By / 24 فبراير، 2020

العالِم المقاوِم

أ.د مجدي شلش – أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر

العلماء ورثة الأنبياء في العلم والعمل، والجهاد والتضحية وبث الأمل، علم بلا عمل كزرع بلا ماء، ومعرفة بلا جهاد رماد تحته تراب.

الأمة الآن في خطر كبير، بين أنياب اليهود وسندان الصليبين، القتل استحر في كل البلاد، ووقعت الواقعة على رؤوس الرجال والنساء والولدان، محق وسحق للأمة بلا هوادة ولا رحمة، حكام ظلمة، ونخب متصدرة أغلبها خربة، ومؤسسات خاوية، وشعوب أدت بعض ما عليها، فثار أغلبها في وجه جلاديها، طافوا الشوارع والميادين، وعلا صوتهم أمام الجبارين، فقهرهم عتاة الظالمين، وسُجن منهم عشرات الآلاف من البنات والبنين.

الشعوب الآن في حيرة من أمرها، في ظني ينتظرون من يفجر رأس العدو، ويدوس بقدمه عنق الباغي المستكبر، ويسحق عنق المستبد المستعلي، الشباب والنساء خرجت في مصر في كل نجع وحارة، وهتفت بكل قوة يسقط حكم كل خائن وجبان، النساء قدمن الشهداء من فلذات أكبادهن، وعانقن الشهداء بكل فرح وسرور، أمل الناس الآن في قادة عظام، وعلماء كرام، يقومون مقام الأنبياء، لا يخشون في الله لومة لائم، علماء قادة، وقادة علماء، واجبهم الآتي:

أولًا: بيان الحكم الشرعي بكل وضوح فيمن قتل وبغي وخطف وسرق

عملًا بقوله تعالى: “… لتبيننه للناس ولا تكتمونه…” [آل عمران]. فأول سمات العالم البيان والبلاغ عن الله، ومَن كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، وكما أن للحق علماء، للباطل خبثاء يُنسبون للعلم زورًا وبهتانًا، يجعلون الحق باطلًا، والصدق كذبًا، والأمانة خيانة، يجعلون من الجبان الرعديد شجاعًا، ومن الخائن اللئيم أمينًا، ومن السفيه الحقير حكيمًا، ومن هنا تعظم التبعة على العلماء الربانيين، أحفاد سعيد بن المسيب وابن جبير ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل – رضي الله عن الجميع – صدعوا بالحق أمام كل جبار عنيد، وبينوا للناس الحكم الرشيد، فأبقى الله ذكرهم، وخلد عملهم.

ثانيا: الالتحام بالشعوب، وتوحيد الصفوف

بالتربية والتزكية، وإعداد جيل من الشباب طاهر القلب، ذكي العقل، قوي البدن، مدرك للواقع، ومجاهد مناضل، ترك الشباب وحدهم في الميدان بلا شك تقصير، وعواقبه في المآل وخيم، الشباب لا بد لهم من قدوة، وعلم وخبرة، وتبصرة وحكمة، والعلماء الربانيون المجاهدون هذه مهمتهم، وتلك وظيفتهم.
الأنبياء كانوا في مقدمة الصفوف، قاتلوا وقُتلوا في سبيل الله، وحياة العلماء ليست بأثمن من حياة الأنبياء، قال تعالى: “وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا…”. [آل عمران].
الأمة بعلمائها إن تقدموا تقدمت، وإن خافوا جبنت، وإن تقهقروا انهزمت، كل نصر تليد وراءه عالم رشيد، جاب العز بن عبد السلام والإمام العلامة القرافي ربوع مصر كلها لما أوشك التتار أن يدخلوا القاهرة، وقرأوا سورة الأنفال على كل منبر، وشرحوا مقاصد الجهاد في كل محفل وتجمع، فنصر الله المسلمين نصرًا مؤزرًا، فأصبح آية وحكاية لكل الأجيال، أن النصر من عند الله وأن سببه بعد الله طليعة العلماء.
على الدرب سار ابن تيمية – رضي الله عنه – جيّش الجيوش بنفسه بعد أن تقاعس الحكام وخافوا وجبنوا، فانتصر على الصليبيين أكثر من مرة، المعركة التي ليس في مقدمتها العلماء يسودها الجهال من الناس حتى ولو كانوا أتقياء، العلم أساس النصر، والجهل أبو الهزائم.

ثالثًا: المعركة الآن كبيرة وعظيمة، تحتاج كل عالم وفاهم

وبداية النصر أن يتوحد أهل العلم تحت راية القرآن والجهاد، لابد من هيئة علمائية تجمع أحرار العلماء من كل بلد، علماء تحرروا من أسر الدنيا الفانية، والشهوات المهلكة، والوطنية الزائفة، والقطرية المحدودة، والأهداف القصيرة، والرؤى القاصرة.
العدو واحد ومتحد، وكسره وهزيمته بالوحدة والقوة، والإعداد ورفع راية الجهاد، بعد تدريب جهيد، وعقل يدير رشيد، لو توحد العلماء تحت راية القوة وعلا صوت النداء ما هزمهم جبان، وما انتصر عليهم خائن، العلماء أمل الشعوب المقهورة، والأمة المهزومة ”وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها…”.

كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يضرب بالدِّرة مَن تجمعوا لقراءة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والميدان مشتعل بالجهاد والدماء، أي علم هذا والمعركة قائمة، وأي حفظ للمتون والعدو دخل أبواب القاهرة، ولنا في نداء الكنانة عبرة وعظة، هز أركان الظلم في الداخل والخارج.

صوت العلماء رعد وبرق، وقوة للأمة ونصر، تجمع في نداء الكنانة أكثر من مائة عالم فصاحوا في الأمة بكلمة الحق، ونادوا بالقوة ونصرة المظلوم، وقالوا مقاومة الباغي شرع محمود، الأمة فيها علماء كثر، ينقصهم الرابط والهدف الواحد، لو تجمع ألف عالم تحت مظلة واحدة لقامت لهم الدنيا وقعدت، يجمعهم العلم والحب والجهاد والمقاومة ونصرة الأمة، لا حل في نظري لهزيمة الباطل، إلا هذا.

الشباب ينتظر أهل العلم في المقدمة، ينتظر ورثة محمد صلى الله عليه وسلم رافعين راية الحق، وجاهرين بلسان الصدق، ومقاومين للاستبداد والظلم.

رابعًا: العلماء المقصودون ليسوا من درسوا الشرع وحدهم

وإنما كل من تعمق في فقه النص والواقع، فيدخل العالم بالنص والدارس للواقع والسياسي البارع، والاقتصادي الخبير، والإعلامي المتقن، والإداري والاستراتيجي صاحب المهارة في التخطيط، كل ذلك أهل علم تنتظرهم الأمة بكل حب وشغف، وتعول عليهم بعد الله في كل أمل.

بعض الإخوة الكرام سيقول: الجمعيات كثيرة، والجماعات والتنظيمات موجودة، ما فائدة تجمع جديد مع هذه التجمعات اللا محدودة، والجواب: أن هذا التجمع الجديد هدفه الأول الجمع ما أمكن بين هذه التكتلات الكثيرة، وتقويتها في أداء دورها، وتقديم الدعم لها، ونصرتها حتى تحقق أهدافها، ولو اجتمع ألف عالم على هدف واحد، لقلت هذه التكتلات، وما بقي منها إلا النافع المستمر.

الحمد لله ثقتنا في نصر الله كبيرة، وظننا بربنا جليل وعظيم، ونصره أقرب إلينا من حبل الوريد، لكنه يحتاج السبب الرشيد، ولعل ما طرحته هنا وقبل ذلك يكون من أسباب التحقيق للنصر المجيد، اعتقادي الجازم أن الأمة في حالة مخاض كبير، والمخاض يصاحبه ألم وتعب ومشقة، وأهل العلم هم النور والهداية وقائدو النصر والتمكين، بعد جهاد مع الشباب ضد الأعداء كبير ومرير.

أنادي بمقالتي هذه كل عالم في فنه، من حديث أو تفسير أو فقه أو أصول أو لغة أو سياسة أو اقتصاد أو نفس أو اجتماع أو إدارة أو رؤية مستقبلية، وهم الحمد لله كثر، لكن الرابط الذي يجعلهم يتناغمون ويتجانسون ويتفاهمون حول رؤية واحدة وهدف جامع هو الهدف المنشود.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *