By / 17 فبراير، 2019

الشعوب الأوربية على خطى الربيع العربي

يشبه الإعلام الفرنسي حراك السترات الصفراء ببدايات الربيع العربي والحقيقة أن الإنسانية جمعاء دخلت في مرحلة جديدة مثلت الشعوب العربية فيها القاطرة والملهمة ..

ولعل أكثر تشخيص اثارة ما سمعته من المحللين الفرنسيين في تشريح الظاهرة كون ما يحدث في باريس “ثورة فرنسا ضد فرنسا ذاتها” ويقصدون بفرنسا الاولى “الشعب” والثانية “الدولة”

ولأول مرة منذ إعلان الجمهورية الخامسة يظهر الاعلام الفرنسي أن هناك فجوة بينهما تتسع وتتعمق باستمرار حتى صارت حالة الانفصام المنذرة بالانفصال .

ولعل أخطر ما يشير الى الانفصال بين الشعب والدولة دعوة نقابة الشرطة العامة الى اضراب مفتوح غدا السبت في تصريح علني على القناة الثالثة ..وهو ذات اليوم الذي يستعد فيه اصحاب السترات الصفراء بالتصعيد .

الأمر الذي ربما يستدعي فرض حالة طوارئ وتدخل الجيش ضد الشعب الفرنسي … وإذا وقع ذلك فسيكون الشرخ بين المجتمع والدولة بلغ اعلى مستوى في مؤسساته..

لكن تخوف السلطات ان يكون هناك تمرد للجيش أو بعضه انحيازه للشعب كما فعلت الشرطة …مما قد يسبب حربا أهلية وسيزيدها استعار الهوية اشتعالا ..ويعتبر هذا سيناريو الكارثة إذ سيمتد حتما الى اوروبا كاملة بل وسيتجاوز القارة العجوز ايضا

أسباب الأزمة وأبعادها :

  1. لقد كان واضحا منذ الرئاسيات الاخيرة والتي افرزت ايمانويل ماكرون الرئيس الشاب من وسط “غير تقليدي” في الخريطة السياسية بفرنسا حيث ولأول مرة يخرج رئيسا من غير رحم الأحزاب التقليدية الكبرى اليمين واليسار فكان ماكرون مرشح النخبة المالية وليس السياسية مما جعله يبدو من البدارة ممثل الشركات واللوبيات وليس الشعب الفرنسي.
  2. دخول ماكرون فور انتخابه في صراع مع قيادة الجيوش حيث قام بعزل جنرال بارز بعد ان رفض أوامره في مالي وبعض الدول الافريقية معتبرا انها خطر على فرنسا ..وكان تبرير الرئيس الشاب أمام الساحة العسكرية والسياسية أنه تم عزله “ليعلم جيدا من هو الرئيس” وهذا من بين الأسباب التي من خلالها اتوقع تمردات في الجيش إذا وجهت الأوامر بالتصدي للشعب الفرنسي .
  3. اضعاف ماكرون للحزبين السياسيين العريقين واللذين كانا الوبط الطبيعي الذي يخرج منه رؤساء فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة جعل من الطبقة السياسية تنقم عليه وعلى فريق حكومته …
    وقد كان تأطير الساحة السياسية والنقابية والإعلامية من طرفهما وتأثيرهما ..ومع اضعافه لهما ضعفت السيطرة والادارة وهذا الذي أفرز بشكل مباشر أيضا حراك السترات الصفراء من رحم الشارع وبدون تأطير سياسي تقليدي مما جعل السيطرة عليه بالوسائل التقليدية أمرا متعذرا لغاية الان .
  4. الازمة الاجتماعية التي تشهدها فرنسا و قوانين التقشف التي اتخذها ماكرون اثرت بشكل كبير على المستوى المعيشي للفرنسيين بما في ذلك الخدمات وهو ما رأه الفرنسيين تعد صارخ على الحياة الكريمة ووجد الشعب نفسه في صراع طبقي مع نخبة في قصر الإليزيه كما عبرت عن ذلك المعارضة في البرلمان أول أمس الأربعاء .
  5. صعود اليمين المتطرف ومحاولة ركوب الموجة دفع الى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن هذه المرة مما أثر على معنويات الشرطة التي نفسها تشكو صعوبات أنفاق اجتماعي والتي ترى في اليمين المتطرف عنصرا فرنسيا اصيلا وليس مجموعة مهاجرين مجنسين ..وهذا يمثل فارقا في الرؤية العميقة للفرنسيين ويعطي انطباعا لديهم ان فرنسا تواجه نفسها .
  6. الوضع الدولي والإقليمي في القارة العجوز فمحادثات البروكسي البريطاني وشعار ترامب امريكا اولا تضغطان بشكل رهيب على فرنسا لتكون مع ألمانيا قاطرة أوروبا ناقص واحد أي دون بريطانيا …وهو مكلف للغاية و انهيار العقد الاجتماعي في فرنسا معناه انهياره في كامل أوروبا إذ سيكون ذلك الترجمة الحرفية لفشلها في القيادة لعدم الأهلية .
  7. انخراط فرنسا في حروب كثيرة العقد الماضي من سوريا فليبيا ثم تشاد النيجر و الحرب المفتوحة في مالي وامتحان قواعدها في بوركينا فاسو وافريقيا الوسطى كل ذلك جعلها تحت العجز العسكري والمالي مما ادى الى تنازلها عن الكثير من حصتها التجارية وأسواقها العالمية لصالح قوى كبرى ومؤثرة مقابل مشاركتها في ضبط مصالحها الحيوية في مستعمراتها القديمة خاصة في الجزائر ليبيا ومالي حيث امدادات النفط واليورانيوم الأمر الذي يهدد لا يهدد فقط انهيار قدرتها الخدماتية والاجتماعية بل يتعداه الى التهديد الغذائي والطاقة .
  8. ان تشبيه ما يحدث بالثورات العربية وحديث المنظرين الفرنسيين ان فرنسا تواجه فرنسا ليس عبثيا

هناك فعلا تصدعات بنيوية على مستوى هوية الانسان الفرنسي ومؤسساته فاستعار مسألة الهوية مؤخرا بصعود اليمين المتطرف وشعارهم فرنسا للفرنسيين.

ومسألة المطالبة بادراج لغات النورمون والألزاس وغيرها كلغات رسمية ورفض الحكومة لها

بل ومسألة روح العقد الاجتماعي بين الفرنسيين الذي يرى أغلبهم انه تم تجاهله لصالح نخبة مالية استعبدت الشعب الفرنسي …

كل هذه الامور تعتبر صواعق تنذر بانفجار داخلي كبير يهدد مستقبل فرنسا وأوروبا كاملة وليس مستبعدا أن نرى ساحات ثورية كساحة لاباستي و ساحة الامة وساحة النصر المشتعلة منذ ايام يتكرر فيها ما حذر به الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند خليفته ماكرون مخاطبا إياه قبل أشهر “ليعلم ماكرون أن ساحة لاباستي la bastille أعدم فيها ملوك فرنسا”


Comments
  • نرى ان الحل الامثل للازمة التفاقمة في فرنسا هي استقالة ماكرون
    و كما وصف اردوغان الرئيس الفرنسي ب: المبتدئ في السياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *