By / 7 يونيو، 2020

الدولة والمواطن في ظل كورونا

الكاتب/ عمر فتحي

كاتب في الشأن العام

تدفعنا الأزمات التي تعصف بحياة الناس دائمًا إلى التساؤل حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن ودور الدولة في حماية حياة مواطنيها وخاصة في الدول الاستبدادية الشمولية التي تحكم بالقوة والقهر كما هو الحال في مصر، فيكون السؤال هو: كيف تكشف جائحة كورونا عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر وخاصة بعد انقلاب يوليو 2013؟ نجيب على هذا السؤال من خلال توضيح شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع المصري في الفترة ما بعد انقلاب 2013.

أولا: العقد الإجتماعي الجديد بعد انقلاب 2013:

ظهر مفهوم العقد الاجتماعي في عصر التنوير في أوربا وكان مفاد الفكرة أن يتخلى المواطن في الدولة عن بعض حرياته لصالح الدولة مقابل أن توفر له الدولة الأمان والحماية اللازمة، وعلى هذا الأساس تصبح العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة حقوق وواجبات متبادلة وليست علاقة خضوع من طرف لحساب الآخر. غير أن العقد الإجتماعي لم يسري بهذه الصيغة في الدول الشمولية والاستبدادية حيث يشير ديساى وآخرون إلى أن الدكتاتوريات لا تستمر في البقاء من خلال القمع وحده، بل إن الحكم الديكتاتوري غالبًا ما يُعرف بأنه “صفقة سلطوية” يتخلى المواطنون بموجبها عن حقوقهم السياسية لقاء الحصول على الأمان الإقتصادي.

إلا أن هذه الصيغة التعاقدية أيضًا لم تعد موجودة في مصر خاصة بعد انقلاب يوليو 2013، إذ يمكن القول أن العقد الجديد كان ينص على الولاء التام للدولة والتنازل عن الحريات كاملة في مقابل حماية المواطن من الإرهاب المحتمل ( يمكن القول ان التفويض الذي طلبه السيسي كان بمثابة عرض هذا العقد الجديد على الشعب)، ومن هنا تبنت الدولة نموذج بالغ الصرامة في التعامل مع المجتمع، فإما الانصياع التام والولاء التام أو نزع صفة المواطنة عن الناس ووضعهم في فضاءات الإستثناء ( المعتقلات/ مراكز الإحتجاز السرية التابعة لجهاز أمن الدولة) وهنا يتحول المواطن إلى منبوذ محروم من المواطنة وأى حقوق تترتب عليها وذلك في إطار حالة طوارئ ممتدة من 2013 لا تنتهي، تسوغ للدولة استباحة حياة الناس كيفما تشاء في سبيل حفظ أمنها واستقرارها لا أمن المجتمع أو استقراره.

ثانيًا: هبة المواطنة:

تتولى الدولة في العالم العربي مهمة صناعة المواطنة، فالدولة المصرية هى من تصنع المصريين وليس العكس، ومن ثم أخذت المواطنة درجات مختلفة، فالمواطنون ليسوا جميعًا على درجة واحدة من المواطنة، فهناك مواطن متميز/ شريف؛ وهو الذي يخدم مباشرة في الدائرة التي تهم النظام الحاكم ويعتمد عليها في الحفاظ على استقراره ( الجهات السيادية والقضاء والإعلام وأصحاب المال) وهؤلاء يعيشون في أعلى الهرم المجتمعي ويتميزون بوضع خاص في شتى مناحى الحياة، وهناك مواطن أقل درجة وهو الذي تربطه علاقات وساطة أو معرفة مباشرة أو غير مباشرة مع مواطنى الفئة الأولى ويتمتع بمميزات ولكن أقل من مميزات الفئة الأولى، وأخيرًا وفي قاعدة الهرم يأتي المواطن المحتمل؛ وهو الذي يمكن أن تنزع عنه المواطنة في أى لحظة وبسهولة عن طريق إقصاءه من الحياة السياسية ونبذه ( اعتقاله مثلًا) إذ أن أغلب هؤلاء المواطنين لا يصرفون ولاءًا تامًا للدولة. ومن ثم تصبح المواطنة هنا عامل إقصاء وضم بيد الدولة، تمنحه لمن يصرف لها الولاء وتنزعه عن المعارض أو الممتعض، ويعتمد وضع الأخير الوجودي والمزايا التي يتمتع بها على أجهزة التأديب التابعة للشرطة وقوات الأمن كما وضحت حنة أرندت.

ثالثًا: إستراتيجية إدارة الأزمة:

لجأت الحكومة المصرية أول الأمر إلى اعتماد استراتيجية “إنكار الأزمة” وهى استراتيجية تقوم على رفض الاعتراف بوجود خلل أو أزمة، بل يصل الأمر إلى التعتيم الإعلامي للموقف. وحينما يكون النظام ديكتاتورياً ومتسلطاً يميل إلى أن يكون حساساً تجاه أي نقد أو لوم، وللمحافظة على مكاسب النظام يميل المسئولون إلى الإنكار والتكتم والتعتيم، وادعاء سلامة الموقف وكفاءة النظام الإداري، وأنه “ليس في الإمكان أفضل مما كان”، وأن النظام يتسم بالازدهار والرواج. وحينما يطلب تبرير لما يشاع فإن التبرير يشير إلى وجود: أعداء للنجاح، وهناك قوى حاقدة، والبعض يعمل في الظلام، وهناك أيدي خفية تعمل ضد النظام الناجح..إلخ.

ولعلنا نلاحظ هذا بوضوح في تصريحات وزارة الصحة في بداية الأزمة وظهور أول حالة في مصر، فقد أكدت هالة زايد يوم 14 فبراير وهو ذات اليوم الذي سجلت فيه مصر أول حالة إصابة بفيروس كورونا أن فيروس كورونا من فيروسات الأنفلونزا، و أنه يتطلب الراحة في البيت والعزل الذاتي والتغذية السليمة، و أن نسبة الوفاة لا تتعدي 2،5 % من الإصابات بالفيروس. كما قالت هالة زايد من معبد الكرنك: ” الموضوع بسيط.. بساطته بتكون أكتر وحدته أقل بالالتزام ثم تابعت: ” 85 % من الإصابات لا تحتاج الذهاب للمستشفى، وال 15 % الباقية يد خل منها 2,5 % إلى 3 % في مراحل خطورة مثلما يحدث عند الإصابة بالأنفلونزا الموسمية”.. بسؤال الوزيرة يعني هو دور برد شديد؟ أومأت بنعم: “وأجابت بنعم”.. ثم استكملت: “دور البرد الشديد عندما يصيب كبار السن يحدث التهاب رئوي دا عادي.. و الفيروس دا بيعمل كده”. وفي رسالة أخرى عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي قالت هالة زايد  في أول إطلالة لها على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تطبيق تويتر: “الحقيقة الخوف على البلد ليس من فيروس كورونا، الخوف الأكيد من الفيروس الذي يصيب الأخلاق والقيم، لأنه أكثر تدميرًا.. ليس لأفراد.. بل لدول وشعوب بأكمله.

وعند بداية التعامل الفعلي مع الوباء وذلك عند استقبال المصرييين العائدين من ووهان الصينية بؤرة فيروس كورونا، نجد أن الحكومة قامت باختيار مستشفى النجيلة المركزي الواقعة بمحافظة مرس ى مطروح لاستقبال العائدين من ووهان، كذلك أصبحت أول مستشفى يتم تخصيصها للحجر الصحي بمصر، وقد لا حظ الباحث أن المستشفى والتي تم تجديدها وافتتاحها في عام 2018 سعة 24 سرير إقامة داخلي و9أسِرّة عناية مركزة وقسم أشعة متكامل ومعمل متكامل، بالإضافة إلى 68 سرير إقامة للعاملين بالمستشفى. وهذا يعني أن وزارة الصحة لم تكن تتعامل مع فيروس كورونا على أنه وباء محتمل دخوله للبلاد، بل تعاملت معه على أنه فيروس قليل الانتشار وبالتالي فعند دخوله مصر لن يكون هناك الحاجة لاستنفار مستشفيات الدولة لمجابهته، وبالتالي وقع الاختيار على مستشفى صغير سعة 24 سرير إقامة داخلية فقط وتسعة أسرة عناية مركزة ليكون واجهة مصر في التعامل مع كورونا.

ولأننا لسنا بصدد الخوض في سياسة وزارة الصحة في التعامل مع الأزمة في هذه الورقة إلا أننا تطرقنا إلى هذه النقطة في استراتيجية التعامل مع الأزمة التي انتهجتها الدولة في مصر، للتعبير عن الاستخفاف والاستهانة بأرواح المواطنين وحياتهم في نظرة الدولة للمواطن، إذ قد بلغت أعداد المصابين وقت كتابة هذه الورقة 23449 وأعداد الوفيات 913 وذلك وفقًا للمنشور اليومي الذي تصدره وزارة الصحة. 

رابعًا: العقلية الأمنية في ظل أزمة كورونا:

تكشف الأزمات دائمًا عن الوجه القبيح للأنظمة الاستبدادية، فبينما كانت أولوية نظام السيسي تتجه إلى بناء السجون؛ حيث أصبح عدد السجون في عهد السيسي 66 سجنًا منهم 26 سجن جديد بنى في عهد السيسي. أتت جائحة كورونا لتعري انهيار المنظومة الصحية والمستشفيات الحكومية الغير قادرة على استيعاب الحالات المصابة بالفيروس، وتفشي الفساد الإداري والتنظيمي وهو ما ظهر جليًا في موت الكثير من الأطباء والممرضين متأثرين بإصابتهم بالفيروس  في ظل تعنت وزارة الصحة في إجراء المسحات لهم أو عزلهم لتلقي العلاج المناسب كما حدث في حالة الدكتور (وليد يحيى)على سبيل المثال. 

وعلى الرغم من هذه الجائحة المميتة لم تفرج الدولة عن أى من المعتقلين السياسين لديها بل إن بعضهم مات متأثرا بظروف صحية متدهورة وتعنتت إدارة السجن في تقديم العلاج اللازم له أو إنقاذ حياته (مات شادي حبش في سجن طرة بعد تدهور حالته الصحية وتعنت إدارة السجن في علاجه). يقارب عدد المعتقلين السياسين في مصر ال100 ألف معتقل  يعيشون في ظروف غير آدمية، حيث تعاملهم الدولة كمنبوذين ليس لهم أى حقوق وتنزع عنهم كل صفات الإنسانية. ولم تتوقف الماكينة الجهنمية للنظام الأمني المصري في إلقاء القبض على المواطنين وإخفائهم قسريًا بل وقتل بعضهم خارج إطار القانون، حتى في ظل هذا الوضع المأزوم. وبالرغم من ظهور حالات إصابة بكورونا داخل السجون ( توفى الموظف سيد حجازي الذي كان يعمل في بإدارة سن تحقيق طرة متأثرًا بإصابته بالفيروس) إلا أن الحكومة ومنظومة الأمن لم تبدي أى اهتمام تجاه المعتقلين في السجون المصرية.

ختامًا، نرى أن أزمة كورونا قد كشف عن الوجه القبيح للدولة في تعاملها مع المواطن المصري ما بين إهمال وتقصير أو تمييز وتفرقة ( كما في حالة الممثلة رجاء الجداوي التي تواصلت مباشرة مع وزيرة الصحة بمجرد ظهور أعراض الفيروس عليها، ليتم نقلها على الفور إلى مستشفى أبو خليفة للحجر الصحي في الإسماعيلية) مقارنة بحالات كثيرة أصيبت بالفيروس ولم تجد مكانًا للحجز أو العزل داخل المستشفيات، بل وبعضها مات على باب المستشفى التي رفضت استقباله لعدم وجود أماكن أو لأنها لا تتعامل مع حالات الكورونا. في ظل هذه الظروف لا تفتأ الدول المستبدة تكشف عن وجهها القبيح في استعباد الشعب وحرمانه من حقوقه، فالعقد الجديد المفروض على الشعب هو الرضوخ والولاء مقابل حمايته من الإرهاب وليس من الفيروسات.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *