By / 9 مارس، 2020

السجون المصرية أماكن احتجاز آدمية أم سلخانات للتعذيب ؟

دائمًا ما كانت السجون فى مصر موضع قلق وانتقاد من قبل الكثير، رغبة فى معرفة ما يدور بداخلها من تعذيب وقهر وحرمان من أدنى درجات المعاملة الآدمية، ولم يختلف الوضع على مرّ عصور الرؤساء، بداية من عبدالناصر حتى السيسي.

جمال عبد الناصر

رفض الكثير عهد الناصر ووصفوه بالديكتاتور، وعرف عصره بالحديد والنار، وانتشر مصطلح “زوار الفجر” في عهده، فكانوا يتجهون لإعتقال الناس من بيوتهم وإخفائهم فى المعتقلات، بالإضافه إلى جرائم الحكم الناصري الديكتاتوري التي ارتكبت في حق الإخوان عام 1965 في السجن الحربي على مدى 23 شهرا والتى انتهت فى 5 يونيو 1967 عندما قُتل المشير عامر، وأدخلت البطانة السجن وعلى رأسها الجلادون “شمس بدران، حمزة البسيوني، رياض إبراهيم، حسن كفافي، صفوت الروبي”، الذين نفذوا المذبحة بأمر من جمال عبد الناصر.

مذبحة طرة

يروي المرشد السابق محمد مهدي عاكف في مذكراته أنه في مايو 1954 بدأ التضييق على جماعة الإخوان بشكل كبير ومُنعوا من أداء الصلاة داخل العنابر، وكان الضابط المشهور بالتعذيب، عبد العال سلومة، يتصدّر المشهد وهو يردد “جاتلنا أوامر عليا بتصفيتكم”. وحين اشتكى بعض الإخوان لمأمور السجن من التضييقات، قُيّد المشتكون بسلاسل حديدية. بعد ذلك، نجح الإخواني علي حمزة في الاستيلاء على سلسلة مفاتيح العنابر من رجال الأمن ونجح في فتح أحد عنابر المعتقلين الإخوان فخرجوا وساد هرج ومرج في ليمان طرة.
بعدها حدثت مفاوضات بين مأمور السجن والإخوان المعتقلين انتهت بدخولهم إلى عنابرهم. لكن في الليل، جاء عدد من الضباط وأطلقوا من وراء القضبان النيران على عدد من المعتقلين وكان سلومة أبرز مَن قام بعملية التصفية التي أسفرت عن 16 قتيلاً و22 مصاباً بإصابات حرجة.

معتقل الواحات

في عام 1959، ألقت قوات الأمن القبض على عدد كبير من الشيوعين، في ما أطلق عليه في أدبيات الشيوعين “التغريبة” التي استمرت خمسة أعوام، وكان محمود السعدني من بين المعتقلين ووثق تلك الفترة في كتابه “الطريق إلى زمش”، وكانت أولى محطات اعتقاله في سجن القلعة، ويروي أنه بعد قضاء ستة أشهر هنالك، انتقل مع مجموعة إلى معتقل الواحات، ولم يكن قد ذاق العذاب بعد حتى كان أول أيامه في المعتقل الجديد: فوجئ بنداء في منتصف الليل كانت نتيجته خلع الملابس وجلوس المعتقلين “في وضع الكلب” ومؤخراتهم متوجهة نحو الضابط عبد العال سلومة الذي جلس على كرسي يضحك ويضرب بعض المؤخرات بالعصا.
ويكمل السعدني أن مَن تعرّضوا لتلك الإهانة كانوا أساتذة جامعات ومهندسين وعمال، ومنهم مفكرون وفنانون وصحافيون، لكن لم يكن كل ذلك يشفع لهم.

شنق سيد قطب

كان عبدالناصر أول من سن سنن شنق وقتل المفكرين؛ مع سن جرائم تفصيل التهم وتزييف الأحكام القانونية وإلغاء العدل، وتأصيل الدكتاتورية والاستبداد في مصر، كما كان عصره أول من شهد جرائم ملاحقة ومطاردة وإبادة المعارضين لحكمه وبخاصة الإسلاميين منهم، ونظراً للتكتم الشديد على تلك الجرائم فلا يعرف بالتحديد كم كانت أعداد آلاف القتلى في هذه الإبادات التاريخية.
ففي عام ١٩٦٥ جرت محاكمة اتهم فيها مئات الإخوان بمحاولة إعادة إحياء التنظيم، وكان من بينهم المفكر سيد قطب الذي حكم عليه بالإعدام هو ويوسف هواش وعبدالفتاح إسماعيل، وتم تنفيذ الحكم بحقهم الصادر من محكمة عسكرية عام ١٩٦٦، كما حُكم بالإعدام على سبعة آخرين خُفف عنهم الحكم إلى المؤبد، كما صدرت أحكام بحق باقي المتهمين، بدأت من عشر سنوات حتى الأشغال الشاقة المؤبدة.
ولم تكن هذه هي المحاكمة الوحيدة التي تعرض لها الإخوان في عهد عبد الناصر للإعدام، وإنما كان عام 1954 موعد تنفيذ أول إعدام جماعي لأعضاء الجماعة الإخوان المسلمين؛ بتهمة محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في “حادث المنشية” الشهير، حيث حُكم بالإعدام على 6 من قيادات وأعضاء الإخوان؛ هم: محمود عبد اللطيف، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير، ومحمد فرغلي، وعبد القادر عودة.

الهضيبي والكلاب

ويحكي الصحفي والكاتب مصطفى أمين، في رسائله التي دونها وهو أسير في سجون عبدالناصر، عن المستشار حسن الهضيبي، المرشد السايق لجماعة الإخوان، وهو جالس بين الكلاب، حيث أنه كان زميلاً لمصطفى أمين في محبسه، وقد اختلس أمين ساعات يتبادل فيها الحديث مع المستشار، حكى فيها الهضيبي كيف تمّ تعذيبه أول الأمر بوضعه مع 15 كلبًا في زنزانة واحدة لأيام.
كما حكى عن كيف مُنع الهضيبي من الدواء والثوب والفرش، وكيف عوقب كل مسجون حاول الحديث معه أو مساعدته، حكى عن أبشع أشكال التعذيب التي لا نتصورها في أصعب كوابيسنا وقد اقترنت جميعًا بالإخوان.

تعذيب زينب الغزالي

ومن بين أقوال زينب الغزالي في كتابها “أيام من حياتي” تقول: “دخلت إلى ساحة السجن الحربي، وجدت الإخوان معلقين في ساحة السجن الحربي، معلقين كالذبائح على صلبان من الخشب، والمجرمين يضربونهم بالكرابيج، فقلت لهم صبرًا يا أبنائي إن موعدكم الجنة”
تحكي زينب الغزالي عن التعذيب التي تعرضت له في السجن الحربي فتقول: “وما مروري إلا دقائق قليلة حتى فتح باب الزنزانة مرة أخرى وامتلأت بحمزة البسيوني وصفوت وجندبين آخرين وانطلقت القذارة من فم حمزة البسيوني وقال : “يا بنت الــ. .. أنقذي نفسك وقولي كل شيء. اعترف الهضيبي، واعترف سيد قطب..” ثم قال مهددا والشرر يتطاير من عينيه : ستعرفين كيف أنتزع منك كل ما نريده ستتكلمين أم لا؟.

وتحكي قائلة: “ثم التفت إلى صفوت وقال: نفذ الأوامر يا صفوت.. ومن يعص الأمر من أولاد… مشيرا إلى الجنديين حوله إلى المكتب فورا . . وتولى صفوت إفهام الجنديين مهمتهما البشعة بأسلوب داعر صارخ الفجور، فقال لأحدهما في مجون: نفذ التعليمات يا ابن… بعد إغلاق الزنزانة، وبعد أن يتم التنفيذ، ادع زميلك ليقوم بدوره كذلك . . مفهوم ؟! ! ثم أغلق الزنزانة وانصرف “.

وأضافت: “جلس الرجل يتوسل إلى أن أقول ما يريدون لأنه لا يريد أن يؤذيني، ومن جهة أخرى فإن عدم التنفيذ يلحق به ضررا بليغا وايذاءً جسيما.. قلت له بكل ما أوتيت من قوة : إياك أن تقترب منى خطوة واحدة . . إذا اقتربت ، سأقتلك . . سأقتلك . . سأقتلك ، فاهم ! ! .
كنت أرى الرجل ينكمش ويتقاعس غير أنه أخذ يقترب في خطوات ، ولم أدر إلا ويداي حول رقبته ، وأنا أصرخ بكل صوتي : “بسم الله ، الله أكبر. . وغرزت أسناني في عنقه ، وإذا به ينفلت من بين يدي، ويسقط تحت قدمي خائرا، يخرج من فمه زبد أبيض كرغاوى الصابون . . سقط الوحش تحت قدمي، جثة هامدة لا تنبض إلا بهذا الزبد الأبيض”.

فنون التعذيب في السجن الحربي

الشيخ يوسف القرضاوي، كتب في أحد مقالاته بعنوان “إلى السجن الحربي”، إن التعذيب في السجن الحربي جمع “طرائق القديمة للتعذيب، والطرائق الحديثة، المستوردة من النازية والفاشية والشيوعية التي تفننت في أساليب تعذيب البشر وإذلالهم”.
يروي “القرضاوي”: “عندما دخلت باب السجن الحربي كان جنود السجن يرقبوننا على أحر من الجمر، ليستقبلونا بالتحية اللازمة لأمثالنا: بالكرابيج تلهب ظهورنا، وبالشتائم تخرق أسماعنا، وبالمشاهد الرديئة تؤذي أبصارنا.

وكان من أدوات التعذيب التي استخدمها زبانية السجن الحربي، الكلاب المتوحشة، يسلطونها على المعتقل، لتنهش من لحمه، وقد دربوها على ذلك، حتى أصبحت مسخرة لهم في مهمتهم، ومع هذا كثيرا ما كانت الكلاب لا تستجيب لهم في إنفاذ ما طلبوه منها من شر وإيذاء، وقد جرى هذا مع أكثر من أخ من الإخوان الذين أغروا بهم الكلاب، فكانت الكلاب خيرا منهم وأرق وأرقى.
منهم الطبيب مصطفى عبد الله، حيث جيء بالدكتور مصطفى من القاهرة، وأدخلوه في زنزانة انفرادية، وأدخلوا معه الكلب بعد أن جوعوه، ولكن يبدو أن الكلاب بفطرتها تحس بالإنسان الطيب، حيث أنهم بعد مدة فتحوا الزنزانة لينظروا مدى الجراح التي أصيب بها الدكتور، فوجدوا أن الكلب يجلس أمام الدكتور في وداعة وسكون، والدكتور مشغول بالذكر والتسبيح والاستغفار.
وكان الذين يموتون تحت التعذيب، يلفون عادة في بطانية من بطاطين السجن، ويحمله بعض الجنود، ثم يذهبون في صحراء العباسية ليحفروا له حفرة، ثم يوارونه التراب، لم يغسل، ولم يكفن، ولم يصل عليه أحد. ثم يكتب أمامه: أفرج عنه يوم كذا!! وبذا يبرأ السجن من عهدته. ومن ذا سيحاسبهم

الشيخ كشك

ويحكي الشيخ كشك عن فترة اعتقاله في عهد عبدالناصر، بأنهم كانوا يستخدمون الصدمات الكهربائية، ويطفئون أعقاب السجائر في أجساد المساجين.
روى كشك، أنه في أحد المرات، قُبض على أحد من المنتمين للتيار الإسلامي، وجاء أمام السجان، فسأله عن شيء ما، فأجابه بأنه صائم، فخلع السجان ملابسه، وتبول في فم السجين.
كما قال في أحد خطبه: “لا أنسى عندما كان يؤتى بالنساء في السجن الحربي، عاريات كما ولدتهن أمهاتهن، ثم تُطفئ أعقاب السجائر في فروجهن”، مضيفًا: “أليس فرعون هذا أشد من فرعون موسى”.

عهد أنور السادات

في عهد أنور السادات وصل عدد أوامر الاعتقال الصادرة من أجهزته السلطويّة أكثر من 19 ألف أمر اعتقال، إلا أنه لم يتعرض المعتقلون لما تعرض له نظرائهم أيام جمال عبد الناصر بسبب اختلاف المرحلة ورفع السادات لشعار سيادة القانون وقفله للمعتقلات، والذين اعتقلوا أيام السادات وتعرضوا للتعذيب لم يصل بهم التعذيب لدرجة الموت.
وبالتالي فلا يذكر أحد أنه تم الإبلاغ عن حالات انتحار أو اختفاء لأحد من المعتقلين السياسيين في عصره، أما الزنازين فقد تم تحسينها نسبيا ولكنها بقيت مثل كل السجون المصرية أقل كثيرا من مثيلاتها فى دول أقل منا شأنا.

اعتقالات سبتمبر

أصدر السادات فى الأشهر الأخيرة من حكمه قرارا بالتحفظ على قرابة ثلاثة آلاف مصرى، وقد طالت الاعتقالات صفوف المعارضين جميعًا، ولم يسلم منها أي طيف سياسي، حيث طالت عددا من الكتاب والصحفيين والسياسيين وأكثرهم من الإسلاميين، كان من ضمنهم سبعة وزراء سابقين، كما كان من كما تم إغلاق بعض الصحف غير الحكومية.
كان بين أسماء المتحفظ عليهم عدد من القساوسة قد يجاوز الثمانية، كانت المرة الأولى التى يقبض فيها على قساوسة فى مصر، أما البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية فقد عزل من منصبه وتم نفيه إلى دير وادى النطرون مع 16 قسيسا آخر، كان هذا بديلا أفضل من السجن الذى نال الآخرين.
ضمت القائمة أسماء علماء دين إسلامى كبارا مثل المحلاوى، كشك، حافظ سلامة الذى لم يغفر له دفاعه عن السويس وحصوله على أرفع وسام عسكرى منحه له السادات نفسه.
أما قادة الجماعات الإسلامية فى كل الجامعات فقد كانوا الأكثر عددا فى القائمة مثل د. عبدالمنعم أبوالفتوح وعصام العريان وكرم زهدى وأبوالعلا ماضى، وحلمى الجزار وغيرهم.
ويزعم السادات بعد ذلك أن الهدف من هذه الاعتقالات تهدئة الجانب الإسرائيلى بالقبض على معارضى “اتفاقية كامب ديفيد” حتى يتم تسليم العريش لمصر بسلاسة ثم يتم الإفراج عنهم، إلا أنه بعدها بفترة قليلة وقع حادث اغتيال السادات.

انتفاضة الخبز

انتقاضة الخبز أو “انتفاضة الحرامية” كما أطلق عليها السادات، بعد الاعتراض اعتراضا على القرارات الاقتصادية التي اتخذها الرئيس من أجل رفع الدعم عن المصريين، وحدثت احتكاكات مباشرة بين القبضة الأمنية للنظام ممثلة في الداخلية وعامة الشعب، فتم اعتقال نحو 9300 شخص كان أغلبهم من صفوة مثقّفى ومفكّرى ومستنيرى البلد ورموزها الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة والفكرية
تم تلفيق الاتهامات لأغلبهم بالاشتراك في مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم وهي الاتهامات التي أثبتت النيابة العامة كذبها فيما بعد.

نزول الحرس إلى الجامعات

يعتبر اللواء النبوي إسماعيل أشهر وزراء داخلية مصر في فترة حكم الرئيس السادات، حيث تولي حقيبة الوزارة خلفا للواء السيد فهمى، ومعه شهدت مصر مرحلة جديدة تماما في تعامل وزارة الداخلية مع الحياة السياسية واشتهرت بتعدد حالات الاعتقال وتراجع الحياة الحزبية تماما، إلى أن بدأت الذراع الأمنية في الامتداد لكافة مناحى الحياة، وحدثت أبرز مظاهرة في عهده بعد نزول الحرس الجامعى إلى جامعات مصر، وبدأ التدخل الأمنى في انتخابات اتحاد الطلاب، كما شهدت هذه المرحلة أيضا تزويرا كبيرا في انتخابات مجلس الشعب عام 1979 بالإضافة إلى عدد من من الاستفتاءات المزورة مثل الاستفتاء على قانون “العيب” الذي أصدره السادات.

حسني مبارك

يقول المعتقل السياسي نبيل المغربي عن فترة اعتقاله في عهد مبارك: “كل ما يخطر وما لا يخطر على عقل بشر من أنواع التعذيب، الصعق بالكهرباء والجلد والتعليق وغيرها من أشكال التعذيب، إن ما كان يمارس من تعذيب داخل السجون المصرية كان أشد وطأةً وأقسى مما قرأناه عما كان يحدث في غوانتانامو، أو “أبو غريب”، سجون مبارك جرى فيها ما لم يعلم الناس عنه شيئاً، فقد كانوا يحتجزونني داخل دورة مياه مليئة بالنشادر ولا يدخلها الأكسجين وكنت أقضي أياماً بحثاً عن ثقب أتنفَّس منه، ولذا مات العشرات ممن كانوا معتقلين مثلي بالدرن نتيجة لذلك”.

انتحار أم اغتيال سياسي

والشائع أنه في عهد جمال عبد الناصر لم يعلن عن منتحرين سياسيين في السجون رغم كثرة المعتقليين والمسجونيين السياسيين في عصره، ولكن الذي شاع أنه كان يجري قتل معتقلي الإخوان المسلمين والشيوعيين تحت التعذيب في السجون ثم يتم دفنهم في الصحراء ويدون في الأوراق أنه هرب من السجن. أما في عهد مبارك فقد أعلنت داخليته العديد من حالات الانتحار بين المعتقلين إلا أنه كان يتم تكذيب تلك الروايات من قبل أهالي المعتقلين فيما بعد

كمال السنانيري

أول من ذكر انتحاره كان في ثاني شهر من حكم مبارك هو كمال السنانيري القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين والذي تم اعتقاله مع غيره من المعارضين بقرار السادات في 5 سبتمبر1981م.
وتعرّض السنانيري في أثناء اعتقاله لتعذيب رهيب؛ أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وكان قد تجاوز الستين من عمره، لكن إدارة السجن أبلغت مكتب النيابة العامة بالمعادي أنه وجد في زنزانته مشنوقًا في فوطة علقها الفقيد في أسفل حوض الطنبور الموجود في الزنزانة صباح 8 نوفمبر1981م.
ورفضت أسرة السنانيري وجماعة الإخوان الرواية الأمنية للحدث، وقالوا كيف ينتحر رجل مؤمن كالسنانيري؟ وكيف صبر في سجون جمال عبد الناصر على أهوال التعذيب وسوء المعاملة عشرين عامًا ثم يأتي اليوم لينتحر بعد اعتقاله بشهرين فقط؟ واعتبروها عملية اغتيال سياسي.

سليمان الخاطر

سليمان خاطر جندي الأمن المركزي الشرقاوي الذي وُجد صريعًا في زنزنزانته بالسجن الحربي بعدما كان أدين بقتل سبعة من الإسرائيليين في سيناء بسلاحه الميري في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.
وكالعادة كانت الرواية الرسمية أنه انتحر بينما رفضت أسرته والعديد من وسائل الإعلام هذه الرواية، وتساءلت أسرته عن سبب طلبه لكتبه الدراسية قبل موته بيوم فلو كان سليمان خاطر شخص يميل للانتحار فلماذا طلب كتبه الدراسية وطلب من أهله قبل مصرعه بيوم عمل الإجراءات الرسمية اللازمة كي يلتحق بالامتحان هذا العام؟ كل هذه كانت تساؤلات أسرته وشكوكهم التي روجتها وسائل صحف المعارضة في ذلك الحين.
وقد اندلعت مظاهرات طلابية عارمة في ذلك الحين احتجاجًا على رواية انتحاره وخاصة في جامعة الزقايق حيث كان سليمان خاطر منتسبًا لها، ومرة أخرى ظل الوضع كما هو عليه ودُفن سليمان خاطر في حراسات أمنية مشددة ولم تقبل اسرته رواية الحكومة، ولم تتنازل الحكومة عن روايتها بأنه مجرد انتحار عادي لسجين سياسي في سجنه.

 

أيمن اسماعيل

ومن الحوادث الأخيرة والمشهورة حول مقتل مساجين أو معتقلين سياسيين في السجن واعتبار إدارة السجن أنهم انتحروا مصرع أيمن إسماعيل والذي كان متهمًا في قضية الدكتور أيمن نور الشهيرة، وقد استمد مصرع أيمن إسماعيل شهرته من شهرة قضية ومكانة الدكتور أيمن نور وحساسية قضيته التي يعتبرها الكثيرون صراعًا سياسيًا بين أيمن نور وجمال مبارك شخصيًا على انتخابات الرئاسة عام 2011م.
أما العديدون الذين لقوا حتفهم في السجن ولم يحظوا سوى بخمسة سطور في صفحة الحوادث في إحدى الصحف فهم كثيرون ويصعب إحصائهم أو قل إن شئت الدقة فإن إحصائهم من السهل الممتنع. لماذا هو من السهل الممتنع؟ هو من السهل لأن كل ما يحدث في السجون أو أماكن الاحتجاز يتم تقييده في دفاتر وسجلات رسمية،

محمد البلتاجي

محمد البلتاجي الذي كان مخرجًا إذاعيًا وتم اتهامه في قضية تنظيم الجهاد الكبرى إثر اغتيال الرئيس السادات عام 1981م، ولكن المحكمة برأته في نهاية عام 1984م.
وبعد الافراج عنه بشهور قليلة تم اعتقاله ووجد صريعًا في زنزانته الانفرادية بسجن استقبال طرة وقالت إدارة السجن أنه انتحر عبر صعق نفسه بالكهرباء، بينما رفض عبود الزمر في تصريح صحفي له الرواية الأمنية واتهمهم بقتله، وكان البلتاجي من أصدقاء الزمر في السجن.

أشرف سعيد

وفي عام 2005م أعلنت أجهزة الأمن أن أشرف سعيد قد انتحر في زنزانته بضرب رأسه في جدران الزنزانة حتى توفى، وكان قد اعتقل على خلفية علاقته بمن قاموا بتفجير الأزهر وعبد المنعم رياض في نفس العام.
1ض ولم يقبل زملاء أشرف في السجن رواية إدارة السجن كما لم تتراجع إدارة السجن عن تأكيدها بأنه انتحر كأي منتحر، وتظل هذه القضية مظلومة ليس بسبب الخلاف حولها وعدم القطع فيها برأي يستريح له الرأي العام والتاريخ؛ بل أيضًا بسبب أن أيًا من منظمات حقوق الإنسان الذين تعج بهم البلاد لم تسعَ لتوثيق هذه الحالات وبحثها و إعلان نتائج موضوعية بشأنها.

سجن الوادي الجديد

وبعد افتتاح سجن الوادي الجديد بشهر واحد والذي افتتح للسياسيين في فبراير 1995م لقي ستة معتقلين مصرعهم في عنبر التأديب بالسجن وكان أحدهم المعتقل الإسلامي عادل طه الذي قيل أن أحد ضباط السجن (م.ع) كان قد توعده قبيل نقله لسجن الواحات بيوم.
وتراوحت روايات السجن بشأن هؤلاء الستة وغيرهم ممن لقوا حتفهم بسجن الواحات وغيره من السجون الجديدة التي بنيت كلها في الصحراء بين الانتحار أو الموت بأمراض.
ولم تكن أجواء الأعمال المسلحة للجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد وقتها ضد رموز الحكم والسياح تسمح لأحد بأن يتظاهر أو يتسائل كما حدث أيام سليمان خاطر لكن تمت عدة إجراءات تشير لعدم رضا جانب من الأجهزة الأمنية نفسها عن ما حدث إذ أمرت نيابة الواحات بغلق عنبر التأديب بالسجن، وحتى عندما أعيد افتتاحه بعد عدة شهور لم تسمح إدارة السجن بوضع السياسين فيه وظلت على هذا الحال لأكثر من عام، ومن ناحية أخرى قامت الإدارة العامة للسجون بنقل مدير منطقة السجون التابع لها السجن وكان برتبة لواء ووضعت مكانه لواء جديد.

 

الداخلية سيدة الشارع

وكان التعذيب في عهد مبارك أحد أبرز سمات جهاز الشرطة، حيث اشتهرت سجون أمن الدولة بمقابر المعتقلين السياسيين خاصة الإسلاميين منهم، وتورطت شرطة مبارك في ما يُعرف بحفلات التعذيب والعنف الممنهجة ضد المواطن، سواء كان سياسيًا أو شخصا عاديا لا ينتمي لأي فكر سياسي.
في عام 1998م، اعتدى أحد أفراد الشرطة على سيدة من قرية النزلة، فقام بعض من صبية القرية بالدفاع عنها، لكنّ الشرطة لم ترضَ أن يحاول أحد المواطنين الدفاع عن سيدة ضد ضابط الشرطة، الذي من المفترض به حمايتها.
وكان من تبعات ذلك الموقف، أن تعرضت القرية الكامل لحصار من قبل الشرطة، وقامت بإشعال النيران في منازل بعض الأهالي، كما تم تخريب محال التجار، وأُطلقت القنابل المسيلة للدموع والخرطوش على أهالي القرية.
وقبل 4 سنوات من “ثورة يناير”، انتشرت العديد من مقاطع الفيديو لضبَّاط الشرطة، توثق تعذيبهم للمواطنين داخل السجون والمعتقلات، ومنها حالة هتك عرض مواطن وتعرية جسده، كما سُجل عدد كبير من القضايا لتعدي ضباط من الشرطة على محامين وقضاة، وحتى ضباط من الجيش، لكن أحدًا لم يكن يتحرك.
ومنذ عام 1993، وصل عدد حالات التعذيب في مصر حتى 2002 إلى أكثر من 1677 حالة رصدها مركز النديم، وفى عام 1997 رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان 57 حالة تعذيب توفى منهم 12 من جراء التعذيب، و9 نساء اغتصب بعضهن واحتجزن دون سبب واضح، كما وثقت المنظمة 167 حالة وفاة نتيجة التعذيب حتى 2009.
وتزايدت حالات التعذيب فى العشرة سنوات الأخيرة لمبارك ففى 2002 رصد مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء 1124 حالة تعذيب داخل السجون، وفى الفترة من 2003-2006 رصد النديم 7 حالات وفاة داخل مقار أمن الدولة، و47 حالة داخل مناطق الاحتجاز، وأكثر من 245 ضابط اشتركوا فى التعذيب لأسر كاملة فى بعض الحالات.
وأحصت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2007 ما لايقل عن 53 حالة اختفاء قسرى فى الفترة من 1992-2007.

إمبراطور التعذيب

يعتبر اللواء حبيب العادلي أشهر أباطرة السجون في عهد مبارك الذين اتخذوا من التعذيب والانتهاك قانونا يساعد على الاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج، الذي كان أبرز سمات عصره مما أدي إلى حالة من الغضب الشعبي تحول بعد ذلك إلى ثورة أطاحت بنظام مبارك، وتغير شعار الشرطة في عهده من “الشرطة في خدمة الشعب”، إلى “الشرطة والشعب في خدمة الوطن”.
وكانت حوادث التعذيب المتكررة، والظلم المتصاعد، إلى جانب تاريخ طويل من القمع والعنف الذي سردنا بعضه سابقًا، الشرارة التي دفعت جموع المصريين للنزول للشوارع والقيام بثورة 25 يناير 2011م.

العادلي تفنن ورجاله في استخدام مصطلح ” الأمن القومي” والذي تم بموجبه اعتقال الآلاف بدون أي وجه حق وبدون تهمة أو محاكمة في الكثير من الأحيان وتعذيبهم بصورة أدت إلى وقوع الكثيرين منهم قتلي، مثل الشاب السيد بلال الذي توفي داخل أحد مقار أمن الدولة بسبب التعذيب، بالإضافة إلى الشاب خالد سعيد الذي قتل على يد اثنين من مخبري الداخلية بالإضافة إلى غيرهما من القتلي المجهولين الذين خافت أسرهم حتى من الإعلان أنهم قتلوا على يد الشرطة.

عبدالفتاح السيسي

يستخدم الجلادون في السجون المصرية أساليب الإعدام الوهمية، والضرب بالصعقات الكهربائية، وذلك جزء من حملة تعذيب ضد الناشطين المعارضين

منذ عام 2013 ونظام السيسي يمارس أنواعا من القمع المروع، غدا فيه التعذيب والاختفاء القسري ممارسة شائعة، حيث تتفن زبانيته في أساليب التعذيب من إذلال وصعق بالكهرباء وحرق واستغلال جنسي.
وإذا كان عناصر جماعة الإخوان المسلمين، هم الضحية المفضلة لهذا الاضطهاد، الا أنه لم يسلم غيرهم من الناشطين العلمانيين والليبراليين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والمحامين وحتى مشجعي كرة القدم أو ربما أشخاص ألقي عليهم القبض عن طريق الخطأ، كل هؤلاء أيضا فريسة لهذه الآلة القمعية الجائرة.
وتقدر المنظمات الدولية أن أكثر من ستين ألف شخص قد ألقي بهم في غياهب السجون لأسباب سياسية منذ عام 2013.

التعذيب التجريبي

وتنقل صحيفة “التايمز” البريطانية عن ناشطين في مجال حقوق الإنسان قولهم إن النظام المصري يقوم بما أسماه سجين “التعذيب التجريبي”، حيث نقلت عن السجين الإيرلندي من أصل مصري إبراهيم حلاوة، الذي اعتقل عام 2013.
ويقول حلاوة إن التعذيب التجريبي يتم في سجن وادي النطرون، حيث يتم تقييد يعض السجناء عراة في وضع صلب في قاعات السجن، فيما يتم تعريض آخرين للصعقات، مستخدمين حمامات مياه لزيادة الألم.
ويورد التقرير نقلا عن حلاوة قوله إنه وزملاءه السجناء تعرضوا للضرب المستمر من حرس السجن، واضطروا لأكل الدود حتى يحصلوا على البروتين الذي يفتقدونه بسبب سوء التغذية.
وأضاف أنه جرد من ملابسه وانتهك جنسيا، وتم الدوس على جسده وهو عار.كما أنه يستيقظ كل يوم على أصوات السجناء الآخرين الذين يعذبون، ويقول إن ذلك أسوأ من الضرب الذي يتعرض له.
وتذكر الصحيفة أن حلاوة المولود في دبلن، يعتقل في زنزانة دون نافذة أو إضاءة كافية، ويصف مكان اعتقاله بأنه المكان الذي تتم فيه ممارسة وتجريب التعذيب، وأضاف: “هذا مكان إن دخلته فلن تخرج منه أبدا”.
وبحسب روايات المحتجزين، عن أماكن الاحتجاز يلقى بالمتهمين قيد التحقيق على الأرض فى زنزانة مظلمة تشبه القبر، ببطانية واحدة، أو حتى بدونها، ومن الممكن أن يكون ذلك في فصل الشتاء، مقيدي اليدين من المعصمين، من أمام الصدر، أو من خلف الظهر، وفي مقر الأمن الوطني يتم تقييد القدمين أيضا، كما تتم تعمية العيون دائما، عن طريق ربطها بقطعة قماش قذرة.”
تُغمر الزنانزين، التي تضم معتقلين مقيدين، بالمياه القذرة في فصل الشتاء، فيما المراوح تعمل بلا توقف، في درجة حرارة منخفضة، تسمى هذه الزنازين الثلاجة، ويتم التعذيب عن طريق الضرب الشديد. الصعق بالكهرباء، التعليق في باب الغرفة، بحيث لا تصل القدمان إلى الأرض، التعليق في مكان عال، مع تقييد اليدين، ووضع أحمال ثقيلة على الرجلين، الشتم، والإهانة، والبصق على الوجوه، المنع شبه التام من الأكل والشرب.

سجون سرية

تشهد أعداد السجون في مصر في الآونة الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق، في ظل حالة القمع التي يمارسها نظام السيسي ضد المعارضين ومنتقدي سياساته، حيث ارتفع عدد السجون التي تم إنشاؤها في عهده إلى 26 سجنًا من أصل 68 سجنًا في عموم البلاد.

وعلاوة على هذه السجون، فهناك 382 مقر احتجاز داخل أقسام ومراكز الشرطة في مختلف المحافظات، إضافة إلى السجون السرية في المعسكرات، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

ومن أهم السجون التي أُنشئت في عهد السيسي سجن الصالحية العمومي الذي خصصت له محافظة الشرقية مساحة عشرة أفدنة عام 2014، وسجن 15 مايو المركزي بالقاهرة الذي افتتح منتصف 2015 على مساحة 105 آلاف متر مربع.
وشملت قائمة السجون الجديدة سجن ليمان شديد الحراسة بمحافظة الدقهلية على مساحة 42 ألف متر، وسجن دمياط المركزي، وسجن مركزي تابع لقسم ثاني بنها، وسجن العبور، وسجن طرة (2) شديد الحراسة بمجمع سجون طرة، وليمان المنيا، وسجن عمومي المنيا شديد الحراسة.

كما ضمت القائمة سجن الجيزة المركزي، ويقع على طريق مصر إسكندرية الصحراوي في مدينة 6 أكتوبر، وسجن النهضة في منطقة السلام، شرقي القاهرة، ويتكون من طابقين على مساحة 12 ألف متر مربع، إضافة إلى السجن المركزي في مبنى قسم شرطة الخصوص في مديرية أمن القليوبية، وسجن منطقة الخانكة.
وينقل التقرير عن عائلات السجناء السابقين فولهم إن الحكومة تواصل فتح سجون سرية جديدة، واحد منها هو سجن “الضباط” في معسكر الجلاء، وهو مركز الجيش الميداني الثاني في مدينة الإسماعيلية، ويحتجز فيه ما بين 400 إلى 600 شخص.
وبحسب الصحيفة، فقد وصف معتقل أفرج عنه في كانون الأول/ ديسمبر، ما تعرض له من تعذيب وانتهاكات جنسية وضرب بالعصي الكهربائي وطريقة التحقيق معه حول انتماءاته السياسية، مشيرا إلى أن السجن المكون من طابق واحد يحتوي على ست زنازين. ويقول المعتقل: “كانت مساحة زنزانتي ما بين 9 أمتار طولا وخمسة أمتار عرضا، وكان فيها 137 شخصا”. ويعتقد أن هناك سجنا مماثلا في مقر الجيش المصري الثالث في مدينة السويس.
ويفيد التقرير بأن وزارتي الداخلية والدفاع المصريتين نفتا اتهامات التعذيب، وقالتا إنه لا توجد هناك سجون سرية في مصر. وقال متحدث رسمي: “يزور ممثلون عن مجلس حقوق الإنسان السجون بشكل دوري. ومنذ بداية عام 2015 قاموا بـ16 زيارة، ولا يوجد تعذيب أو سوء معاملة في سجوننا”.

أسوأ سجون العالم

وتُصنّف السجون المصرية، طبقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان، على أنها من أسوأ السجون في العالم بسبب أوضاع الاحتجاز اللاإنسانية والمعاملة اللاآدمية من قبل مسؤولي السجن الذين يداومون على امتهان كرامة المعتقلين وإذلالهم، وإذلال ذويهم فيما يندرج تحت الاستخدام السيء للسلطة، ومما يزيد تلك الأوضاع سوءًا هو انعدام الرقابة الإدارية والقانونية والذاتية بسبب فساد المنظومة الإدارية والأخلاقية التي ينتمي لها منتسبي وزارة الداخلية ومشرفي السجون.

وتزداد الانتهاكات داخل السجون المصرية ضد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، ويُحرمون من كل حقوقهم الطبيعية كمسجونين، ناهيكم عن تلفيق القضايا لهم ولذويهم، لدرجة أنه يوجد العديد من أفراد الأسرة الواحدة داخل السجن، ولا يُستثنى من ذلك النساء، والفتيات، والطلاب، وكبار السن.

وقد أكّد تلك الانتهاكات أحد أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان الصحفي الأستاذ محمد عبد القدوس بقوله بأن: العديد من السجناء السياسيين ينام داخل الزنزانة على الأسفلت ودون مرتبة ولا غطاء، والكثير منهم في الحبس الانفرادي، والزنزانة مغلقة عليهم ليل نهار، وممنوعون من صلاة الجمعة، وأقصى مدة لخروج كل هؤلاء من محبسهم ساعة واحدة على الأكثر، وبقية اليوم 23 ساعة داخل الزنازين، وحتى هذه الساعة اليتيمة يحرم منها العديد من السجناء.
والعلاج أي كلام والظروف الصحية بالغة السوء مما أدى إلى إصابة العديد منهم بأمراض مختلفة، وزيارات الأهالي ممنوعة تمامًا في سجون العقرب وملحق المزرعة بطرة، وكذلك في العديد من القضايا السياسية، والعديد من اللقاءات الأخرى تتم عبر التليفون! يعني ممنوع اللقاء المباشر بين السجين وأهله، وفي كل الزيارات التي يسمح بها تتم وسط حضور من المباحث، ويكتب المخبر كل كلمة تقال.

والطعام شيء سيء جدًا، وممنوع تلقِي أي أطعمة من الخارج، و”الكانتين” مغلق في العديد من السجون، فلا يجوز تلقي طعام غير وجبة السجن السيئة، والتي لا تمت بصلة إلى الكباب والكفتة، التي تم الترويج لها أثناء زيارة الوفد الإعلامي لسجون طرة.

والعديد من سجناء الرأي يذهبون إلى زنزانة التأديب لأتفه الأسباب، وحدِّث ولا حرج عن سوء أحوال هذه الزنازين، والتي لا تعرف منها الليل من النهار، ولا فارق في كل ما ذكرته بين الرجل والمرأة، وسجن القناطر المخصص للنساء فيها كل البلاوي السالفة الذكر، والجدير بالذكر أنه يضم العديد من الشخصيات النسائية البارزة، ويأتي على رأسهم المحامية المقتدرة هدى عبد المنعم، وعائشة خيرت الشاطر، التي تعاني من أمراض عديدة، وإهمال متعمد، والسيدة علا يوسف القرضاوي، وزوجة المناضل مجدي حسين، وإسراء عبد الفتاح، ورضوى محمد التي تم تلفيق تهم مضحكة لها أخيرًا، وغيرهن كثيرات.

الاختفاء القسري

كشفت منظمات حقوقية عديدة، أن عدد ضحايا الإخفاء القسري في مصر خلال الـ 6 سنوات الماضية منذ الانقلاب العسكري قد تجاوز 6000 حالة، ولاتزال أكثر من 100 حالة رهن الاختفاء القسري لعدة سنوات، و56 مواطنًا تعرضوا للاختفاء القسري، ثم تم قتلهم خارج نطاق القانون.
وأغلب المختفين من الشباب، ومن تيارات سياسية مختلفة، والعديد من الفتيات اللاتي لا يتجاوز أعمارهن العشرينيات، وفي حالات قتل المختفين قسريًا، يوجد شهود على أنه تم القبض عليهم من منازلهم، ومن كمائن أمنية، قبل الوقائع المذكورة في بيانات وزارة الداخلية التي تزعم قتلهم في تبادل لإطلاق النار.

ويستخدم نظام السيسي هذا الأسلوب مع بعض الرموز الإعلامية التي تفضح ممارساته، وتكشف زيفه، من أجل محاولاته الفاشلة للضغط عليهم وإسكاتهم، حيث تم إلقاء القبض على علاء زوبع، وإخفائه قسريًا، أخو الدكتور حمزة زوبع الذي يُقدم برنامج “مع زوبع” على قناة مكملين، والقبض على الدكتور عمرو أبو خليل وترويع أسرته ووالدته، وتلفيق التهم إليه، أخو الإعلامي هيثم أبو خليل الذي يُقدم برنامج “حقنا كلنا” على قناة الشرق.
ولم يكتف السيسي بذلك بل ألقى القبض على بعض أقارب وعائلة الإعلامي تامر جمال الذي يُقدم العديد من البرامج بشخصية عطوة كنانة والجوكر المصري، وقد سبق ترويع عائلة الإعلامي معتز مطر وإلقاء القبض على أخيه، وكذلك الإعلامي محمد ناصر.
كل هذه الممارسات التي يمارسها السيسي ضد مخالفيه، من اعتقال وقتل وإخفاء قسري، ستكون عاقبتها وخيمة عليه، وعلى كل من يعاونه في الداخل المصري وخارجه، وسيأتي اليوم الذي سيتم القصاص العادل لكل المظلومين عاجلًا أو آجلًا، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الإهمال الطبي

كانت وفاة الرئيس الشرعي محمد مرسي في قفص المحكمة بمثابة الواقعة الأكثر تعبيراً عن المستوى الذي بلغته أجهزة نظام السيسي من حيث انتهاكات حقوق الإنسان وسياسات الاعتقال العشوائي والاحتجاز التعسفي والإهمال الطبي الذي أودى بحياة 600 مسجون منذ سبتمبر 2013 حتى الآن، والادعاء بعد ذلك، كذبًا وزورًا، بأن السجون فيها خدمات فائقة
وما بين 3 يوليو 2013 ومايو 2015، بلغت الوفيات في السجون 170 معتقلا، بحسب لائحة أصدرتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، والتي أوضحت أن بعض المحتجزين توفوا جراء “تعرضهم للتعذيب حتى الموت، والبعض الآخر جراء الإهمال الطبي المتعمد بعدم تقديم العون الطبي”، فضلا عن “سوء الرعاية الصحية والفساد المستشري في إدارات السجون ومقرات الاحتجاز بأقسام ومراكز الشرطة”.
حالات الوفاة لم تتوقف عند هذا الرقم، فحسب بيان لمركز عدالة للحقوق والحريات، صدر في أبريل 2018؛ توفي 39 معتقلا في السجون المصرية في الفترة بين 2015 والربع الأول من 2018، وشهد عام 2017 النسبة الأكبر لحالات الوفاة، كما شهد سجن محافظة المنيا العدد الأكبر لحالات الوفاة، يليه مجمع سجن طرة في القاهرة، وكانت أبرز الأمراض التي عانى منها المتوفون السرطان والفشل الكلوي.
تزايد حالات الوفاة نتيجة الإهمال الطبي في السجون دفع مركز “النديم لمناهضة العنف والتعذيب” ومركز “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” إلى إصدار بيان مشترك بعنوان “يا تعالجوهم يا تفرجوا عنهم.. الإهمال الطبي في السجون جريمة”، متناولا واقع الرعاية الصحية للمسجونين في عدد من السجون المصرية، بالإضافة إلى شهادات السجناء وذويهم.

التقرير الصادر في مايو 2017 رصد تدني مستوى الخدمات الطبية داخل السجون، بالإضافة إلى غياب آليات المراقبة والمتابعة لأداء أطباء السجون، والنقص الحاد في أنواع كثيرة من الأدوية الضرورية داخل مستشفى وعيادة السجن، وصعوبة نقل السجناء إلى المستشفيات العامة خارج السجون.
وأشار التقرير إلى صعوبة الملاحقة القانونية لمرتكبي الإهمال الطبي داخل السجون، وخلُص إلى ضرورة تعديل التشريعات المصرية بحيث تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والعمل بشكل جاد على تطبيق القوانين على أرض الواقع، والتشديد على ضرورة وجود رقابة حقيقية معلنة ومستمرة على السجون لضمان تحسين الأوضاع.
وبشكل صريح، اتهمت منظمة “هيومن رايتس مونيتور” الأجهزة الأمنية “بالإمعان في قتل المعارضين والمعتقلين باحتجازهم في ظروف غير إنسانية ومنع الدواء عن المرضى منهم”.

نساء في سجون السيسي

بعض الإحصائيات التي وردت في تقارير حقوقية مصرية ودولية توثق جانبا من الانتهاكات التي تعاني منها السجينات في مصر. ومن ذلك ما ذكرته منظمة “الشاهد لحقوق الإنسان” –في تقريرها عن الحالة الحقوقية في مصر لعام 2018- من أن هؤلاء السجينات تعرضن للإخفاء القسري والسجن والإهانة والتحرش داخل المعتقلات، ومنع زيارة الأهالي ودخول الطعام والأدوية إليهن، وهي إجراءات تبدو ممنهجة.
وأضاف التقرير أن 69 امرأة مصرية سُجنت بسبب التظاهر السلمي أو لكونهن حقوقيات أو زوجات لمعتقلين أو تم اعتقالهن بطريقة عشوائية، وأن 259 سيدة تعرضن للإخفاء القسري، كما تم القبض على 66 امرأة تعسفيا وتعرضت 26 منهن للإخفاء القسري حتى ظهرن أمام النيابة في قضايا واهية، وأحيلت 25 سيدة للقضاء العسكري في قضايا مختلفة.
وقد وثق حقوقيون مقتل عشرات المصريات خلال المظاهرات أو لقين حتفهن بسبب الإهمال الطبي خلال الاعتقال، واعتقال أكثر من 2500 امرأة ما بين 2013-2017، وإدراج أكثر من 150 مصرية على قوائم الإرهاب حتى نهاية 2018، كما فصلت 500 طالبة مصرية من الجامعات لأسباب سياسية.
وقال المرصد الأورومتوسطي إن خمسة سجون مصرية مخصصة للنساء لا تتمتع بالحد الأدنى من معايير الحياة الإنسانية، وإن مقرات الاحتجاز لا تخضع للمحاسبة، هذا بينما صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي -في اليوم العالمي للمرأة- بأن المرأة المصرية هي “رمز القوة العطف والنبل والشجاعة والحياة الحب والجمال”.
وووجهت اتهامات للمجلس القومي للمرأة بمصر بأنه يتجاهل الشكاوى من تعرض المعتقلات لانتهاكات حقوقية جسيمة؛ لكن المجلس نفى ذلك وقلل من شأن التقارير الواردة بشأن تعرض النساء للإخفاء القسري والتعذيب.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *