد الاستعمار الإنجليزى المصري، أو التغلغل الفرنسي، كما تمثلت المقاومة في ثورات القبائل في كثير من أنحاء السودان بالإضافة للثورات الدينية المتبنية للفكر المهدوي

وجاءت المرحلة الثانية بتأسيس الجمعيات ذات الطابع الثقافي والأدبي، وكانت من أهم النتائج لهذه المرحلة الحراك الثوري وقيام أول ثورة مدنية على مستوى السودان والتي عرفت بإسم ثورة اللواء الأبيض ولكن سلطات المستعمر قابلتها بعنف.

وفي المرحلة الثالثة، ابتكر السودانيون نوعاً آخر من المقاومة متمثلاً في العمل الثقافي والفكري والأدبي عبر دور الأندية والصحافة التي ظهرت فى هذه الفترة إلى جانب تواصل المظاهرات والإضرابات فى المؤسسات التعليمية.

وفي المرحلة الرابعة، تأسس مؤتمر الخريجين سنة 1938 م الذي اجتمعت فيه كلمة الخريجين من الجامعات والمدارس، وأثبت سجل النضال الوطني للخريجين النصيب الأعظم في استقلال السودان، وفي هذه المرحلة كان من أهم نتائج قيام مؤتمر الخريجين قيام الأحزاب السياسية الوطنية .

وخلال المرحلة الخامسة، انتظمت جموع السودانيين تحت رايات الأحزاب الوطنية وتوحدت الإرادة السياسية الوطنية صوب تقرير المصير ونيل الاستقلال والإجماع نحو القضايا المصيرية الكبرى والمضي قدماً في التوافق السياسي وتكوين مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية وسودنة الوظائف القيادية للدولة.

وفى المرحلة الأخيرة للحركة الوطنية السودانية الحديثة المعروفة بالمرحلة الانتقالية التي بدأت بعد توقيع حكومتي مصر وبريطانيا على اتفاقية الحكم الذاتي فى فبراير  1953م حيث دخل السودان بها مرحلة انتقالية استطاع السودانيون فيها من التوافق على إجازة أول دستور انتقالي للبلاد وإجراء أول انتخابات برلمانية في نوفمبر عام 1953 م وتأليف أول حكومة وطنية انتقالية في 9 يناير 1954 م بقيادة رئيس الوزراء اسماعيل الأزهري، وسودنة القوات المسلحة بتعيين أول قائد سوداني للجيش في 14 أغسطس عام 1954م . واستكمال خروج القوات البريطانية والمصرية من السودان .

استقلال السودان

كانت السياسة البريطانية منذ اللحظة الأولى تدرك خطورة وحدة مصر والسودان على أهدافها الرامية إلى استغلال البلدين، ونشر التنصير في أفريقيا انطلاقا من السودان، لذلك حين دخلوا محتلين مصر سنة 1882م وبعدما قاموا بإنفاذ قرار إلغاء الجيش المصري بمرسوم الخديو الضعيف والمتواطئ توفيق، عُين السير إيفلين دود قائدا عاما للجيش المصري في يناير سنة 1883، بعدها أمرت السلطات البريطانية الخديو توفيق بسحب آخر قائد مصري من السودان عبد القادر باشا حلمي واستبداله بالبريطاني هيكس الذي عُين رئيسا لأركان الجيش السوداني.

لاقت مساعي الإنجليز تلك مقاومة شرسة من السودانيين بدأت في نوفمبر 1883م، حتى سقطت الخرطوم في يد المهدي وثورته في يناير1885، وقد برزت حكومة المهدي كأول حكومة سودانية منظمة تؤسس بيتَ مالٍ وعملةً وجيشًا وحدودًا، وبعد ستة أشهر من تحرير الخرطوم توفي المهدي تاركًا إدارة يتحكم فيها ثلاثة من تلاميذه وبدأت الخلافات على من يتولى الزعامة خلفًا للمهدي، وضعفت الدولة بعد فقد السيطرة على أطرافها.

 وعاد البريطانيون إلى السودان في حملة عسكرية بريطانية مصرية، حتى نجح اللورد كيتشنر قائد الجيش المصري في دخول أم درمان في سبتمبر 1898م، وبعدها تم توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين القُطرين في يناير1899م، والتي قضت بتوسيع نفوذ الإنجليز وتهميش الدور المصري في السودان، وسعيا لتمزيق العلاقات الشعبية والتاريخية بين القطرين، كان ممثل الاتفاقية عن الجانب المصري بطرس غالي باشا وزير الخارجية، وبسبب خيانة بطرس غالي بحسب وجهة نظر المصريين، فقد اغتيل الرجل على يد شاب مصري سنة 1910م.

في سنة 1919 قامت الثورة ضد الاحتلال البريطاني في مصر، وضد نفي سعد زغلول ورفاقه، ووصلت إلى السودان، حتى أعيد سعد زغلول من منفاه، وتم عقد اتفاقية 1923م وأعلن استقلال مصر، وتولى سعد زغلول رئاسة الوزراء، وفي سنة 1924م اغتيل السير “لي ستاك” المندوب السامي في مصر، على يد شاب مصري، فطلبت بريطانيا سببا حكومة سعد زغلول بانسحاب الجيش المصري الرابض في السودان، رفض سعد زغلول وقدم استقالته، فحاصرت القوات البريطانية القوات المصرية في الخرطوم، ودخلت القوات السودانية في مقاومة مسلحة ضد الإنجليز، لكن هزم الجيشان المصري والسوداني، وبسطت بريطانيا السيطرة الكاملة على السودان.

 ومع بداية الحكم البريطاني المصري، بدأت الحركة الوطنية الحديثة فكانت البداية الأولى في محاولات التصدي والمقاومة المسلحة ودارت عدة معارك حربية،

وخلال العشرين سنة الأولى من بداية الحكم البريطاني المصري، استمرت المقاومة ضد الوجود البريطاني عبر ثورات القبائل بالإضافة للثورات الدينية المتأثرة بالفكر المهدوي، وتواصلت المظاهرات والإضرابات حتى تأسس مؤتمر الخريجين عام 1938 لتمثيل ورعاية مصالح المتعلمين في السودان برئاسة إسماعيل الأزهري، وانتخبوا مجلسًا ليضعوا سياسات المؤتمر وانقسم أعضائه بين طائفتين كبيرتين، ونظرًا للخلافات، انقسمت النخبة السودانية إلى الوحدويين الذين يؤيدون الوحدة مع مصر، والاستقلاليين الذين يؤيدون الاستقلال التام عن مصر وبريطانيا، لينتهي وجود المؤتمر في عام 1944 ويبدأ ظهور الأحزاب السياسية السودانية.

على الرغم من ذلك، ظلّت الحكومات المصرية المتعاقبة طوال الحكم الملكي تعتبر السودان جزءا لا يتجزأ من مصر، لكن انقلاب يوليو 1952م حرّك المياه الراكدة، وغيّر موازين القوى، فكان هدف عبد الناصر ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة جلاء الإنجليز عن مصر والسودان، وكان الإنجليز من ناحيتهم مُصرِّين على إعطاء السودانيين حق تقرير مصيرهم بأنفسهم، رغبة منهم في الحول دون الوحدة مع مصر.

 وفي نوفمبر1952م وافق عبد الناصر ورجاله، وأرسل مجلس قيادة الثورة إلى الإنجليز مذكرة تقترح “تمكين السودانيين من ممارسة الحكم الذاتي، وبدأت المفاوضات بقيادة محمد نجيب، الذى شرع باللقاء مع ممثلي الأحزاب السودانية المشتتة واستطاع توحيدهم بزعامة إسماعيل الأزهري أحد أكبر المتحمسين آنذاك للوحدة مع مصر.

وفي فبراير 1953 وقَّعت مصر وبريطانيا على اتفاقية للحكم الذاتي دخل بها السودان مرحلة انتقالية تم التوافق خلالها على أول دستور انتقالي للبلاد وإجراء أول انتخابات برلمانية في نوفمبر 1953م، ونجح محمد نجيب في توحيد السودانيين، وجعلهم يتحمسون للوحدة مع مصر تزامنا مع بداية الفترة الانتقالية المقدرة بثلاث سنوات (1953- 1956)، وهي الفترة التي شهدت فيها مصر صراعا على الحكم بين نجيب وعبد الناصر.

وتشكلت أول حكومة وطنية انتقالية في يناير 1954م بقيادة رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري، وبدأت سودنة القوات المسلحة بتعيين أول قائد سوداني للجيش، وكذلك بقية الوظائف في أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية، وفي ديسمبر 1955م أُعلن الاستقلال التام عن بريطانيا ومصر.

وطوال عام 1954م كانت الضربات تتوالى من القاهرة على الخرطوم من “الضباط الأحرار”، رأى السودانيون ما جرى من المعاملة المهينة للنحّاس باشا زعيم الوفد الذي اعتبره الكثيرون منهم رمزا وطنيا وقف على الدوام ضد التآمر البريطاني الذي عمل على فصل السودان عن مصر، كما رأى الإخوان المسلمون في السودان ما جرى لإخوانهم في مصر من التعليق على المشانق، والتعذيب المروّع في السجون المصرية، ولم يكن من العسير أن يستنتجوا ماذا سيحلّ بهم إذا ما امتدّ نظام الحكم الناصري إلى هناك.

والأكبر من ذلك الغدر بمحمد نجيب الرئيس الأول لجمهورية مصر، والمدافع الأكبر عن الوحدة مع السودان، وقد روي نجيب ما تعرّض له من غدر في مذكراته الشهيرة “كنت رئيسا لمصر”، والسياسة الفاشلة التي اتخذها عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة في تعاملهم مع السودان والسودانيين.

ويروي عبد اللطيف البغدادي أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مذكراته، أن صلاح سالم مع تقلده لملف السودان كانت إستراتيجيته تقوم على شراء الذمم بالمال، وعلى التهديد والشتم من خلال الإذاعات والإعلام المصري الذي كان يديرهم، وكلتا السياستين ساهمت في تعميق الأزمة، وزادت الشروخ، ولذلك لم يوافق السودانيون على طلب عبدالناصر إعادة العلاقات التي كانت قد تدهورت بسبب عزل نجيب وبسبب السياسة الفاشلة التي اتبعها صلاح سالم مع السودانيين بالسب والرشوة والاحتقار.

ووفقا لتحليل محمد جلال كشك في كتابه “كلمتي للمعتقلين” فإن انفصال مصر عن السودان كان إملاء أميركيا بضغط بريطاني على الدوائر العليا في مصر لاستمرار الدعم لانقلاب يوليو، ومجلس قيادة الثورة.

عقب الاستقلال برزت ثلاثة تحديات رئيسية كانت هي المحددات الرئيسية للمشهد وتقلباته، وهي مسألة الدستور، مشكلة الجنوب، والوضع الاقتصادي، بجانب الصراعات الأيديولوجية بين الأحزاب اليمينية واليسارية. وفشلت الأحزاب السودانية في الاتفاق على حول نظام الحكم والدستور، واستمر الخلاف لعدة سنوات، مما مهد الأجواء لتدخل الجيش لإقصائها من الحكم.

 في تلك الفترة تنامي دور الجيش السوداني الذي لم يكن موجودا قبل 1954 كجيش نظامي، لذلك منذ الاستقلال وحتى عام 2020، ظل الجيش السوداني فاعلًا رئيسيًّا في المشهد السياسي حيث قام بـ 19 محاولةً انقلابية، منها 6 انقلابات نجحت بالفعل في الوصول إلى السلطة و3انقلابات ساندت انتفاضات شعبية، أما الانقلابات الناجحة الأخرى كانقلاب النميري والبشير فقد استند كلاهما إلى قوى اجتماعية وسياسية مكنتهما من الحكم.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *