By / 11 يونيو، 2019

العصيان المدني بالسودان إحدى أدوات إسقاط الانقلابات.. تعرف عليها

لم ييأس الشعب السوداني بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، بل اصرّ على استكمال مسيرته الثورية، بإعلانه العصيان المدني الشامل، والذي بدأ الأحد الماضي 9 يونيو 2019، بدعوة من تجمع المهنيين السودانيين.

وهدد تجمع المهنيين سابقا بتنفيذ عصيان مدني، عقب رفض المجلس العسكري أغلبية مدنية في المجلس السيادي، لكن العسكريين قلبوا طاولة المفاوضات تماما عقب فض الاعتصام ووضعوا خارطة طريق انتقالية تستمر لمدة تسعة أشهر تعقبها انتخابات، وهو مسار يرفضه التجمع.

والعصيان المدني، أو كما يطلق عليه المقاومة السلبية، هو رفض الامتثال لمطالب أو أوامر الحكومة أو سلطة قائمة بالاحتلال، دون اللجوء إلى العنف، ويكون الغرض عادة هو فرض تنازلات على الحكومة أو القوة المحتلة.

ويعد العصيان المدني أحد أشكال المقاومة السلمية المقاومة للانقلابات العسكرية، وقد كان بمثابة تكتيك وفلسفة كبرى للحركات القومية في إفريقيا والهند، وحركة الحقوق المدنية الأميركية، وغيرها من الحركات الاجتماعية في العديد من البلدان خلال القرن الماضي.

وقد نجحت عدة أدوات أو أسباب بجانب العصيان المدني في سقوط عدة انقلابات عسكرية فاشلة، وإليكم أهم خمسة من تلك الأسباب:

1- ولاء بعض قيادات الجيش للديمقراطية

يعد أحد أهم الأسباب الرئيسية لعدم نجاح الانقلابات العسكرية أو سقوطها في فترة قصيرة، هو وجود ولاء من قيادات الجيش للديمقراطية والشرعية، وانتصاره للفريق الذي يمثلها والجماهير التي تؤيدها، ومن هنا يؤكد السياسيون على ضرورة أن تحافظ النظم الديمقراطية على بناء قواعد وخلق أتباع لها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاستخباراتية، سواء بدافع وطني واغلاب مصلحة الشعوب، أو عن طريق استقطابات وخلق مراكز قوى موالية للحاكم.

ومثالا لذلك ما حدث في انقلاب تركيا 2016 علي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فبالرغم من تاريخ تركيا مع الانقلابات العسكرية الناجحة، الإ إن خلال بضع ساعات استطاعت الحكومة التركية إفشال المحاولة الانقلابية الأخيرة، إذ أنه تميز منذ بدايته، بضعف حجمه الأصلي عدةً وعدداً على المستوى العسكري، الشيء الذي حصر قوة الانقلاب في فئة صغيرة من كبار قادة الجيش، بل كان معظم قادته من الضباط متوسطي الرتبة، باستثناء قادة الجيشين الثاني والثالث، فيما وقف رئيس الأركان “خلوصي آكار” وقائد الجيش الأول “أوميت دوندار” وقادة القوات الخاصة والبحرية والمخابرات مع الشعب والديمقراطية ضد الانقلاب.

كان لولاء “أوميت دوندار” قائد الجيش الأول التركي للحكومة التركية الدور الأبرز في إفشال المحاولة الانقلابية حيث أنه المسؤول عن الدفاع عن مدينة اسطنبول، وبذلك استطاع تأمين المدينة وتصدى للطائرات التي استخدمها الانقلابيون مجبراً إياهم على التوقف عن قصف أنقرة وقدم الحماية الجوية للطائرة التي أقلت الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى اسطنبول، وحماية اسطنبول والعاصمة أنقرة، لذلك لم يستطِع الانقلابيين أن يسيطروا على الجيش بشكل كامل بالرغم من اعتقالهم لرئيس الأركان منذ اللحظة الأولى للانقلاب، وهو ما أدي تحجيم القوة العسكرية للانقلابيين وفشل الانقلاب

2- أن تكون المعارضة منحازة للشعب

فالمعارضة إذا كانت يدا واحدة مع الشعب وليست فصائل عدة فسيعطي ذلك قوة للثورة ولن يستطيع الانقلابيون الانقضاض عليهم أو النيل منهم أو تشويههم، أما إذا كانت هناك عدة فصائل فستجد بعضها مع الشعب يعمل للمصلحة العامة، وبعضها يسعى للسلطة أو مصالح أخرى وقد يتطور الأمر ليدخل ذلك الفصيل في تحالفات مع الانقلابيين.

أو قد يعطي هذا الأمر قوة للانقلابيين من ناحية أخرى كاتهام هذا الفصيل بالخروج عن طريق العامة، والسعي للسلطة، والانقلاب على الانقلاب، وحتى لو كانت رسالة هذا الفصيل طاهرة وله الغلبة سيحولها إعلام الانقلاب ويشوه صورته.

3- الضغط الخارجي لدعم الشعوب

وذلك مثلما حصل في تشيلي، إذ أن الجنرال بينوشيه الذي رتب للانقلاب عام 1973، واجه ضغوطا متصاعدة داخليا وخارجيا لإبداء بعض المرونة للتحول نحو الحكم الديمقراطي، ولعبت الضغوط الخارجية دورا هاما لإجباره على تقديم تنازلات تستعيد المسار الديمقراطي، وقد كان لتقارير منظمة العفو الدولية دور مهم في هذه الضغوط، حيث أنها انتقدت بشدة أوضاع حقوق الإنسان في تشيلي، وذلك بعد مقتل نحو  30 ألف شخص، ونفي قرابة نصف مليون إلى خارج البلاد واختفاء الكثيرين من المعارضين، وقد أثارت هذه التقارير موجة سخط خارجية عارمة.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة كانت هي الحليف الرئيس لبينوشيه، فإنها بدأت تضيق ذرعا بالممارسات القمعية ضد المعارضة، خاصة بعد موجة السخط العالمي لانتهاكات حقوق الإنسان، إذ طلبت منه تهيئة مناخ ملائم لإجراء استفتاء شعبي على حكمه مهددة بقطع مساعداتها عن الحكومة العسكرية، كما مارس الفاتيكان دورا هاما في الضغط على نظام بينوشيه لإطلاق الحريات العامة، وطالب البابا خلال زيارته لتشيلي بضرورة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.

4-  المقاومة المسلحة من الشعب والجيش

مثلما حدث في انقلاب الفلبين، حيث شارك العديد من الفلبينيين في تدريبات على المقاومة السلمية تابعة لجمعيات مدنية، وساهموا في دعم الضباط المنشقين المعارضين للانقلاب، فتوافد عشرات الآلاف من المواطنين العزل إلى المعسكرات وقدموا الأطعمة والمواد للجنود، وأنشأوا دروعاً بشرية لمنع الجيش من الهجوم على المنشقين.

كما أن الشباب المدربين على اللاعنف جلسوا أمام الدبابات دون حراك حينما تحركت وحدة بحرية مدعومة بالمدرعات والدبابات تجاههم، وهم يحيون رجال الجيش بالزهور ويصلون لهم ويدعونهم للانشقاق والانضمام إلى الناس، وبالنتيجة انسحبت الدبابات دون إطلاق رصاصة واحدة، وأعلن عن تمرد الجيش ضد الحكومة، وفي الوقت ذاته رفض طيارو سلاح الجو الأوامر الرئاسية بقصف مواقع المنشقين.

5- المظاهرات وصمود الحشود الشعبية

وهو أشهر أسباب سقوط الانقلابات العسكرية، لا سيما وإنه الأصل في جميعها، والذي أشرنا إليه سابقا كما هو الحال في الثورة السودانية، والتي لولاها لتمكن الانقلاب من تحقيق انتصار، إذ أن وعي الشعوب هو السبب الأساسي في نجاح القضاء على أي انقلاب، ونضرب مثالا لذلك في انقلاب ألمانيا 1920، والذي حدث في برلين ما دفع الحكومة الألمانية الشرعية للهروب من المدينة، إلا أن الانقلاب فشل بعد أيام قليلة نتيجة نزول عدد كبير من الشعب الألماني إلى الشارع بعد دعوة الحكومة الشرعية الشعب إلى إطلاق إضراب عام، رفض فيه موظفون الحكومة التعامل مع قادة الانقلاب وحلفائه.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *