By / 24 أغسطس، 2020

السجال الإلكتروني .. الثغر المفقود !

الجندية في الإسلام تعني سد الثغر الذي أختاره المرء أو وُكل إليه، وليس جلد الذات وتشتيت الجهد على كل الثغور. وتتعدد أنواع الثغور التي تجري عبرها الحروب في عالمنا المعاصر سواء أكانت حروب عسكرية أو اقتصادية أو سياسية.

وتتنوع أصوات قرع الطبول التي اتُفِق منذ القدم على أنها إعلان لحالة الحرب الشاملة.

لكن هناك نوع من قرع الطبول لا نسمع له صوتًا مدمرًا ملموسًا ولا نشعر به في حياتنا اليومية إلا في بعض الأحيان من خلال عدة منشورات على بعض مواقع التواصل الاجتماعي .. ألا وهو قرع طبول الحروب الإلكترونية. فمازال ثغر الحرب الإلكترونية إلى يومنا هذا تفتقر الأمة الإسلامية إلى كوادر متخصصة تسده.

وحقيقة الأمر أن هذا النوع من الحروب لا يهتم باستخدام الأسلحة الثقيلة والخطط العسكرية المعقدة، فبإمكان أي دولة شن حرب إلكترونية على دولة أخرى بغض النظر عن مواردها المختلفة، وذلك لأن معظم القوات العسكرية ترتبط بشبكات إلكترونية متصلة بالإنترنت؛ ولذلك فهي ليست آمنة – مهما بلغت قوة حمايتها- ولنفس السبب بإمكان الجماعات والتنظيمات المختلفة وحتى الأفراد شن هجمات إلكترونية مدمرة على أعدائهم. وقد تنجح تلك الهجمات في بعض الأحيان في التجسس على الهيئات الحكومية والاستخبارية، وإحداث فوضى، وجمع معلومات وتدمير البنية التحتية للدول.

وبنظرة ثاقبة على الساحة العالمية، نجد على سبيل المثال أن الولايات المتحدة تطمح للحصول على أدوات هجومية إلكترونية تتمكن عبرها من تعطيل الشبكات الحاسوبية لدى أعدائها، وتبذل جهودا كبيرة لتطوير أنظمة دفاع تحمي شبكاتها من القرصنة والهجمات المدمرة من جانب الحكومات الأجنبية والتنظيمات المعادية لها.

وبحسب أحد التقارير المنشورة في جريدة واشنطن بوست فإن الجيش الأميركي وبقية الجيوش حول العالم ترى في البرامج الخبيثة التخريبية أداة مهمة من أدوات الحروب الرقمية، وذلك في ظل تعرض الحواسيب العسكرية وشبكات وأنظمة الحاسوب المعنية بالبنى التحتية للدول وشبكات الاتصالات للتخريب والاختراق.

والآن لم يعد تطوير القدرات الدفاعية الإلكترونية أمرا من أمور الرفاهية بل صار أمرًا حتميًا يفرضه الواقع، وأصبح أداةً مهمةً داخل الجيوش النظامية، بل تتسابق بعض الدول لتطوير القدرات الهجومية الإلكترونية لعلها تمنحها نجاحًا في أي حرب تحدث في المستقبل.

وقد ذكر تقرير منشور في وكالة (رويترز) في نسختها الإنجليزية أن المؤسسات العسكرية حول العالم تتسابق لاستقطاب متخصصين في مجال الكمبيوتر، باعتبار أنهم قد يصبحون عنصرًا حيويًا في الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين. وفي حين أن هناك تمويل ضخم ومناسب لاستقطاب أفراد جُدد من المقاتلين الرقميين، إلا أن جذب متخصصين فنيين وقراصنة إلى الرتب العسكرية الهرمية أمر آخر، وإيجاد من يقودهم أمر ليس بالهين.

ورغم انكماش وتقليص الميزانيات الغربية العسكرية في السنوات الأخيرة تحت وطأة الأزمات المالية المتوالية التي تعانيها الاقتصادات الكبرى، إلا أن معدلات تمويل الأمن الإلكتروني (cyber security) ترتفع بصورة هائلة، ومنذ نحو خمسة أعوام تقريبًا، أعلن الجيش الأمريكي عن تشغيل أول “لواء سايبري”، فيما أعلنت القوات الجوية والبحرية الأمريكية عن “الأجنحة” و”الأساطيل” الإلكترونية الخاصة بهما.

وتشكل الولايات المتحدة بالأخص حاليًا قوة يقدر عددها نحو ستة آلاف متخصص بالحرب المعلوماتية، يخضعون لسلطة رئيس وكالة الأمن القومي الأميرال (مايكل روجرز)، والتي تعد وكالة الاستخبارات النافذة المكلفة بالتجسس الإلكتروني، وهذه القيادة الإلكترونية تضم ما يقارب مائة وثلاثة وثلاثين (133) وحدة إلكترونية من المفترض أن تكون قادرة على القيام بعمليات الدفاع عن الشبكات والأجهزة الأميركية، وجمع المعلومات المختلفة، والهجوم على شبكات العدو.

كما تطل علينا حاليا برمجية إسرائيلية جديدة للتجسس تدعى “بيغاسوس”، وهي من صنع شركة (NSO)الإسرائيلية. وقد ذكرت تقارير صحفية أن هذه التقنية قد تسببت في مقتل الصحفي جمال خاشقجي. ويكلف شراء هذه التقنية الملايين من الدولارات وتُستخدم من قبل الحكومات والاستخبارات الآن في أكثر من خمس وأربعين دولة حول العالم .

وتُستخدم الحكومات هذه التقنية لمحاولة اختراق هواتف الشخصيات العامة والمعارضين بغرض التجسس عليهم.

وتقوم هذه التقنية على استهداف الهواتف بشكل مشابها لعمليات اختراقات الهواتف بشكل تقليدي، وتبدأ بإرسال رسالة نصيّة إلى الشخص المُستهدف يوجد بها رابط يبدو أنه سليم وطبيعي، مع طلب أو معلومة لحثّه على فتح ذلك الرابط الذي يقوم باستغلال إحدى الثغرات الأمنية الموجودة داخل نظام التشغيل في تثبيت بعض البرمجيات الخبيثة بغرض التجسّس على المكالمات، والكاميرا والرسائل، وتسجيل ما يتم كتابته.

وتمكن تلك التقنيات خصوم الإسلاميين من أن يعرفوا عنهم أكثر مما يعرفونه عن جماعاتهم وأصدقائهم. ومن ثم فمن المهم إعادة النظر في هذا “الثغر” الذي يمثل قاسمًا مشتركًا في الحروب العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية .

ويمكن تحقيق ذلك عبر تعلم علوم الحاسوب المختلفة والتدرب عليها والاختفاء عن أعين التعقب ، والاستفادة من المزايا التكنولوجية الهائلة التي حققها الإنسان في العقود الأخيرة، وتطويرها، وتوظيف مختلف آليات وبرمجيات التكنولوجيا الرقمية لخدمة الإسلام والمسلمين والانتقال من مرحلة التنظير إلى ميدان العمل. وهو ما نحن في أمس الحاجة إليه في هذه المرحلة.

المعركة اليوم ليست في ميادين القتال فقط بل أيضًا في ميادين الفضاء الإلكتروني فمع صباح كل يوم نستمع إلى أخبار متنوعة عن العمليات الأمنية المختلفة من بعض أجهزة المخابرات العربية والغربية، والتي تتسبب في التتبع الرقمي والإختراقات واعتقال الثائرين ضد الطغاة وأذنابهم وجمع المعلومات المختلفة عنهم فمن الواجب على المسلم تعلم علوم الحاسوب وما يتفرع عنها بل وتطويرها والوقوف على هذا الثغر، لمواجهة جهود أجهزة الاستخبارات المختلفة، واستغلال سقف الممكن الأن من المساحات الإلكترونية العملية، لأن المتاح الأن قد لا يكون متاح فيما بعد ، وطوال الوقت يكون لسان حال كل مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم “اللهَ اللهَ لاَ يُؤتَى الإسلامُ من قِبَلِك”.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *