By / 19 نوفمبر، 2020

الخلافة الإسلامية ونهاية التاريخ

دراسة أعدت بالمعهد المصري للدراسات

وجود الأفكار وتمايزها وصراعها دليل على حيوية البشر، وعندما يتوقف العقل البشري عن إنتاج الأفكار يصبح لا قيمة له. ومن العجب أن يحلم بعض المفكرين والفلاسفة بوقت لا تكون هناك أيديولوجيات بأن تنتصر أيديولوجية واحدة وتزول البقية أو تنزوي بعيدًا عن دائرة الضوء، مما حدا بالبعض أن يبشّر بنهاية الأيديولوجيات.

ولعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه «فرانسيس فوكوياما» من خلال مقولته حول «نهاية التاريخ»، والتي يمكن النظر إليها -بحق- بوصفها غطاءً أيديولوجيًّا للعولمة التي تعد محاولة لأمركة العالم؛ وأطروحة «نهاية التاريخ» -كما يرى د. المسيري- فكرة مركزية في الفكر الغربي الفاشي: الصهيوني والنازي [1]. ويرى أنها إشكالية كامنة في الفكر الديني والفلسفي الغربي.

وقد أخذت تتبلور ويزداد الاهتمام بها حتى تحولت إلى موضوع أساسي في الحضارة الغربية منذ عصر النهضة. وأصل هذه الفكرة نابع من أن «الفكر المادي الرياضي الآلي يرفض تنوع التاريخ وجدليته، ويحل محله عالمًا بسيطًا آليًّا يتحرك كالآلة» [2].

ويعرّف «نهاية التاريخ» بأنها «النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء، وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي: الإنسان الذي يشغل مركز الكون» [3]. وفوكوياما يرى أن أطروحة «نهاية التاريخ» «لا تعني نهاية الأحداث، وإنما تعني نهاية تطور التاريخ بمفهومه الفلسفي الديالكتيكي (الجدلي) كصراع أيديولوجيات» [4].

ونهاية التاريخ هي قضية التمركز حول الذات، والخوف من السنن الكونية في قيام الحضارات وزوالها، وتسليم الراية وتسلمها من أمة لأخرى. وهذه النظرية تعبّر عن النظرة المركزية للحضارة الغربية وهيمنتها على العالم، وأنه لا عبرة ولا وزن للحضارات العالمية الأخرى.

والغريب أن هذا الرجل الياباني الأصل تنصل من الحضارة الشرقية، وأصبح داعية للحضارة الغربية ومبشرًا بها، داعيًا كل الأمم أن تسير على نهج أمريكا، وأن تستنّ بسنتها. وقد هاجم فوكوياما الإسلام واعتبره يشكل «خطرًا كبيرًا على الممارسات الليبرالية حتى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة» [5].

والإسلام -في رأينا- دين عابر للأيديولوجيات، والمجتمع المسلم كذلك له خصوصياته التي يستطيع من خلالها هضم الأفكار وصبغها بصبغته، ورغم ذلك يرى أن الإسلام «لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة»، وأن «زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولّى»، و أنه «لن يصادف هوى في قلوب شباب برلين أو طوكيو أو موسكو» [6]. وهذا افتئات على الإسلام، ولا سيما أنه يكسب كل يوم أرضًا جديدة بدخول العديد من الغربيين في دين الإسلام.

والتاريخ يردّ على فوكوياما؛ فبعد الهجمة الصليبية والتترية على الشرق وانكفاء العالم الإسلامي على نفسه، ودفاعه عن دياره وحياضه التي استبيحت، استطاعت الدولة العثمانية الفتية بعد ذلك أن تقيم إمبراطورية عظيمة امتدت في ثلاث قارات، وقد تغيرت خريطة الدول المسيحية في أوروبا منذ ذلك الحين، وأصبحت هناك دول مسلمة في قلب القارة العجوز.

وقيام الدولة العثمانية وفتحها للقسطنطينية قد بشّر به رسول الله ×، وبين وفاة الرسول × وفتح القسطنطينية ما يزيد عن ثمانية قرون، قال عبد الله بن عمرو: كنا عند رسول الله × فسئل: أي المدينتين تفتح أولًا -يعني: القسطنطينية أو الرومية؟

فقال: «مدينة هرقل أولًا»، يعني: القسطنطينية [7].

وهذا الحديث يحمل بشريين تحققت الأولى، ونحن في انتظار تحقق الثانية بفتح روما.

وهذا يعني أن التوسع الحضاري الإسلامي لم ولن يتوقف، وأن تدفق نهر الإسلام لم يتوقف، قال -تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].

«وفي مقابلة جرت مع فوكوياما أجراها موقع (واشنطون أوبزرفر) تحدث فوكوياما في ما يسمى الخطر الإسلامي فقال: إننا الآن نحيا مرحلة حرجة من تاريخ الإنسان تنتشر فيها الأفكار الليبرالية الديمقراطية بصورة كبيرة، وبالتالي تتعرض للهجوم في أماكن كثيرة ومن تيارات مختلفة وبضمنها الإسلام الراديكالي، وتهديده حقيقي» [8].

وهذا النظام السياسي الذي يبشر به فوكوياما ويرى أنه الصورة النهائية لنظام الحكم البشري ضرب من ضروب الحجر على العقل البشري الذي يسعى دائمًا للوصول إلى الأفضل والأحسن.

وليس ما ينتجه العقل الغربي أو الحضارة الغربية هو أمثل الأفكار والنظم، بل إن تطبيقاتهم تخالف كل المخالفة ما يقولون به؛ فإن الأنظمة الغربية وعلى رأسها أمريكا كانت تساند الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي التي تحارب شعوبها وتذيقها المهانة، فما كان من هذه الشعوب الحية إلا أن انتفضت على هؤلاء الحكام في ثورات أذهلت العالم الحر، ولكن هذا لم يعجب الإدارة الأمريكية؛ لأن هذه الثورات لن ترضى بالتبعية لها، وسوف تبحث عن مصالحها وافق ذلك مصلحة أمريكا أم لم يوافقها.

فما كان من أمريكا إلا أن ذبحت الحرية وحقوق الشعوب في اختيار حكامها وأنظمتها على مذبح مصالحها، وعاونت الأنظمة الانقلابية، وغضت الطرف عن بحور الدماء التي أسيلت، طالما في ذلك رعاية لمصالحها هي وربيبتها إسرائيل.

ونحن نعتقد أن الديموقراطية الليبرالية ليست الصورة النهائية لنظام الحكم البشري؛ لأنه حكم على البشرية بالجمود، وثانيًا أن نبي الإسلام يبشرنا بأن الخلافة الإسلامية (وهي النظام السياسي الإسلامي للحكم) سوف تعود من جديد، وذلك بعد أن عدّد أنواع النظم السياسية التي سوف تتوالي على الأمة فقال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»[9].

فالنظم السياسية بعد موت النبي × بدأت بالخلافة الراشدة، ثم تلاها الملك العضوض، ثم الملك الجبري (الديكتاتوري)، ثم البشرى بعودة الخلافة مرة أخرى.

وقد حاولت الثورات العربية أن تغير من المعالم السياسية للمنطقة، وأن تُري العالم وضعًا جديدًا تتمكن فيه من أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها، وأن تزيل الديكتاتوريين المستبدين، وأن تفتح صفحة جديدة، وأملًا جديدًا في عودة الإسلام لأن يتصدر المشهد من جديد بعد طول إقصاء.

لكن لم تسر الأمور على تمنى أرباب الثورة، وانقضت الديكتاتوريات المدعومة من الكيان الصهيوني على الشعوب، وأذاقتهم الويلات، وجرعتهم من كؤوس القهر والإذلال ألوانًا.

لكن ما زال الصراع بينهما قائمًا، وما هي إلا جولة في معركة طويلة.

الدولة المستحيلة والأمة الخيالية

كتاب «الدولة المستحيلة» لوائل حلاق -أستاذ القانون الإسلامي بجامعة كولومبيا الأمريكية- يقارن فيه بين النظام السياسي في ظل الدولة الإسلامية والنظام السياسي في ظل الدولة الحديثة، ويلقي الضوء على التناقضات بين الدولتين.

والكتاب يهاجم الدولة الإسلامية بطريقة مبطنة؛ إذ يمجدها بدرجة كبيرة ويصفها بقدر عال من المثالية والأخلاقية، ويمجد حضارتها وعظمة وعدالة نظامها السياسي والاقتصادي، لكنه يراها مستحيلة الوجود في العصر الحالي.

وكذلك يهاجم الدولة الحديثة المفتقدة إلى كافة القيم الروحية والدينية -على حد زعمه، فمفهوم الدولة الحديثة مناقض تمامًا لأخلاقيات الإسلام وقيمه، تلك الدولة التي غيرت سلطة الإله كما كانت عليها في عصور ما قبل الحداثة إلى سلطة الدولة والمؤسسات حتى أصبحت إلهًا بدورها.

ولم ينظر الكاتب للدول الإسلامية ما قبل الحقبة الاستعمارية على أنها دول قائمة على نظام قانوني ومؤسسي، لكنه نظر إليها على أنها مجرد حكم إسلامي، وقصر مفهوم الدولة على الدولة الحديثة.

وقد نسي أن الحضارة حلقات متصلة، تبتدئ بها أمة، ثم تسلمها لما بعدها من الأمم الناهضة، والتي تطور في الحضارة ونظمها، ثم تسلمها لغيرها، وهكذا دواليك.

فليس ما وصلت إليه الدولة الحديثة من فصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية اختراعًا غربيًّا، ولكن هذا بعد تطور النظم السياسية من قديم الزمن.

ولا زالت الأفكار تتطور في النظم السياسية، بل إنها يحدث لها جزر ومد؛ ففي بعض الأمم تصل لدرجة من الحرية السياسية، ثم لا تلبث أن تنتكس، وتعود أحوالها إلى أسوأ الأحوال.

والكاتب ينظر للحضارة الغربية نظرة مركزية، وكأنها المبتدأ والمنتهى، وأن على الجميع أن يذعن لها، وأن ما خالفها لا يمكن الاعتراف به، وعلى الجميع أن يترك ثقافته وخصوصياته حتى يتم الشهادة له بالتحضر والحداثة.

فأين كانت أوروبا ودولها قبل عصر التنوير؟

وأين كانت إبّان المدنية الإسلامية العظيمة التي كانت تشع أنوارها في العالمين؟

وهو يرى أن الدولة الحديثة غير أخلاقية، والنظام الإسلامي أخلاقي؛ لذا فقيام دولته الحديثة أمر مستحيل، وهذا تناقض عجيب من الكاتب الذي يطعن حينما يُظهر المدح.

ويرى أن الدولة الحديثة هي تلك التي تحتكر التشريع، وليس التشريع السماوي الميتافيزيقي.

ويمدح الاجتهاد الفقهي في مواضع، ثم يتحدث عن الدولة الإسلامية بأنها غير واقعية؛ لأن القوانين الوضعية تتغير حسب الظروف الحديثة.

وإذا كان الاجتهاد متسعًا بين الفقهاء، فإن الدولة تختار رأيًا وتفرضه، ولا تدع الأمر لتعدد الفتاوى حول الحادثة الواحدة.

وإننا نرى أن القضاة في الدول الحديثة يجتهدون -أيضًا- في فهم القوانين الوضعية وتطبيقها.

والكاتب رؤيته علمانية صرفة، ومن هذا المنطلق لا يرى إمكانية قيام دولة إسلامية تحكم بالشريعة، وفي المقابل يغض الطرف عن الدولة اليهودية ولا يشير إليها، ولا يضرب بها المثل.

والولايات المتحدة في كثير من الولايات تتدخل الكنائس لمنع بعض التشريعات القانونية التي ترى مخالفتها للإنجيل، أليس هذا تدخلًا في السياسة من قبل الكنائس؟

والكاتب يرفض الدولة الإسلامية؛ لأنها ليست دولة قومية، فهناك الأمة والتي تحل محل الشعب؛ فهل أمريكا دولة قومية، وهل كندا كذلك اللتان يعيش فيهما المؤلف؟

فأمريكا ليست نقية الأعراق والأجناس، بل هي خليط من شتى أجناس العالم، وهي كذلك إمبراطورية عظمى تمتد أياديها عبر أساطيلها في قارات العالم، ولا تعتبر أمنها القومي ابتداء من حدودها، بل تتوسع في مفهوم الأمن القومي، حتى إن تهديد مصالحها بالشرق الأوسط -مثلًا- يعتبر تهديدًا لأمنها القومي.

وقد حكم الكاتب بفشل التجارب الإسلامية الحديثة، وهو يتغافل عن أن الحركات الإسلامية لم تصل للحكم، وحينما وصلت انقلب عليها العسكر، إلا الحالة التركية التي انتقل بالدولة التركية والشعب التركي حزب إسلامي بقيادة أردوغان نقلات نوعية سيسجلها له التاريخ.

وقد حدد الكاتب ثلاث تحديات على الأقل تمنع -من وجهة نظره- قيام الدولة الإسلامية:

أولًا: الطبيعة العسكرية للدول الإمبراطورية القوية.

ثانيًا: التغولات الثقافية الخارجية.

ثالثًا: السوق العالمية الرأسمالية الليبرالية الهائلة.

وهو ما يعني أن الدولة الإسلامية لا يمكن أن تقوم في ظل تلك التحديات، لكن نقول بأن الدولة الإسلامية لن تنشأ في يوم وليلة، بل هي تطور لأفكار وحركات إسلامية عبر عقود من الزمن، وتنشأ الدولة عبر تلك التطورات وعبر عدة مراحل تدريجيًّا، من خلال توازنات يكون منها عدم الصدام مع النظام العالمي الحالي قبل التمكن من قوة رادعة تحميه، وهو ما نراه حاليًا في النظام التركي بنسبة كبيرة.

فالنظام التركي الحالي يجمع بين أخلاقيات الدولة الإسلامية ويظهر ذلك من خلال دعمه لقضايا سوريا ومصر وفلسطين، وفتح أبوابه للاجئين، وعدم اعترافه حتى الآن بالنظام المصري المنقلب، رغم اعتراف معظم دول العالم، ينبع ذلك الموقف التركي من جانب أخلاقي بحت.

وعلى الجانب الآخر ينتهج النظام التركي نهج الدولة الحديثة في عقد التحالفات مع الدول الغربية الكبرى مثل: روسيا وأمريكا، وإقامة علاقات سياسية بل وعسكرية مع إسرائيل، وينبع ذلك الموقف من جانب تركيا من منطلق الحفاظ على كيان الدولة وحمايتها من الدخول في صراع مع النظام العالمي.

وهذا الكتاب ينظِّر للواقع، ويصنع سياجًا من الرهبة من محاولة الفكاك منه، بل الإيعاد بالفشل والاستحالة.

إنه يريد القبول بالربا وغيره من المفاسد والمضار؛ لأنها من متلازمات الدولة الحديثة.

وأرى أن الكاتب عندما لاحت له بوادر تمكن الإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي بدأ في آخر كتابه بالحديث عن أن من واجب الإسلاميين أن يشرعوا في الإفصاح عن أشكال حكم جديدة وبنائها على نحو تكون فيه قابلة لتطوير أكبر وأقوى، ويدعو للعيش في سلام على الأرض، ويدعو لإخضاع الحداثة لنقد أخلاقي يعيد هيكلتها يبقى أمرًا هامًّا، ليس لقيام حكم إسلامي فحسب، بل لبقائنا المادي والروحي.

والدولة المستحيلة قد يراد بها دولة الخلافة أكثر من الدولة القُطرية.

ولا زالت هذه الدولة مستحيلة واقعيًّا، ولكنها ليست مستحيلة نظريًّا، لكنها تحتاج إلى جهود ضخمة، وتضحيات عظيمة، وتوحد الشعوب الإسلامية تحت قائد يبعثها من جديد. فالأمة الإسلامية أصبحت أمة خيالية؛ إذ إن سايكس بيكو قطّعت أوصال الدولة الواحدة ذات الأمة الواحدة المتعددة الأعراق والأجناس.

فانطلقت الدعوات التي عمّقت الفرقة بين الأمة الواحدة، وظهرت العداوات. ورغم أن هذا العصر هو عصر التكتلات إلا أن الفُرقة بين الأشقاء هي سيدة الموقف؛ فأوروبا المتعددة اللغات والمذاهب الدينية، والتي اكتوت بنيران الصراعات طويلًا شقّت طريقها نحو الوحدة في صورة الاتحاد الأوروبي.

أما العرب ذوو اللغة الواحدة والدين الواحد فقد حادوا عن طريق الوحدة، وأصبحت هذه الأمة خيالية في عقول المثاليين. فبات الطريق إلى دولة الخلافة شبه مستحيل في ظل تفتت هذه الأمة التي تقوقع أبناؤها داخل حدود صنعها أعداؤهم. فأصبحنا نعيش واقعًا أصبحت فيه الدولة مستحيلة والأمة خيالية.

دولة الخلافة أرض الميعاد

ظل اليهود مشتتين ومشردين قرونًا متطاولة في أصقاع المعمورة، ينبذهم الناس، وتلفظهم الدول والممالك.

قال -تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: 168].

ثم نشأت من بينهم ناشئة حاولت تغيير هذا الشتات المضروب عليهم منذ قرون، فبذلت وسعها واستفرغت جهدها للاجتماع في مكان يستطيعون أن يقيموا فيه دولة لهم. واختاروا أرض فلسطين المقدسة، وادّعوا أن هناك عهودًا توراتية تنص على أن هناك أرضًا أعطاها الله لبني إسرائيل أيام رسلهم.

«ويدعي اليهود اليوم أن هذه العهود تنطبق عليهم، وأن هذه الأرض عطاء إلهي لهم يعتبر فوق القانون مهما كان نوع هذا القانون، وفوق إرادة الشعوب مهما كانت هذه الشعوب، حتى لو كانت صاحبة الأرض التي يطالب بها اليهود!!

يقول ابن غوريون رئيس الوزراء اليهودي الأسبق عام 1948م بعد أن وقف ممثلًا لليهود في الأمم المتحدة: (وقد لا تكون فلسطين لنا عن طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حق لنا على أساس ديني؛ فهي الأرض التي وعدنا الله وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل، ولذلك وجب على كل يهودي أن يهاجر إلى فلسطين، وأن كل يهودي يبقى خارج إسرائيل بعد إنشائها يعتبر مخالفًا لتعاليم التوراة، بل إن هذا اليهودي يكفر يوميًّا بالدين اليهودي)»([10]).

وهناك طوائف من اليهود لا زالت تعارض الهجرة إلى الكيان الصهيوني المغتصب؛ مثل حركة ناطوري كارتا، والتي ترى أن النفي كان عقابًا إلهيًّا ولا يجوز الخروج عليه، «فهم يرون أن الله أرسلهم إلى المنفى لأنهم لم يكونوا على المستوى الكافي من الورع والتقوى، وحينها أقسموا على أمورٍ ثلاثة:

أولًا: عدم العودة على نحو جماعي إلى تلك الأرض.

ثانيًا: عدم التمرد على أي أمة.

ثالثًا: عدم وضع نهاية لمنفاهم.

وهم يرون أن العودة ستكون بطريقة إلهية غيبية، وعن طريق عودة المسيح، والذي ستتعايش الأمم في ظله بسلام، حتى إنه سيرعى الذئبُ الغنم»([11]).

لكنه في النهاية قام هذا الكيان الذي ابتلع فلسطين واغتصبها بدعاوٍ مزعومة، وصنع واقعًا أرغم الجميع عليه.

أما الخلافة الإسلامية فإنها كانت واقعًا راسخًا عند المسلمين، ظلت قرونًا طويلة قائمة.

وهو حكم لم يشمل كل بلاد الإسلام؛ إذ كانت هناك ممالك إسلامية غير خاضعة تحت ظل الخلافة، ولكن الخلافة كانت لها سلطة روحية كبيرة في نفوس المسلمين.

وكم مرت بها لحظات ضعف، وتسلَّط الوزراء والملوك على الخلفاء، وكانت مجرد اسم لا أكثر.

ولما أُسقطت الخلافة العثمانية وألغيت 1924م انهد ركن ركين كان يلجأ إليه المسلمون، ويهابه أعداء المسلمين.

وقد ذكرنا أن عودة الخلافة في الوقت الحالي أمثل توصيف له: «الدولة المستحيلة»؛ إذ إن الأمة غير مهيأة لذلك من نواحٍ عدة.

إذ انزرعت فيهم العصبيات والقوميات؛ فهذا فارسي وذاك عربي، وأولئك ترك، وهؤلاء كرد… إلخ.

وأصبح الخصام سيد الموقف، وكل قومية قد تنتصر على الأخرى بطلب التدخل من القوى العالمية التي يسرها أن ترى المسلمين على هذه الحالة، بل وتعمل على تعميق الانقسام بينهم.

وهو ما أطلقنا عليه: «الأمة الخيالية».

فلا يمكن التعويل على أمة خيالية لا توجد إلا في عقول المثاليين تطلب عودة دولة مستحيلة تحتاج لعودتها العمل الدؤوب الشاق.

وتظل المطالبة بعودة دولة الخلافة مجرد شعارات كبيرة جدًّا في الوقت الحالي، أكبر من إمكانات المنادين بها.

حتى إن الجماعات الإسلامية التي نادت بها بعد أن كانت تدعو إلى عالميتها وعالمية دعوتها أصبحت الآن إقليمية وطنية منحصرة في حدود سايكس بيكو المفروضة على العالم العربي.

وأصبح شعار دولة الخلافة مجرد شعار يتم به دغدغة مشاعر الإسلاميين الطامحين للوحدة وعودة أيام المجد والسؤدد.

ولكن يظل حلم عودة دولة الخلافة أشبه بحلم العودة إلى أرض الميعاد، وإن كانت هذه الأرض الموعودة زمانية وليست مكانية محددة؛ فقد لا نعلم مكان هذه الدولة على وجه التحديد، ولا مركز عاصمتها، ولا مدى توسعها وحدودها.

فما زالت الأخبار تبشر بعودة العدالة إلى الأرض بعد ادلهام الخطوب وامتلاء الأرض بالجور؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا»([12]).

ولا يعود العدل إلى الأرض إلا عن طريق دولة تفرض سيطرتها على الأرض وتفرض هذا العدل، وتمنع ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين.

وقد بشّر -صلى الله عليه وآله وسلم- بفتح عواصم الغرب الكبرى، وقد صارت القسطنطينية عاصمة الخلافة الإسلامية قرونًا متطاولة، وبقيت البشرى الثانية بفتح روما. ولا يتصور فتح روما إلا بدولة مسلمة قوية فتية تتجاوز تلك الخلافات والتشرذمات التي نقبع فيها.

وإذا كان الصهاينة زيفوا الوعود لاغتصاب أرض فلسطين، وحققوا ما صبوا إليه، فلا شك أن موعود المسلمين بالتمكين حقيقة ربانية لا يمكن المراء فيها، ولكنه موعود يحتاج إلى عمل جبار، وجهد خارق. وستكون دولة الخلافة حينها أرض الميعاد الذي يلجأ إليه المسلمون من كل مكان، ويعملون على رفعته ونصرته بكل غالٍ ونفيس.


الهامش

[1] د. عبد الوهاب المسيري: الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ رؤية حضارية جديدة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1421هـ – 2001م، ص (12).

[2] السابق، ص (260).

[3] السابق، ص (36).

[4] توما شماني مقالة بعنوان: نهاية التاريخ والإنسان الأخير – كتاب المفكر (فرانسيس فوكوياما)، مجلة معكم الإلكترونية.

[5] نهاية التاريخ وخاتم البشر، ص (56).

[6] السابق، نفس الصفحة.

[7] أخرجه الحاكم في مستدركه، (4/553)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.

[8] توما شماني مقالة بعنوان: نهاية التاريخ والإنسان الأخير.

[9] أخرجه أحمد في مسنده، ح(18430) من حديث حذيفة t، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن».

[10] د. محمد أبو زيد: أرض الميعاد نظرة قرآنية في العهود التوراتية، موقع مركز سورية للبحوث والدراسات.

[11] محمد فتحي النادي: ناطوري كارتا حركة مناهضة لإسرائيل والصهيونية، موقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان (قاوم).

[12] أخرجه الحاكم في «المستدرك»، (4/488)، وقد صححه الذهبي.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *