By / 6 يونيو، 2021

السلطان محمود الأول السلطان الذي أعاد هيبة الدولة العثمانية

السلطان محمود الأول 

 

في السابع والعشرين من صفر من سنة 1168=1754 توفي في استانبول، عن 60 سنة، السلطان محمود الأول بعد أن أمضى 25 سنة على عرش السلطنة العثمانية، اتسمت بخوض الدولة العثمانية حروب كبيرة مع ثلاث دول هي إيران وروسيا والإمبراطورية النمساوية، وخروجها من هذه الحروب ظافرة منتصرة.

 

ولد السلطان محمود الأول في أدرنة سنة 1108=1696، وكان أبوه السلطان مصطفى الثاني . 

درس السلطان محمود على يد كبار العلماء في الدولة العثمانية من أمثال شيخ الإسلام فيض الله أرضروملي، وهو أول من بايعه عند جلوسه، ، ويلقب كذلك بالأحدب لوجود تحدب في ظهره، أما شخصيته فكانت تتسم بالعقل والوقار والدقة والحذر، وعلى قدر عال من الثقافة والخُلق، ويذكر المرادي أن السلطان محمود أرسل في سنة 1065 يطلبه إلى استانبول، فسار إلى أن وصلها: فقابله السلطان المذكور بوافر الإنعام ومزيد الاحترام، واجتمع به مرات، وأعطاه الأوامر السلطانية المتوّجة بخطه الشريف في مصالح الجِد، وصار له اعتبار تام من رجال الدولة وأركانها، ثم أذن له بالحج بدلاً عن السلطان المذكور، فحج بدلاً عنه في تلك السنة، ثم عاد بعد عودة بأمر سلطاني إلى اسلامبول، ونزل بالمكان الذي هيئ له من طرف الدولة كالمرة الأولى، واجتمع به ثانياً.

 

وفي البداية لم يكن السلطان الجديد يعاني من المتمرد بترونا خليل الذي أصبح الحاكم الحقيقي في البلاد، وكان بترونا خليل مغامراً جريئاً، ينحدر من ألبانيا، تقلب في الوظائف الوضيعة حتى عمل نادلاً في حمّام، ثم عمل جندياً عادياً وكان من محرضي العصيان بين الإنكشارية، وصار له نفوذ في الدولة لتأثيره على مواطنيه من الأنكشارية المنحدرين من ألبانيا، وهم الذين أطلقوا عليها لقب بترونا أي نائب الأدميرال، فلما جاء بالسلطان محمود للحكم ظن أن الأمور قد جرت على هواه، فأخذ باسم السلطان يعزل من يشاء ويعين من يشاء، وركب مع السلطان يوم تنصيبه ليحضر مراسيم تقليده سيف عثمان كما هي العادة، وكان وقحا يحضر أمام السلطان حافياً وبلباس الجندية العادي، في تهديد مبطن للسلطان.

 

 

وما كانت الدولة العثمانية لتقبل بمثل هذا الأفاك مسيطراً على أمورها، وبخاصة أن تصرفاته الفجة الحمقاء أثارت عليه استنكار العقلاء وحسد السفهاء، وكذلك تألب عليه رؤوساء الأنكشارية من غير الألبان، أضف إلى كل هذا انعدام الأمن في اسطنبول بسبب تعدي جماعة بترونا خليل على أموال الناس وأعراضهم، وما مرت سنة حتى لقي بترونا خليل مصرعه في أوائل 1144 بعد مواجهة حادة مع السلطان، فقد جاء خليل إلى الديوان وأملى أوامره على السلطان أن يعلن الحرب على روسيا، فرفض ذلك السلطان وأمر بخنقه، ثم أمر بقتل ساعده الأيمن ياناكي وبقتل كل الإنكشارية من أصل ألباني، ويقدر عددهم بحوالي 7.000 جندي، وانتهت بذلك سنوات الفوضى والتمرد.

 

وبعد أن انتهى السلطان من أمر بترونا خليل بدأت أمور الدولة في الانتظام، وعادت لمعالجة القلاقل على حدودها الشرقية مع الدولة الإيرانية الصفوية، فقد كان طهماسب الثاني ابن الملك حسين الصفوي، ويقال له طهماز كذلك، والمولود سنة 1116، قد استطاع في سنة 1142=1729 أن يستعيد حكم إيران بمساعدة الزعيم نادر شاه، وكان أول أهداف طهماسب أن يسترجع ما فقدته إيران من أراض في حروبها السابقة مع الدولة العثمانية، ولما لم تستجب الدولة العثمانية لمطالبه قام طهماسب بشن حملة لاسترداد يروفان هزمت هزيمة منكرة واستولت على مزيد من الأراضي، فطلب طهماسب الصلح، واتفق في منتصف 1144= 1732 مع الدولة العثمانية يتخلى لها بموجبه عن كل ما فتحته باستثناء مدن تبريز وهمذان وباقي إقليم لورستان، وبدأ لساسة الدولة العثمانية أنهم تخلصوا من التهديد الصفوي ليتفرغوا لروسيا القيصرية.

 

ولكن الرجل القوي نادر شاه رفض هذا الاتفاق، وعزل طهماسب في سنة 1145=1732 وعين ابنه الصغير عباس ملكاً، وسمي الملك الطفل عباس الثالث، ونصب نفسه وصياً عليه ونائباً للملك، ثم هاجم مدينة بغداد سنة 1146=1733 ليقايض بها، فهزمه الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم السابق عثمان باشا طوبال، فقام نادر شاه بتجميع قواته من جديد واتجه إلى الموصل فكركوك، ثم استولى على تفليس ويرَوفان مستغلاً انشغال العثمانيين بالحرب التي اندلعت مع روسيا في أول سنة 1149، فمال الصدر الأعظم علي باشا حكيم أوغلو للصلح، ولكن الحاشية اعترضت على ذلك، فأقال السلطان الصدر الأعظم ولكن خَلَفه إسماعيل باشا تابع ذلك وأجرى مفاوضات انتهت باتفاق استانبول في 11 جمادى الآخرة 1149=1736، الذي نص على اعتراف الدولة العثمانية بنادر خان ملكا على إيران، وعلى أن تعيد إليه الأراضي التي أخذتها في الحروب الماضية، وأن تكون حدود الدولتين كما تقرر بمعاهدة سنة 1049=1639 المبرمة في زمن السلطان مراد الرابع.

 

وفي أثناء هذه التطورات اندلعت الحرب بين روسيا وبين الدولة العثمانية في سنة 1149=1736، وكان السبب الظاهري للحرب ادعاء روسيا أن فرسان التتار وهم في طريقهم إلى جورجيا لينضموا للجيش العثماني في قتال الصفويين هاجموا بعض حلفائها، ولكن السبب الحقيقي كان انتخاب البرلمان البولندي الملك ستانسلاس الأول ملكاً على بولندا!

 

في 9 محرم 1149=1736 أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وهاجمت القوات الروسية يقودها المشير كريستوف فون مونيش النمساوي التحصينات العثمانية في القرم واستطاعت الاستيلاء على مدينة بخشي سراي، ولكنها تراجعت إلى الأراضي الأوكرانية بسبب صمود المدافعين من الأتراك صموداً بطولياً أضعف موجة الهجوم، واجتمع معه قلة الذخائر وانتشار الأوبئة بين جنودها، وبعدها بشهر قامت القوات الروسية البرية والبحرية بهجوم استولت فيه على قلعة أزوف، وحققت عدداً من الانتصارات هزمت فيها جيش خان القرم، ولكنها في النهاية اضطرت للانسحاب إلى أوكرانيا بسبب نقص الذخائر، وتسببت حملة القرم هذه في خسارة روسيا قرابة 30.000 جندي معظمهم مات بسبب المجاعة والأمراض.

 

وأتت الحملة الروسية في القرم من نهب وتحريق وتخريب ما يندى له الجبين، ونقل الأستاذ محمد كرد علي في مجلة المقتبس عن المؤرخ الفرنسي المركيز جابريل كاستلنو في كتابه أبحاث في التاريخ القديم والحديث لروسيا الجديدة، المنشور سنة 1820، والذي أهداه في المقدمة للقيصر الروسي اسكندر الأول: إن الحملة لم تشرف روسيا فإن بلاد القرم أُحرقت ودمرت، وربما كان مثل هذا العمل يغتفر على عهد البربر لما فطروا عليه من الجهل، ولكن إحراق المدن في القرن الثامن عشر، وتخريب أهم المباني والآثار، وتدمير المعابد والمدارس، وإدخال الظلام على العقول بإحراق خزائن كتب الأمة التي تريد الانتفاع بها في إنارة أفكارها، وإلقاء الشيوخ والنساء والأولاد طعمة للنيران، لا يُقصد منه الحرب بل إفناء شعب عن بكرة أبيه.

 

وفي سنة 1150=1737 أعلنت النمسا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت هجوماً على بلاد البوسنة والصرب والأفلاق، وهي اليوم رومانيا، ولكن الصدر الأعظم محمد باشا الذي كان قد تقلد منصب الصدارة في تلك السنة كان قد توقع ذلك وأعد له عدته، فلم تلق النمسا في هجماتها سوى الهزائم ومن أبرزها في أول الحرب معركة بانجالوكا، في البوسنة اليوم، حيث انتصر الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم السابق علي باشا حكيم أوغلو على الجيش النمساوي الذي قاده الأمير جوزيف أمير ساكس هيلدبرج هاوسن، رغم التفوق العددي للجيش النمساوي، وأبرزها في آخر الحرب معركة جيروكا في سنة 1152=1739 التي استخف فيها القائد النمساوي المشير واليس بالجيش العثماني وأمر خيالته بالهجوم عليهم فور لقائهم، فكانت النتيجة هزيمة ساحقة لهم ومقتل وجرح نصفهم، وأصبح الطريق إلى بلغراد مفتوحاً أمام العثمانيين الذين حاصروها قرابة شهرين، وأرسل الصدر الأعظم الذي كان على رأس الجيوش يعلم السلطان أن الجيوش النمساوية قد سحقت على كافة الجبهات، وطلب الإذن للهجوم على المجر واستعادتها، ولكن السلطان محمود في حذره المعهود لم يوافق على ذلك.

 

وكان لهذه الهزائم وقع سيء في البلاط النمساوي الذي كان يتوقع انتصارات سريعة حاسمة، وعزل المشير واليس عن رئاسة الجيش، ومالت النمسا ميلاً شديداً لإنهاء القتال، ووسطت فرنسا في ذلك، وبدأت التفاوض مع العثمانيين التي استغلوا رغبة النمسا في السلم العاجل، واستطاعوا التوصل في 16 جمادى الأولى 1152 إلى معاهدة، سميت معاهدة بلغراد، منحتهم كثيراً من التنازلات حتى الأراضي التي تنازلت عنها الدولة العثمانية في معاهدة بسّارويتز سنة 1130=1718، حيث أعادت النمسا إليهم كل ما احتلته من أراض في البلقان بما فيها بلغراد التي رجعت للعثمانيين بعد 22 سنة من خسارتهم لها.

وبعد انتهاء الحرب أبرمت الدولة العثمانية رسمياً مع السويد معاهدة دفاع مشترك في سنة 1153=1740، خشية أن يحل بها ما حل ببولندا التي صارت تحت النفوذ الروسي.

 

وكان من نتائج هذه الحرب أن ملك بولندا  أوغست الثالث مع كونه واقعاً تحت النفوذ الروسي بدأ في التقرب من الدولة العثمانية، وأكد لها أنه لن يصدر منه ما يهددها أو يسيء إليها، ولذا تحسنت علاقاتها معه واعترفت به ملكاً على بولندا وتبادلت معه المراسلات وأصدرت أوامرها لولاتها المتاخمين لبولندا ألا يفعلوا أي شيء من شأنه تكدير العلاقات مع بولندا.

 

وتحسنت علاقات الدولة العثمانية مع فرنسا تحسناً واضحاً، وحاولت فرنسا أن تضم إلى جانبها الدولة العثمانية، وبين سفيرها لدى الباب العالي فوائد تحالف الدولة على محاربة النمسا، وعرض عليها احتلال بلاد المجر واسترجاعها إلى أملاكها بحيث تعود حدود الدولة إلى ما كانت عليه من الاتساع أيام سليمان القانوني، وبذلك تستطيع احتواء روسيا و أطماعها التي لا تخبو، وبذا تخضد الدولة العثمانية شوكة أكبر عدوين لها: الإمبراطورية النمساوية وروسيا  القيصرية.

ولم تلق مساعي فرنسا نجاحاً يذكر في البلاط السلطاني الذي آثر ساسته ألا يدخلوا في حروب أخرى وبخاصة أنهم كانوا في خضم الاشتغال بالإصلاحات الداخلية.

من الناحية السياسية الداخلية، تعلم محمود مما جرى مع أسلافه على يد من تبوؤ منصب الصدر الأعظم حين تعاظم نفوذهم فحجروا عليهم أو خلعوهم، ولذلك كان يغير رؤساء الوزراء بصورة مستمرة، وفي فترة حكمه التي دامت 25 سنة أجرى 15 تغييراً  في هذا المنصب، وكان منصب شيخ الإسلام يسامي منصب الصدر الأعظم في الأهمية، وهو الذي يضفي الشرعية على قرارت الحاشية والصدر الأعظم، وقد أجرى محمود الثاني 12 تغييراً في هذا المنصب طيلة حكمه.

 

وأراد محمود الأول متابعة تجديد الجيوش العثمانية، فاهتم بالتصنيع العسكري فأنشأ المصانع والورش لصناعة المدافع والبنادق والألغام، وافتتح مدرسة الهندسة العسكرية وتأسيس سلاح المدفعية وصناعة المدافع والقنابل.

 

من إنجازات محمود الأول المعمارية بناؤه سنة 1740 كلية إلى جانب جامع أياصوفيا شملت مكتبة ومدرسة للأولاد وسكناً للطلبة، وبذلك اتسعت فكرة وقف المكتبات لتتضمن المدارس والمساجد، وتوجد الكتب التي وقفها في المكتبة السليمانية اليوم تحت اسم مجموعة أياصوفيا الخاصة، أما المدرسة فهي اليوم مركز للتوثيق والتصوير والبحوث وقاعة لمعارض وأنشطة مرتبطة بـ متحف أياصوفيا، وأنشأ محمود الأول كذلك 3 مكتبات أخرى ألحقها بجوامع الفاتح سنة 1742 والوالدة وغلطة سراي سنة 1754، وأنشأ كبار رجال دولته مكتبات وقفية مثل مكتبة حكيم باشا أوغلو في سنة 1738، ومكتبة عاطف أفندي سنة 1741، ومكتبة حاجي بشير آغا سنة 1754.

 

ومن منجزاته المعمارية في أياصوفيا نافورة جميلة رشيقة على ضخامتها، تستند قبتها على 8 أعمدة، تخرج منها صنابير برونزية، وتتوسطها الآية الكريمة: (( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)).

 

توفي السلطان محمود الأول بعد مرض لزمه سنتين، ودفن في يني جامع قرب والده مصطفى الثاني، وتلاه أخوه عثمان الثالث الذي كان عمره 55 سنة، وهي أكبر سن تولى عندها سلطان السلطنة، ولم يدم حكمه سوى 3 سنوات توفي بعدها، وتلاه السلطان مصطفى الثالث ابن عمه السلطان أحمد الثالث، وفي عهده اندلعت الحرب مع روسيا من جديد في سنوات 1182- 1203= 1789-1807 وخسرت الدولة كثيراً من مكاسبها التي حققتها في زمن السلطان محمود الأول.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *