By / 2 أغسطس، 2021

الدين والسياسة .. شبهات وأغاليط (3)

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لم ينفرد الإجماع بالدلالة على وجوب الإمامة والدلالة – من ثم – على أنّ الإسلام دين ودولة وأنّ الشريعة الإسلامية مشتملة على نظام للحكم، وإنّما قامت الأدلة قبل الإجماع من الكتاب والسنة على هذه الحقيقة الظاهرة البادية التي من شدة ظهورها وفرط تبديها لا تحتاج إلى دليل، قامت الأدلة التي تُعَدُّ مستندا للإجماع الذي انعقد أولا في عهد الصحابة واستمر منعقدا طوال القرون المديدة، والإجماع إذا انعقد بهذا المستوى من العراقة والمتانة والشمول والعموم فلا يمكن أن يخرقه شذاذٌ تفرقوا في الأزمان والأكوان تَفَرُّقَ الكلاب الضالة في مدينة تعج بالمتحضرن من بني الإنسان.  

    والدليل الأول يَتَبَدَّى في كتاب الله تعالى كما تَتَبَدَّى دلائل قدرة الله في كونه الفسيح، لا يعمى عنها إلا من طُمست بصيرته وانتكست فطرته وانقلب على رأسه في حمأة الجهل وبقي عمره منكسا يرى الحق باطلا والباطل حقا، وهذا الدليل لا يتمثل في آية واحدة يمكن أن يُشَغَّب على دلالتها بتأويل أو ادعاء نسخ أو غير ذلك، وإنّما بالاستقراء التام الذي يفيد العلم والقطع.

    فمن قرأ القرآن الكريم أيقن أنّه قد أرسى المبادئ والأسس التي لا يقوم نظام سياسي صالح إلا عليها: كالعدل والشورى والطاعة والجماعة والاتزام بالمرجعية والدستور، وذلك في جملة من الآيات لا يمكن تنفيذها إلا بإقامة دولة ونظام على مقتضى ما جاءت به من قواعد وأحكام()، من مثل هذه الآيات: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى: 38)، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59)، (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: 105)، (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة: 48)، (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: 4).

    هذه الآيات – وأمثالها كثير مبثوث في القرآن – وضعت الأسس والقواعد والمبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم الرشيد، كالشورى والعدل والطاعة للحاكم في المعروف، والالتزام من الحاكم والمحكوم بالدستور (ما أنزل الله من شريعة) والحكم بين الناس وفق القانون الذي أنزله الله، والجهاد للكيانات المحاربة لهذه الدولة قبل إنشاء العهود وإبرام العقود، وغير ذلك مما أجمله القرآن وفسرته السنة، فالاستقراء التام لآيات الكتاب العزيز وأحاديث السنة المشرفة يثبت أنّهما اشتملا على أسس الدولة والحكم والنظام ويثبت أيضا أنّهما لم يشتملا على ما يخالف ذلك؛ فهل كان القرآن يقرر هذه المبادئ وهو كتاب نزل – فقط – ليزكي نفوس الناس، ويشرع لهم – وَحَسْب – ما يتدينون به من الشعائر؟!

    فالواقع أن «جميع الآيات القرآنية التي نزلت بتشريع حكم من الأحكام التي تتعلق بموضوع الإمامة وشؤونها جاءت على أساس أن قيام الإمامة الشرعية والقيادة العامة في المجتمع الشرعي شيء مفروغ من إثباته ولا نقاش في لزومه … فتشريع مثل هذه الأحكام يلزمه مسبقا المفروغية من تشريع حكم لزوم الإمامة وقيام الدولة الإسلامية في المجتمع المسلم، وهذا ينهينا إلى أن لزوم الإمامة وإقامة الدولة في المجتمع الإسلامي من بديهيات وضروريات الشريعة الإسلامية»()

أمّا الدليل الثاني من كتاب الله تعالى فهو على صورة قريبة من الدليل الأول؛ وبذلك يعضد كل منهما الآخر ويقويه، وإن كان كا منهما بذاته قويا متينا؛ لقيامه على منهج الاستقراء التام، وصورة هذا الدليل أنّ القرآن الكريم اشتمل على أحكام تنظم جميع ميادين الحياة، هذه الأحكام لا يمكن تتنفيذها ولا تطبيقها ولا إقامتها إلا بقيام دولة وحكم ونظام، فهذه الآيات القرآنية التي لا يمكن تنفيذها ولا الاستجابة لأحكامها إلا إذا وجدت الدولة، هي آيات تخاطب بالأساس أمة لها نظام ولها حكم نافذ،     وهي أكثر من أن تحصى. 

    منها الآيات التي شرعت أحكام الحدود: كحد السرقة وحد الزنى وحد القذف وحد الحرابة وأحكام القصاص والدية وسائر العقوبات التي لا يتصور تطبيقها إلا بوجود دولة وحكم()، ومنها آيات تنظم التصرفات والمعاملات من بيع وإيجار وهبة ووصية وحجر وتفليس ورهن ووكالة وكفالة وغير ذلك مما يسمى في التعريف الوضعي بالقانون المدني، وآيات تنظم الاقتصاد والإدارة، وآيات تشرع أحكام الزواج والطلاق والرضاعة والنفقة والحضانة والخطبة والعدة وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالأسرة التي يمكن تسميتها بقانون الأحوال الشخصية، وآيات توجب جمع الزكاة من أهل الزكاة وصرفها في مصارف حددها القرآن الكريم، وأخرى للتضامن والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى، وكل هذه الأمور لا يقوم عليها ولا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات والدول ()

ومنها آيات تأمر بإعداد القوة وبقتال الأعداء وبجهاد الأمم الكافرة، حتى لا تكون فتنة ويكن الدين لله، وآيات تنظم العلاقات الدولية بين الدولة الإسلامية وغيرها، ولا يمكن أن تناط مثل هذه الأحكام إلا بالقوة والإمارة. 

إن مجموع هذه الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية لا يمكن أن يعقل إيرادها والإلزام بها … إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة… ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن به أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه، ولا يقول بغير هذا إلا من فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع ()

    وكما دلّ القرآن على هذه الحقيقة دلت السنة عليها وبنفس الطريقة المتينة طريقة الاستقراء التام الذي يثبت الظاهرة وينفي ما يخالفها، وقد تنوعت الأدلة في السنة وتوسعت، بصورة أكثر تفصيلا مما في القرآن الكريم الذي أجمل إجمالا لا يخل بالبيان ولا يعطله، وقد كان بالإمكان جمع نصوص الوحيين في دليل واحد، لكننا آثرنا المضي على طريقة الفقهاء في الاستدلال بالكتاب أولا ثم بالسنة.

    ويتمثل الدليل الأول في جملة من الأحاديث التي برهنت على وجوب إقامة دولة وتنصيب إمام والانتساب من الأفراد المسلمين إلى هذه الدولة وحماية استقرارها ووحدتها، وهذه هي الأحاديث: 

1- عن أبي سـعيد الخدري مرفوعا: « إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ »()، أي: فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم ()، وعن أبي هريرة مرفوعا: «إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ »()، وقد علل الخطابي هذا الأمر فقال: « إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعا ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم الاختلاف » ()، وعن عبد الله بن عمر مرفوعا: «… لا يَحِلُّ لِثَلاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاةٍ إلا أمروا عليهم أحدهم… »()؛ ففي الحديثين الأول والثاني أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«فليؤمروا»، والأمر يستلزم الوجوب كما هو مقرر في الأصول، وفي الحديث الثالث أكد الوجوب بتحريم الترك في قوله:«لا يحل». 

فإذا كان رسول صلى الله عليه وسلم: قد أوجب على الثلاثة الذين يكونون بعيدين بأجسادهم عن سلطان الجماعة الأم بسبب سفر أو ذهاب في صحراء أن يؤمروا أحدهم؛ لئلا يختلفوا ويفشلوا؛ فلا ريب أن وجوب ذلك في الجماعة الكبرى آكد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: « فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيها على سائر أنواع الاجتماع » ()، بل إن رسول الله أمر بذلك على سبيل الاحتياط للجماعة الأم، بمنع ما يمكن أن ينشأ من نزاع بسبب عارض، وعلي سبيل مد ظلال الأمن الذي أوجدته الإمارة الكبرى إلى الأطراف المكانية والزمانية. 

2- عن زر ابن حبشي قال: لما أنكر الناس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط فزع الناس إلى عبد الله بن مسعود فقال لهم عبد الله بن مسعود: اصبروا فإن جور إمام خمسين عامًا خير من هرج شهر، وذلك أني سمعت رسول الله يقول: « لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَارَةٍ بَرَّةٍ أَوْ فَاجِرَةٍ، فَأَمَّا الْبَرَّةُ فَتَعْدِلُ فِي الْقَسْمِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَكُمْ فَيْأكُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَأَمَّا الْفَاجِرَةُ فَيُبْتَلَى فِيهَا الْمُؤْمِنُ، وَالإِمَارَةُ الْفَاجِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الْهَرْجِ “، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ:”الْقَتْلُ وَالْكَذِبُ »()

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ أَمِينًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الآخِرَةِ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِينًا لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا، وَلا أَرَاكُمْ فَاعِلِينَ، تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَأْخُذُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ »()، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضة: « ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ»()

 فهذه الأحاديث الثلاثة متضامنة تؤكد المعنى الذي سبق استنباطه من الأحاديث التي قبلها، فحديث عبد الله بن مسعود يؤكد على أنه لابد للناس من إمارة برة أو فاجرة، وإلا كان البديل هو الفوضى والهرج، والحديث الثاني يرشد فيه النبي أمته إرشادا إلى أن تختار أمينا زاهدا كأبي بكر، أو قويا لا يخشى في الله لومة لائم كعمر، أو هاديا مهديا كعلي . وهو في مجموعه يعلق الاختيار بسلطان الأمة ويؤسس لهذا الاختيار وهذا الترجيح، وفي حديث عائشة أنه هم بالفعل- ولا يهم رسول الله لباطل أو لأمر مناف لما جاء به – أن يكتب كتابا لأبي بكر، ولكنه عدل عن ذلك؛ لعلمه أن الأمة لن تعدل بأبي بكر أحدًا. وبذلك يكون المعنى المستخلص من هذه الأحاديث الثلاثة مفسرا ومؤكدا للمعنى المستخلص من الأحاديث التي ذكرتها من قبل. 

3- عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ»() ففي هذا لحديث يوجه النبي أمته إلى المحافظة على الكيان وعلي سلامة الدولة وأمنها واستقرارها، وعلي مواجهة من خرج على أمير اجتمعوا عليه بمنتهى القوة والحسم، ولو أدى إلى قتله؛ فحياة الجماعة أولى من حياة الفرد، وهذا يدل بلا شك على أن وجوب الإمارة أمر مفروغ منه، وعلي أن الإسلام مشتمل على نظام حكم وعلى نظرية سياسية متكاملة متناغمة. 

4- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » ()، وفي رواية: « فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَيَمُوتُ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » ()، وعن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال أطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله يقول: « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيـَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْـسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»()، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، فَلَا حُجَّةَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ، فَقَدْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»()

ومن تصفح هذه النصوص الأربعة حديث ابن عباس بروايتيه وحديث ابن عمر بروايتيه، تبين له ما يلي: أ- أنها استعملت هذه العبارات: « خرج من السلطان »، «يفارق الجماعة»، «مفارقا للجماعة»، «ليس في عنقه بيعة»، للدلالة على حالة واحدة يكون فيها المرء شبيها بأهل الجاهلية، وليست هذه الحالة بدلالة العبارات السابقة وبدلالة المناسبة التي ساق فيها ابن عمر الحديث إلا حالة التمرد على الدولة والخروج على النظام، وهذا دليل واضح غاية الوضوح على ما نحن بصدده. 

ب- أن النبي في كل هذه النصوص الواردة عنه وصف حالة الخروج على الدولة الإسلامية وعلى جماعة المسلمين وسلطانهم بأنها جاهلية في قوله: «ميتة جاهلية»، وهذا الوصف يشير إلى الفارق بين حال الجاهلية التي لم يكن فيها للعرب دولة منظمة تجمع شتاتهم وبين حال الإسلام الذي صارت له دولة منظمة تبسط سلطانها على جميع المسلمين، يقول ابن حجر: «المراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك»().

جـ- ومع أن مبايعة كل مسلم للخليفة ليست واجبة، بل يكفي حدوث البيعة الخاصة من أهل الحل والعقد ثم البيعة العامة من جمهور المسلمين، إلا أن رسول الله أوجب أن يكون في عنق كل مسلم بيعة وألا يموت مسلم إلا وفي عنقه بيعة، وهذا يدل على أمرين: الأول: المقصود هنا هو الانتماء إلى الدولة ()، إما بأداء البيعة والمحافظة عليها وعدم نكثها وإما بعدم المنازعة في الأمر بعد حدوث البيعة حتى ولو لم يشهدها، والثاني: وجوب وجود هذه البيعة في عنق كل مسلم دال من – باب أولى ومن باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب – على وجوب وجود الخليفة() أو الإمام أو السلطان الذي تستتب به الأمور وتستقر به البيعة في عنق المسلم حتى لا يموت المسلمون ميتة الجاهلية ولا يحيون حياتهم كحياة أهل الجاهلية. 

    أمّا الدليل الثاني من السنة فيتمثل في جملة من الأحاديث التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فتوجب على الحاكم العدل والصيانة لرعيته وتحرم عليه الغش للرعية والظلم لها. وتوجب على الرعية السمع والطاعة والصبر والكف عن كل ما يثير القلاقل؛ ولا يصدر هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بناء على تقرر حقيقة الدولة بكل أركانها وأسسها، وهذه هي جملة من الأحاديث الموجهة إلى الأئمة وولاة الأمر: 

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَادِلٌ……» الحديث ()، وعن معقل بن يسار: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ، رَعِيَّةً يَمُوتُ، يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » ()، وعنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَا اسْتَرْعَى اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِنُصْحِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»()، وعن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ … » الحديث()، وعن عائذ بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُـطَمَةُ…» الحديث(). أي: «العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها»()

فمن هؤلاء الأئمة الذين يخاطبهم رسول الله بهذه الأحكام؟ أهم حكام فارس أم الروم؟ أم حكام أمريكا وأوربا؟ أم زعماء قريش وزعماء العشائر؟ إنهم حكام المسلمين الذين أمر الإسلام بتنصيبهم، وأمرهم الله ورسوله بالعدل والرعاية وتحمل المسئولية. 

وهذه جملة من الأحاديث التي يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« طَاعَةُ الإِمَامِ حَقٌّ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا طَاعَةَ لَهُ»()، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي»()، وعن عبادة من الصامت قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: « سَيَلِي أُمُورَكُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنَكِّرُونَكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، فَلَا تَعْتَلُّوا بِرَبِّكُمْ»() وفي رواية: « فَلا تَضِلُّوا بِرَبِّكُمْ»()

وعن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ : لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»()، وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ، قَالَ : لَا مَا صَلَّوْا»()، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ….، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ…..» الحديث()

فهذه الأحاديث تأمر الرعية بالسمع والطاعة ولكن في المعروف دون المنكر، وتأمرهم بالرقابة على الحكام وبإنكار المنكر ولكن دون خروج ولا تمرد، وهذا التوجيه النبوي الكريم جزء من مبادئ النظام الإسلامي في الحكم والدولة. 

    أمّا الدليل الثالث من السنة فيتمثل في حديث «الأئمة من قريش» الذي روى عن نحو أربعين صحابيا» ()، وهذه بعض رواياته: عن معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ»()، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ ….»()، وعن أبي برزة مرفوعا: « الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذَا اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا، وَإِذَا عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِذَا حَـكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَـلَائِكَةِ وَالنّـَاسِ أَجْمَعِينَ»()، فهذا الحديث بكافة رواياته يدل على وجوب الإمامة، وعلى اشتمال الإسلام على نظام في الحكم خاص به.

     ويتمثل الدليل الرابع من السنة في جملة من الأحاديث، ليست من أحاديث الأحكام، بل من أحاديث الأخبار، ولكن مع ذلك يستخلص منها حكم كبير، وهو اشتمال الإسلام على نظام حكم خاص به؛ لأن هذه الأخبار جاءت في سياق يدل على الرضا بالأمر الذي عليه الأمة وهي آخذة بنظام الخلافة، وعدم الرضا بالأمر الذي عليه الأمة إذا تغير هذا النظام أو انفصمت عراه. 

    وهذه جملة منها: عن النعمان بن بشير قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثم سكت» قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إنى أرجو إن يكون أمير المؤمنين يعنى عمر بعد الملك العاض والجبرية فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه()

وعن جابر بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، قَالَ : ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لِأَبِي : مَا قَالَ ؟، فَقَالَ : كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»()

وعنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ ؟، فَقَالَ : كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»()، وعنه: قال جئت أنا وأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ صَالِحًا حَتَّى يَكُونَ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا “، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي مَا قَالَ؟ قَالَ: “كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»()، وعنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ مَاضِيًا حَتَّى يَقُومَ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا “، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا أَبِي مَا قَالَ ؟ قَالَ: “كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ »()، وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَتُنْتَقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتُقِضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا : الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ : الصَّلاةُ»()

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ستكون بعده خلافة من قريش وسيكون أيضا ملك عضوض وملك جبري، وسيأتي يوم تنقض فيه عرى الحكم، ثم يأتي يوم تعود فيه الخلافة على منهاج النبوة، وفي سياق الأخبار ما يدل على رضاه عن الخلافة، كقوله: «على منهاج النبوة» وقوله لا يزال الأمر «عزيزًا» وماضيا وصالحا، بخلاف الأخبار عن الملك وعن انفصام عرى الحكم، بل إن عبارة على منهاج النبوة دالة بمنطوقها ومفهومها على أن الخلافة من هدى النبوة دون غيرها. 

    وهذا حديث صحيح يدل دلالة صريحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ساس الأمة، وعلى أن الأمة الإسلامية لها نظام في السياسة فتساس برسولها ثم بخلفائه من بعده، وهذا هو الحديث: عن فرات القزاز قال سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا : فَمَا تَأْمُرُنَا، قَالَ : فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»().

والحديث الشريف دلالته على المقصود واضحة لا غبش فيها، فبنو إسرائيل كانت أنبيائهم تسوسهم «أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء بالرعية»()، كلما مات نبي خلفه نبي «يزيل الفساد عنهم ويقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروا من حكم التوراة»()، ونبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، ومن ثم فلا طريقة لاستمرار السياسة الشرعية التي كان يسوس بها أمته إلا بأن يكون له خلفاء، كلما هلك خليفة تبعه خليفة، وسمى خليفة لأنه يخلف رسول الله،وبالطبع هو لا يخلفه في أمر الوحي والرسالة، وإنما يخلفه في سياسة الأمة والقيام على أمر دينها ودنياها() وقيادتها بشريعة الإسلام، ويؤكد هذا عدة قرائن وردت في الحديث: أولها: أنه سماهم خلفاء بعد أن قال كلما هلك نبي خلفه نبي، ثانيها: أنه أمر الأمة بأن تفي لهم بالبيعة وهذا معناه إقرار نظام البيعة وإعطاء الأمة سلطان تنصيب الإمام بالمبايعة، ثالثها: أنه أشار إلى أن الله تعالى هو الذي استرعاهم وأنه سيسألهم عما استرعاهم، وهذا معناه أن الشريعة الإلهية أعطتهم هذا الحق، وسيكون حسابهم مترتبا على ذلك. 

    والدليل السادس من السنة يتمثل في أن السنة النبوية قد حوت أحكاما مفصلة في المعاملات والحدود والقصاص والبيع والشراء والرهن والوكالة والكفالة والوقف والوصية والميراث والنكاح والطلاق والفرقة والحجر والتفليس والمداينات والضمان والزكاة المفروضة والجهاد والمعاهدات وغيرها من الأحكام والقوانين التي تنظم الشئون الداخلية والعلاقات الخارجية، وهذا مما لا يمكن القيام به إلا بنظام إسلامي ودولة إسلامية، وهذا «يدلك على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور دينا آخر وسماه الإسلام»()

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)

() نظرات في (الإسلام ونظام الحكم)، الشيخ / محمد الخضر

() انظر: مجموعة بحوث فقهية – د. عبد الكريم زيدان – مؤسسة الرسالة – بيروت ط 1402 صـــ 12
() الإمامة العظمي عند أهل السنة والجماعة – عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي – ط دار طيبة الرياض ط أولى  1987 صـــ49

حسين، تحقيق علي رضا الحسيني، ط الدار الحسينية للكتاب 1997م. (ص144).
() نظام الإسلام: الحكم والدولة – محمد المبارك – ط دار الفكر صــــ12
() الإسلام وأوضاعنا السياسية صـــــ88
() نظام الإسلام الحكم والدولة (ص15).() صحيح: رواه أبو داود ك الجهاد باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم برقم ” 2245″ (ج 4- ص1547), والطبرانى فى الأوسط برقم “8311” (ج9 – ص 4341), وأبي يعلى فى مسنده برقم”1054″ (ج2- ص319)، والبيهقي فى الكبرى برقم”10131″ (ج5 – ص257).

عون المعبود شرح () سنن أبي داود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت ط2، 1415ﻫ، (7/192).

() صحيح: رواه أبو داود ك الجهاد باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم برقم ” 2246″ (ج 4س- ص1547), والطبرانى فى الأوسط برقم “8094” (ج8 – ص 100), والبيهقي فى الكبرى برقم”9595″ (ج14 – ص6847), والطاحاوى فى مشكل الأثار برقم”4036″(ج9ص4147). 

() عون المعبود شرح سنن أبي داود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت ط2، 1415ﻫ، (7/191).

() رواه الإمام أحمد فى المسند”6647″ (ج2- ص 176)

() السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية شيخ الإسلام ابن تيمية، ت: بشير محمد عيون، ط مكتبة دار البيان، دمشق 1985م (ص176).

() رواه الطبرانى فى المعجم الكبير برقم 10067(ج12ص5577)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق برقم”25049″ (ج98ص48890)

() رواه أحمد فى فضائل الصحابة برقم “226”(ج1ص124)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق برقم”17653″ (ج65 ص32050)، وعبدالله بن الإمام أحمد فى السنة برقم “1139” (ج1ص378)  

() رواه مسلم ك فضائل الصحابة باب من فضائل أبى بكر برقم”4406″ (ج7 ص 3057

() رواه مسلم ك الإمارة باب حكم من فرق أمر السلمين وهو مجتمع برقم”3449″ (ج5 ص 2424).

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “6559” (ج 11- ص 5304)، ومسلم برقم “3445” (ج 5 – ص 2422

() رواه البخاري ك الأحكام باب السمع والطعة للإمام ما لم تكن معصية برقم “6639” (ج 11 – ص 5353

() رواه مسلم ك الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عندظهور الفتن.. برقم “3447” (ج 5 – ص 2423)

() إسناده حسن: رواه الإمام أحمد فى مسنده برقم”5234″(ج5ص2184)، وابن حبان فى صحيحه برقم”4676″(ج10ص4851).

() نظام الإسلام الحكم والدولة (ص15).

() انظر: نظام الحكم في الإسلام، عبد القديم زلوم (ص43-44).

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “623” (ج2 ص516)، ومسلم برقم “1718” (ج 3 ص 1210).

() رواه مسلم ك الأيمان باب إستحقاق الوالى الغاش لرعيته النار برقم “207” (ج 1 – ص 205

() رواه الشهاب القضاعى فى مسنده برقم”756″(ج1ص481) وفى إسناده أحمد بن مروان الدينوري وهو متهم بالوضع

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “850” (ج2 ص694)، ومسلم برقم “3414” (ج 5 ص 2393)

() رواه مسلم ك الإمارة باب فضيلة الإمام العادل برقم “3417” (ج 5 ص 2396)

() صحيح مسلم بشرح النووي (12/216).

() صحيح: أخرجه تمام الرازى فى فوائده برقم”65″(ج1ص34)، وابن عساكر فى تاريخه برقم”14778″(ج56ص27962) وصححه الألبانى.

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “6633” (ج 11 ص 5350)، ومسلم برقم “3424” (ج 5 ص 2404).

() رواه الإمام أحمد فى مسنده برقم”22194″(ج19ص9415)، وابن عساكر فى تاريخه برقم”10051″ (ج39 ص19401)

() صحيح: رواه أبوسعيد الشاسى فى مسنده برقم”1198″ (ج2ص705)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق برقم”10050″ (ج39ص19400)، وصححه الألبانى فى في صحيح الجامع برقم” 2397 “.

() رواه مسلم ك الإمارة باب خيار الآئمة وشرارهم برقم “3453” (ج 5 ص 2428)

() رواه مسلم ك الإمارة باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع… برقم “3452” (ج 5 ص 2427)

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “2198” (ج4 ص1807)، ومسلم برقم “160” (ج 1 ص 164

() انظر فتح الباري (7/32).

 باب مناقب قريش برقم “3262” (ج6 ص2667).() رواه البخاري ك المناقب

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “3258” (ج6 ص2665)، ومسلم برقم “3396” (ج 5 ص 2380).

() صحيح لغيره: رواه الإمام أحمد فى المسند برقم”19335″ (ج17ص8011)، والبزار فى مسنده برقم”1755″

(ج2ص915)، وأبى يعلى فى مسنده برقم “3974” (ج4ص1669)، والطبرانى فى الأوسط برقم”6785″ (ج8ص3558)

() صحيح: رواه الإمام أحمدفى المسند برقم”18032″ (ج15ص7394)، والبزار فى مسنده برقم”2455″(ج4ص1877)، وصححه الألبانى  

() رواه مسلم ك الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة فى قريش برقم “3402” (ج 5 ص 2383)

() رواه مسلم ك الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة فى قريش برقم “3401” (ج 5 ص 2382

() إسناده حسن: رواه الإمام أحمد فى المسند برقم”20573″(ج18ص8541)

() صحيح: رواه الإمام أحمد فى المسند برقم”20495″(ج18ص8518)، وصححه الألبانى فى السلسلة برقم”376″ (ج1ص719).

() إسناده حسن: رواه ابن حبان فى صحيحه صحيحه ك التاريخ باب إخباره عما يكون فى أمته من الفتن..برقم”6870″ (ج15ص7157) 

() متفق عليه: رواه البخاري برقم “3221” (ج6 ص2642)، ومسلم برقم “3435” (ج 5 ص 2412

() النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات المبارك بن محمد الجوزي (ابن الأثير)، (2/1031) المكتبة العلمية بيروت ط 1979.

() عمدة القاري (16/43).

() ر: من نظم الدولة الإسلامية، د. عبد الله على مهدي الطحاوي، دار الثقافة العربية ط1404ﻫ (ص10

() نظرات في (الإسلام ونظام الحكم)، الشيخ / محمد الخضر حسين، تحقيق علي رضا الحسيني، ط الدار الحسينية للكتاب 1997م. (ص144).


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *