By / 19 أكتوبر، 2020

الروهينجا.. اضطهاد مستمر وسط صمت دولي (1)

 

 

لم تنته معاناة مسلمي الروهينجا على مدار العقود والحكومات المتتالية، فهم يعانون من التمييز العنصري، وتمارس ضدهم أبشع أنواع العنف وتصنفهم الأمم المتحدة “الأقلية الدينية الأكثر تعرضًا للاضطهاد في العالم.

والروهينجا جماعة إثنية تستوطن ولاية آراكان التي تحمل اسم راخين أيضًا والتي تقع غربي جمهورية اتحاد ميانمار الواقعة جنوب شرق أسيا المعروفة أيضًا باسم بورما، يعيشون حياة بدائية في مخميات وبيوت بسيطة، محرومون من حق المواطنة والحصول على الجنسية الميانمارية بحجة أنهم مهاجرون بنغاليون غير شرعيين، فيتعرضون لجرائم القتل والإبادة والتهجير بالقوة.

 

بورما

تقع دولة بورما في جنوب شرق قارة آسيا، وقد شهد اسم هذه الدولة تغيرات مُتعاقبة عبر التاريخ، فقد كان يُطلق على بورما منذ القرن الثالث عشر في اللغة البورمية اسم ميانما، ثم تم تسميتها ببورما في العام 1885م وهو الاسم الذي يُطلق على هذه الدولة في معظم البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، إلا أنه وفي العام 1989م تم تغيير الاسم الرسمي للدولة من قِبل الحكومة العسكرية التي وُجدت في البلاد آنذاك لتُصبح اتحاد ميانمار.

تنقسم بورما إلى ثماني ولايات وسبع مناطق رئيسية؛ لتتكون إدارياً من خمسة عشر منطقة وولاية مختلفة، وتنقسم بورما فرعياً إلى 74 مُقاطعة، و330 بلدة، و83 قرية.

 

أهمية موقع بورما

 تحتل دولة بورما موقعاً استراتيجياً على خارطة العالم الجغرافية، فهي تقع في منطقة تمتاز بنمو اقتصادي هو الأكبر في العالم؛ فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تملك حدوداً مُشتركة مع كل من الصين والهند، فضلاً على أنها تقع في القرب من ممرات الشحن الرئيسية الموجودة عبر المحيط الهندي.

 فوجود بورما في مثل هذه المنطقة الاستراتيجية وبين أحد أكبر الأسواق التجارية العالمية وهما السوق الصيني والهندي بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى كالقوة الشبابية التي تمتاز بها الدولة وامتلاكها لخطوط من السواحل البحرية والنهج الإصلاحي الذي تتبناه وما تحتويه من موارد غنية، أدت إلى خلق فرص قوية لتحقيق التنمية الاقتصادية بشكل سريع ولجعلها قادرة للانضمام إلى سوق التصنيع في قارة آسيا، فضلاً عن تمكينها من تحقيق تحسينات للحياة المعيشية لشعبها.

لقد جلب الموقع الجغرافي لأراكان أطماع البوذيين في بورما قديما وحديثا؛ فانتشار المسلمين على الساحل الشرقي لخليج البنغال أعطاهم ميزة إستراتيجية جعلت لمملكة أراكان دورا حيويا في مدخل مضيق ملقا الإستراتيجي الذي تمر منه حركة التجارة من وإلى الدول الآسيوية خاصة في وقت الازدهار الإسلامي والسيطرة الإسلامية على المحيط الهندي والسيطرة الإسلامية على المحيط الهندي.

 

الإسلام في بورما

يسكن أغلب المسلمين في الجنوب الغربي لبورما في أقليم أراكان الذي يفصله عن باقي أجزاء بورما حد جبلي هو سلسلة جبال (أراكان يوما) الممتدة من جبال الهيمالايا. وتُقدر مساحة إقليم أراكان للأغلبية المسلمة بعشرين ألف ميل مربع .

 وعدد السكان في بورما يزيد على خمسة وخمسين مليونا أكثر من 20% منهم من المسلمين ، والباقي من أصحاب الديانات من البوذيين الماغ، وغيرهم من الطوائف الاخرى، فعدد المسلمين في بورما يزيد على عشرة ملايين، يسكن خمسة ملايين ونصف مليون منهم إقليم أراكان، وهم يمثلون أكثر من 70% من سكان الاقليات، والمسلمون من أفقر الجاليات في بورما وأقلها تعليما ومعرفتهم بالاسلام متواضعة محدودة. 

دخل الإسلام أراكان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن السابع الميلادي عن طريق الرحالة العرب، وانتشر الاسلام فيها حتى أصبحت دولة مستقلة حكمها 48 ملكا مسلما على التعاقب لأكثر من 3 قرون ونصف قرن من بين 1430 – 1784م

وانتشر الإسلام في بقاع بورما كافة وبها آثار إسلامية رائعة من المساجد القديمة والمدارس الشرعية والرباطات وغيرها، ثم وقع الاحتلال البوذي لأراكان سنة 1784م، وضمها الملك البوذي (بوداباي) إلى بورما.

 وخوفا من انتشار الاسلام في المنطقة أخذ يخرب ممتلكات المسلمين، ويتعسف في معاملتهم، فملأ السجون منهم وقتل من قتل من العلماء والدعاة وغيرهم، ونهب خيراتهم أربعين سنة، انتهت بالاستعمار البريطاني لبورما سنة 1824، وضمتها بريطانيا إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية.

وفي عام 1937م ضمت بريطانيا بورما إلى أراكان التي يقطنها أغلبية مسلمة لتكون مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية، وعرفت آنذاك بحكومة بورما البريطانية.

وفي عام 1942 تعرض المسلمون لمذبحة وحشية كبرى على يد البوذيين الماغ بعد خصولهم على الأسلحة والإمداد من قبل البوذيين البورمان والمستعمرين البريطانيين وغيرهم. وقد راح ضحية تلك المذبحة أكثر من 100 ألف مسلم، أكثرهم من النساء والشيوخ والاطفال،  وتشريد مئات الالاف من المسلمين خارج وطنهم.

وفي عام 1947 قُبيل استقلال بورما، عُقد مؤتمر في مدينة (ينج لونج) للتحضير للاستقلال، ودُعيت إليه جميع الفئات والعرقيات باستثناء المسلمين لإبعادهم عن سير الاحداث وتقرير مصيرهم، ومنحت بريطانيا بورما الاستقلال عام 1947 م شريطة أن تمنح كل العرقيات الاستقلال عنها بعد 10 سنين إذا رغب في ذلك.

ولكن البورمان نقضهوا عهودهم واستمروا في احتلال أراكان المسلمة دون رغبة من سكانها، وقام البوذيون الماغ بممارسات بشعة ضد المسلمين، من قهر وتشريد وإبادة وتطهير عرقي حتى كان الانقلاب عام 1962 فازداد الأمر سوءا، 

ومن وقتها والمسلمون يتعرضون لكل أنواع الظلم والاضطهاد، من القتل والتهجير والتشريد والتضييق الاقتصادي ومصادرة الأراضي، بل ومصادرة مُواطنتهم بزعم مشابهتهم للبنغاليين في الدين واللغة والشكل.

وتعكف السلطات الميانمارية على تقليل أعداد المسلمين بشتى الطرق، وقد نجحوا في ذلك ، ففي عام 2016 أصدرت الحكومة البورمية، بيانات التعداد السكاني الخاصة بالدين والعرق لعام 2014، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 33 عامًا، بعد عامين من التأخر، لتظهر تلك البيانات تراجعاً في نسبة مسلمي البلاد، من 3.9% من إجمالي تعداد السكان لعام 1983، إلى 2.3%، في حين لم يشمل التعداد حوالى 1.2 مليون نسمة من مسلمي الروهينجا. وأشارت نتائج التعداد إلى أن المسلمين المسجلين، يقدرون بمليون و147 ألف و495 نسمة، من تعداد سكان البلاد البالغ 51.5 مليون نسمة.

 

متى بدأ اضطهاد مسلمى بورما 

بدأ اضطهاد المسلمين في بورما عام 1784 م عندما سقطت مملكة أراكان المسلمة وتحولت إلى إقليم تحت إمرة مملكة “بورما البوذية”- كما أشرنا سابقا- ومنذ ذلك الحين والأقلية المسلمة هناك تشهد عمليات إبادة جماعية وتهجير من قبل الأغلبية البوذية.

 وفي عام 1962 م بدأ فصل جديد من القصة، عندما استولى العسكريون على الحكم في ميانمار بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال نيوين،خمسة عقود منذ ذلك الحين، لاقى فيها مسلمو أراكان كافة أنواع الظلم والاضطهاد؛ من قتلٍ وتهجيرٍ وتضييق اقتصادي وتشريد، ومصادرة لأراضيهم وطمس لهويتهم وسحق لمساجدهم ومحاصرة لشعائرهم الدينية.

تكررت الهجمة في 1991، حيث تم تشريد حوالي ربع مليون مسلم من الروهينجا نحو بنجلاديش، التي كررت أيضًا معاملتها لهم في نهاية السبعينات، الأمر الذي أجبر 50 ألفًا للرجوع مرة أخرى لبورما بين عامي 1922 و1993.

في عام 1994 تكررت نفس عملية التهجير القسري، حيث تم تهجير قرابة 110 ألف مسلم من الكارِّين وغيرهم إلى تايلاند.

في عام 1997، سرت شائعة أن رجلًا مسلمًا اغتصب فتاة بوذية، الأمر الذي أقام موجة من أعمال الشغب ضد المسلمين، فقد قاد كهنة بوذيون جماعات شغب تقدر بحاولي 1500 فرد ضد المساجد في البداية ثم المحلات وممتلكات المسلمين، وخربوا فيها وحرقوا كتبًا دينية، وقد أدت الأحداث لمقتل حوالي 3 أشخاص واعتقال 100 كاهن. بالرغم من أنه قد تم إثبات أن الشائعة لم تكن صحيحة، فإنه يُعتقد أن الحكومة قد قامت بهذا الأمر من أجل صرف النظر عن تحطم تمثال أثري لبوذا يعتقد أن الحكومة قد كسرته كي تبحث عن جوهرة ثمينة بداخله.

في عام 2001، تنامت مشاعر العداء ضد المسلمين، خاصة بعد أن حطمت طالبان تمثالي بوذا في أفغانستان. وفي 15 مايو قامت موجة عنف ضد المسلمين – في مدينة تونجو – بقيادة عدد من الكهنة، وقد أدت موجة العنف إلى مقتل حوالي 200 مسلم، وتدمير حوالي 11 مسجدًا، من ضمنهم مسجد أثري يبلغ من العمر 200 عام بالإضافة إلى 400 منزل. وقد كانت الجماعات التي قامت بهذه الموجة مناصرة للحكومة العسكرية القائمة.

وفي عام 2012م بدأت شرارة العنف العنصري ضد مسلمي الروهنيجا، حيث قام المسلمون بالاعتراض على قتل عشرة من الدعاة المسلمين قتلوا بوحشية، حيث اجتمع على هؤلاء العشرة الدعاة قرابة 466 من الماغيين البوذيين فربطوا أيديهم وأرجلهم، ثم انهال الجميع عليهم ضربا بالعصي.

وقد قام الماغيون لما اعترض المسلمون على ذلك بالزحف على قرى المسلمين ومنازلهم بالسواطير والسيوف والسكاكين، وبدأت حملة إبادة منظمة ضد المسلمين، وحُرقت القرى والديار ، وفُتك بالمسلمين والمسلمات، ما أوقع نحو 280 قتيل غالبيتهم مسلمين.

 فيما نزح أكثر من 140 ألف ليعيشوا في الدول المجاورة التي نزحوا إليها في مخيمات بالية وظروف صعبة، مما عرض الكثيرين منهم للموت والغرق ، وتم تسميم آبار المسلمين في خطة حقيرة مدبرة للتطهير العرقي.

 

وأعقب ذاك إعلان من الحكومة بإغلاق المئات من مساجد الروهينجا، ومنعهم من أداء الشعائر الدينية، وظلت السلطات من حينها ترفض منحهم تراخيص لإعادة بناء مساجدهم، حتى تلك التي تتضرر من الفيضانات التي تشهدها البلاد مؤخرًا، ويكون مصير من يحاول ترميمها الملاحقة الأمنية من السلطات.

وظلت قضية مسلمي أراكان قضية مغيبة لا يعرف عنها الكثير ولا يهتم لأمرها إلا القليل، إلى أن عادت تلك القضية لتفرض نفسها مرة أخرى على الساحة الدولية، عندما أعلن مجلس الروهينجا الأوروبي في 28 أغسطس2017 عن مقتل ما بين ألفين وثلاثة آلاف مسلم من الروهينغا في هجمات للجيش بأراكان خلال 3 أيام فقط، نتيجة أعمال عنف دامية تفجرت بعد أزمةٍ استمرت طيلة الخمسة أعوام الماضية.

 وعلى إثر تلك الأزمة، بدأ الآلاف من الروهينج في الفرار، إذ أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين آنذاك عن ارتفاع عدد مسلمي الروهينجا الهاربين من هجمات الجيش الميانماري والبوذيين المتطرفين، إلى بنجلاديش إلى 73 ألف شخص.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *