By / 17 يناير، 2019

السنة النبوية والحاقدون الجدد

من حين لآخر تتجدد حملات أدعياء الفكر والحداثة، وأبواق الأنظمة السياسية المعادية للأمة على السنة النبوية المشرفة، ومؤخرا شن النظام المصرى بوزارة أوقافه ودعاته المفضلين، ووسائل إعلامه حملة شرسة في سياق حملاته المتكررة على ثوابت الإسلام، وكانت السنة النبوية المطهرة هى الهدف هذه المرة، فادعى أولئك المضللون أن الأمة عاشت قرنين كاملين قبل أن يجمع الإمامان البخارى ومسلم كتابيهما الصحيحين فى القرن الهجري الثالث، وإذا كانت الأمة قد عاشت قرنين تمارس شعائرها دون حاجة لكتب السنة، فما المانع من أن نعيد الكرة ونستغنى عن الصحيحين وغيرهما من كتب السنة كما فعل أسلافنا الأولون؟! هكذا يقولون، ويدعون كذلك أن السنة منتج بشرى قام عليه البخارى ومسلم وأمثالهما، والمنتج البشرى لا يخلو من أخطاء ولا يلزم أن نأخذ بكل مرويات السنة ما دامت عملا بشريا يكتنفه الخطأ! كما أن بعض النصوص – فى زعمهم- قد تجاوزها العصر فوجب تغييرها!

تلك دعاوى القوم، وهى دعاوى قديمة سبق إليها بعض من أراذل كل جيل، كما أنها دعاوى ساقطة من وجوه أوجز منها ما يأتي:

  1. السنة النبوية كانت قبل التدوين محفوظة فى القلوب والصدور، تعقد لها المجالس والدروس، ويتلقاها من كل خلف عدوله، والمرويات التى دونت فى القرنين الثانى والثالث كلها مروية عن الصحابة والتابعين وتابعى التابعين …
  2. لم يكن نقل السنة فقط بالرواية، بل توارثت الأمة العمل بها جيلا بعد جيل، حتى عد الإمام مالك – رحمه الله-  عمل أهل المدينة أصلا من أصول مذهبه؛ لأنه فى تقديره نقل الكافة عن الكافة موصولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت على الأمة زمان قط غابت فيه علوم السنة، أو انقطعت روايتها وتدوينها وتحقيقها وتعليمها، حتى صار لأهل الحديث من بين سائر فروع العلم الشرعي سمتهم المميز وأدبياتهم الخاصة، وكانوا يعتقدون أن تدوين سنة النبي وتحقيقها فرع عن محبته -صلى الله عليه وسلم- فضلا عن كونه صيانة للدين، وحفظا للوحي، حتى قال قائلهم: 
    لم اسع في طلب الحديث لسمعة *** أو لاجتماع قديمة وحديثة
    لكن إذا فات المحب لقاء من *** يهوى تعلل باستماع حديثـه
  3. هناك عشرات المصنفات فى السنة النبوية سبقت صحيحى البخارى ومسلم، وقد صنف عدد من طبقة التابعين كتبا فى السنة، فجمع ابن جريج بمكة كتابا فى ” الآثار” أثبت فيه مرويات عطاء ومجاهد وغيرهما من أصحاب ابن عباس، وكذلك صنف معمر بن راشد اليماني باليمن كتابا فى السنن، كما دون سفيان الثوري وسفيان بن عيينة جامعيهما في السنن والآثار، وأملى أبو حنيفة مسندا فى الحديث، ثم صنف مالك الموطأ، وصنف ابن أبي ذئب موطأ أكبر من موطأ مالك!
    وكل هؤلاء من أعلام القرن الثانى، بل أقول: إن القرن الأول لم يخل من مصنفات فى السنة على نحو ما أثبته ابن النديم فى الفهرست، ثم اتسع التصنيف فى السنة فى القرن الثالث فظهرت الكتب الستة : صحيحا البخارى ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والنسائي.
    وخلاصة القول أنه بوفاة جيل التابعين الكبار الحفاظ اتسعت حركة التدوين خوفا من اندراس السنة المطهرة أو شىء منها، وادعاء أن البخاري ومسلم ابتدأ أمرا لم يكن موجودا، والإيهام بأن ثمة انقطاعا امتد لقرنين قبل أن يظهر الصحيحان، كلها دعاوى ساقطة و مماحكات ساذجة، وجهالات سخيفة!
  4. وضع أسلاف هذه الأمة قواعد صارمة محكمة للرواية فيما عرف ب “علم الإسناد” و”علم الرجال”، وهما من خصائص هذه الأمة وإنجازاتها الحضارية التي شهد بها الأعداء والخصوم، فلم يكن أسلافنا يتناقلون رواية إلا بعد معرفة سلسلة رواتها، يقول أبو العالية: «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلاَ نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ» ويقول ابن المبارك: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ». ويقول ابن المبارك أيضاً: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ» يعني: الإسناد. ( انظر: مقدمة صحيح مسلم “: 1/ 10.)
    وقد تكفل ذلك ببيان الصحيح من السقيم، وتنقيح السنة من ادعاءات الكذابين، أو أخطاء الرواة منذ بدايات التدوين، فنشأ علم الرواية نشأته الأولى على قواعده التي لازالت مستقرة راسخة بحيث لم تبق رواية واحدة فى كتاب من كتب السنة إلا درسها علماء الحديث سلفا وخلفا، ومحصوا رواتها بقواعد علمية منضبطة، وحكموا عليها وفقا لذلك بالصحة أو الضعف، أو القبول أو الرد.
  5. وضع علماء الأمة علما جليلا هو ” علم مشكل الحديث “، قاموا فيه ببيان كل الأحاديث التى يصعب فهمها لسبب من الأسباب، ووضعوا للتعامل معها قواعد منضبطة، كما قاموا بالتوفيق بين النصوص النبوية التى يبدو فى ظاهر الأمر أنها متعارضة، ومن أهم كتب المشكل أو المختلف: “تأويل مختلف الحديث” لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)، و”شرح مشكل الآثار” لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)، و”مشكل الحديث وبيانه” لأبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، (المتوفى: 406هـ)، وغيرها من الكتب.
    وكثيرون من مهاجمى السنة ينقلون الشبهات من كتب المشكل تلك، ولا ينقلون بيان العلماء لها، وقد تتبعت طعون أحدهم على السنة، فوجدت أكثرها منقولة من كتاب الطحاوى، وقد نقل المدلس الإشكالات ولم ينقل بيان الطحاوى لها!
  6. لا يمكن الاستغناء عن السنة النبوية فى موضع من مواضع التشريع؛ فهى التى بينت وفصلت، وقدمت الصورة العملية التطبيقية للتشريعات القرآنية، وأجابت عن الأسئلة وحلت الإشكالات، وأصلت أصولا تشريعية تكمل منظومة التشريع القرآنية، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم : ” يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب” ( رواه البخاري 2645)، فهذه قاعدة فقهية تتفرع عليها فروع كثيرة انفردت السنة المطهرة بتقريرها، ونظائر ذلك كثيرة.
    ومن ثم فالدعوة لتعطيل السنة هى دعوة لتعطيل القرآن نفسه؛ إذ لا يتوصل إلى تطبيق أحكامه إلا من خلال السنة، ولا يخفى على متتبع لكتابات هؤلاء أنهم طاعنون فى القرآن لا محالة، وأنهم يبدءون بالسنة من باب التدرج فى نقض التشريع!
  7. السنة – بإجماع المسلمين سلفا وخلفا- هى الأصل الثانى من أصول الإسلام بعد القرآن الكريم، ومن ثم فهى تتبع القرآن، ولا يمكن أن تعارضه أو تنفصل عنه، كما لا يمكن فهم الإسلام ولا تطبيقه بدون السنة، يقول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ: ” أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رجُلُ مُتَّكِئ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي (وفي رواية: يَأتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي مَا هَذَا، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ” ( رواه أحمد وابن حبان وأبو داود والبيهقي والطبراني بسند صحيح)
    والسنة – بغير شك- من جملة الوحي الإلهي للنبى صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” [النجم: 3، 4] ، يقول عجاج الخطيب:”السنة من حيث وجوب العمل بها، ومن حيث إنها وحي: هي بمنزلة القرآن الكريم. وإنما تَلِي القرآن بالمرتبة من حيث الاعتبار؛ لأنه مقطوع به جملة وتفصيلاً، والسنة مقطوع بها على الجملة لا على التفصيل؛ ولأنه هو الأصل، وهي الفرع؛ لأنها شارحة ومبينة له، ولا شك في أن الأصل مقدم على الفرع، والبيان مؤخر عن المبين. ” ( أصول الحديث: علومه ومصطلحه ص 36-37)
  8. القرآن الكريم نفسه أمر بطاعة النبي واتباع سنته فى عشرات المواضع، كقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً” [النساء:59]، والرد إلى النبى –صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته يكون بالرجوع لسنته المدونة المحفوظة.
    وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم الأمة أن تعتصم بسنته، وتلجأ إليها فى زمن الفتنة والاختلاف، وتلتمس فيه طريق الهداية وسبيل الرشاد، وتعض عليها بالنواجذ كما جاء في حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ – رضى الله عنه- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ بَقِيَ بَعْدِي مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» ( الترمذى وأحمد وابن ماجه بسند صحيح)
  9. الهجوم على السنة وأعلامها ورواتها ليس جديدا، وهو من المكر السيئ الذى لا يحيق إلا بأهله، وقد تعهد الله بحفظ دينه ووحيه: كتابا وسنة، فالسنة من جملة البلاغ المعصوم المذكور فى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، ومن جملة الذكر المحفوظ فى قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]
    وسوف تبقى سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيضاء جديدة فياضة نقية فاعلة فى حركة الحياة، ويذهب أعداؤها فلا يبقى لهم ذكر في الخلق، ولا أثر  في الأرض ، فعطاء الله لرسوله ممتد موصول إلى يوم القيامة، وكيد شانئيه مبتور مقطوع:  ” إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ”
    وهؤلاء الشانئون لرسول الله وسنته موقوفون أمام دعواهم يوم القيامة : “مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” ( ابن عاصم في كتاب السنة 112)
    وهم يحملون مع أوزارهم أوزار من يضلونهم بغير علم: ” … وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا” (مسلم 2674)

وخلاصة القول أن هذا التحالف الجديد بين قوى الاستبداد السياسي وأبواق الحداثيين الجدد، أو بين متطرفي السياسة ومتطرفى الفكر، هو تحالف فاشل مدحور، سينتهى إلى السراب، كما انتهت قبله تجارب العدوان على الأمة فى عقيدتها وشريعتها وثوابتها، وسيمكث الحق الذي ينفع الناس، ويذهب جفاء ذلك الزبد الفاسد الرديء.

وأختم بقول الأستاذ مصطفى السباعي – رحمه الله – “ونحن لا نشك في أن هذه المعارك المتصلة بين الإسلام وخصومه، ستنتهي معركة اليوم منها – كما انتهت معارك الأمس – إلى هزيمتهم وكشف مقاصدهم الخبيئة الخبيثة، وبقاء الإسلام كالطود الشامخ تَرْتَدُّ على سفوحه الرمال والأعاصير؛ لأن المعركة بين الإسلام وخصومه، معركة بين الحق والهوى، وبين العلم والجهل، وبين السماحة والحقد، وبين النور والظلمة، ومن سُنَّةِ اللهِ في الحياة أن ينتصر في هذه المعارك، الحق والعلم والسماحة والنور دائماً وأبداً :”بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ” (السنة ومكانتها فى التشريع، ص: 17)


Comments
  • الشيء الذي ليس فيه اختلاف ان الحديث اخذ من جهد و انتباه المسلمين اكثر من القران الذي اصبح عند معظم المسلمين كتاب لجمع حسنات القراءة و الحفظ فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *