By / 9 يونيو، 2021

الـ ـاحـ ـتـ ـلـ ـال والكابوس الأسوء على الإطلاق

ترجمة: زينب محمد

إسرائيل والكابوس الأسوء على الإطلاق

سوف يتشابه أي صراع عربي – إسرائيلي مستقبلي إلى حد كبير مع هذا الصراع: ليس أولئك الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال فحسب، بل أولئك العرب الإسرائيليين الذين يعيشون في إسرائيل نفسها.

بقلم مارك بيري

قد يُغفرللأمريكيين اعتقادهم أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي انتهى مؤخرًا لم يكن أكثر من نفس الصراع.   ففي النهاية، لقد رأينا هذا من قبل، حيث يتم إطلاق الصواريخ من جانب بينما كانت القنابل تُلقى من الجانب الآخر. لقد عرفنا حتى كيف سينتهي المشهد: حيث عبّر صناع السياسة الأمريكيون عن دعمهم لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما تدخلت جهات فاعلة من خلف الكواليس (في المقام الأول قطر ومصر) للتوسط في وقف إطلاق النار – كما فعلوا في الماضي. وبهذا انتهى الصراع، والآن يتم نعي القتلى ثم يعود الإسرائيليون والفلسطينيون إلى حياتهم الطبيعية؛ حتى المرة القادمة.

 

ومع ذلك، ثمة اعتقاد متزايد بين صانعي السياسة في واشنطن بأن هذا الصراع كان مختلفًا. ففي حين كان التبادل الدموي الأخير بين إسرائيل وحماس وصل إلى نهايته المتوقعة، لم يعد من الممكن التخلص من الهوة العميقة بين إسرائيل والفلسطينيين – وأنه ما لم يتم القيام بشيء لمعالجة الأزمة، فإن الصراع متعدد الأجيال الذي استمر سبعين عامًا سيستمر ويطول أكثر وأكثر. ثمة عامل آخر على نفس القدر من الأهمية فبينما كان العالم ينشط بسبب الأحداث في غزة، فإن الصراع الأكثر أهمية، وإن كان أقل دموية، كان يدور داخل إسرائيل نفسها. فآثار هذا الصراع قوية.

بعد فترة وجيزة من اندلاع سلسلة من الاشتباكات بين مستوطنين إسرائيليين وسكان فلسطينيين في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة في أوائل مايو، جابت حشود من اليهود هاتفين “الموت للعرب” شوارع إسرائيل بحثًا عن العرب للاعتداء عليهم. كانت الهجمات في اللد، بالقرب من تل أبيب، حادة بشكل خاص، حيث شبه رئيس البلدية اليهودي الوضع بـ “حرب أهلية”. وقد أدت الأحداث، التي تضمنت اعتداءات مروعة على العرب وإحراق معابد يهودية، إلى زلزلة المؤسسة السياسية الإسرائيلية. لذا، صحيح أن إسرائيل تعرضت لإطلاق صواريخ من غزة، إلا أن التهديد الذي تشكله حماس لإسرائيل كان في الواقع أقل خطورة بكثير مما واجهته إسرائيل وما زالت تواجهه في المدن والبلدات والأحياء التابعة لها.

في الواقع، كان العنف الذي انتشر عبر إسرائيل – مع اندلاع أعمال شغب مناهضة للعرب في عكا وحيفا ويافا وطمرة وبات يام والعديد من المواقع الأخرى – عارمًا لدرجة أن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس أمر وحدات شرطة الحدود الإسرائيلية بتعزيز موظفي إنفاذ القانون المحليين. وأعلن غانتس أن القوات الإضافية كانت ضرورية “لوقف التحريض والهياج الذي يمزق المجتمع الإسرائيلي من الداخل”. ما فشل غانتس في ذكره هو أن وحدات حرس الحدود التي استدعاها تم إعادة نشرها من الضفة الغربية، حيث اشتهرت بمعاملة قاسية للفلسطينيين. حتى اليهود الإسرائيليين يرددون قائلين: هل الإسرائيليون المدربون على الشرطة ضد العرب تحت الاحتلال مهتمون حقًا بقمع العنف الذي يستهدف المواطنين العرب في إسرائيل كضحايا له؟ بالنسبة للأمريكيين، يذكرنا قرار غانتس بالقرار الذي اتخذته إدارة ترامب خلال احتجاجات Black Lives Matter  “حياة السود مهمة” العام الماضي، عندما تم نشر حراس سجن مدججين بالسلاح وحاملين للهراوات من تكساس في شوارع واشنطن العاصمة.

ومن خلال ما سبق أصبح هناك شعور بين الأمريكيين بأن إسرائيل دولة تعاني من نفس العيوب المؤسسية التي نراها في أمريكا، والتي أدت إلى وفاة جورج فلويد في مايو 2020. فبينما يشكل العرب ما يزيد قليلاً عن 20 في المائة من المواطنين الإسرائيليين، إلا أن مدارسهم، والبنية التحتية البلدية، والوصول إلى الفرص المهنية والخدمات الاجتماعية متخلفة عن نظيرتها في بقية إسرائيل. ولا تزال أيضًا البلدات والأحياء العربية مهمشة، مع ارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الجريمة، وعزلة الشباب، وانتشار الفقر. وفي جميع المدن ذات الأغلبية اليهودية تقريبًا، يراقب الأقلية العربية حضور شديد القوة للشرطة اليهودية فقط. والنتيجة هي اعتقاد متزايد بين عرب إسرائيل بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في دولة صممها وبناها وحكمها وحفظ نظامها الآخرون.

 

وبعد سنوات من الإهمال، كان رد فعل الكثيرين في الحكومة الإسرائيلية على هذا الواقع من خلال ضخ مزيد من التمويل إلى المجتمعات العربية الإسرائيلية. لكن التقدم الذي تم إحرازه كان بطيئًا وغير متساوٍ، نتيجة لوجهة النظر السائدة بين اليهود الإسرائيليين بأن الدولة اليهودية يجب أن تحابي اليهود، لدرجة أنه على مدار السبعين عامًا الماضية لم يتم تشكيل حكومة إسرائيلية تضم أحزابًا سياسية عربية. في الواقع، سن الكنيست قانون في يوليو 2018، يشرع الهيمنة اليهودية على المؤسسات، وينص على أن “الحق في ممارسة تقرير المصير القومي” في إسرائيل “فريد للشعب اليهودي”. استقبل المشرعون العرب إقرار القانون بتمزيقه، مصحوبة بصرخات “الفصل العنصري”. لذا فحتى مع قصف الجيش الإسرائيلي لغزة ورد حماس بإطلاق الصواريخ، فإن العديد من المعتقدات السياسية الغالية لدى إسرائيل أصبح موضع تساؤل في شوارع إسرائيل – وفي الصحافة الإسرائيلية.

وقد أشار المعلق السياسي ديفيد هوروفيتس، الذي يكتب في صفحات تايمز أوف إسرائيل، إلى أن الانتفاضة العربية في إسرائيل وضع بذورها القادة السياسيين الذين قد اشتركوا مع الأحزاب السياسية اليمينية المعادية للعرب، من أجل إبقاء حكومة إسرائيل في أيدي الأحزاب السياسية اليهودية، والتي تم مؤخراً “دخول بعضها إلى البرلمان كجزء من تحالف مخجل توسط فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو”. إن الأمريكيين الذين يهزون رؤوسهم في دهشة من هذا يحتاجون فقط إلى تذكر تاريخنا: فخلال عصر إعادة الإعمار، كان كو كلوكس كلان جناحًا افتراضيًا للحزب الديمقراطي الجنوبي. ومع ذلك، في حين أننا قد نشعر أننا لسنا في وضع يسمح لنا بإلقاء محاضرات على الإسرائيليين حول كيفية بناء مجتمع عادل، فلن يكون من المناسب للأمريكيين أن يقترحوا للإسرائيليين أن الديمقراطية الحقيقية تنبع من أمة قائمة على القوانين – المطبقة على قدم المساواة، حتى على الفلسطينيين.

 

إن الأحداث في إسرائيل ذات تأثير بارز هنا في الولايات المتحدة، حيث تتزايد أعداد الأمريكيين، بمن فيهم أولئك في مجتمعنا اليهودي، المستائين من الدعم الأمريكي الثابت لـ “الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. سوف يتعمق هذا السخط، حتى (كما يبدو الآن مؤكدًا) عندما تتصارع حماس والجيش الإسرائيلي مرة أخرى. وهو ما يشير إلى أن أي صراع عربي إسرائيلي مستقبلي سيبدو إلى حد كبير مثل هذا الصراع: حيث لن يشمل فقط الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، بل أيضًا أولئك العرب الإسرائيليين الذين يعيشون في إسرائيل نفسها. في الواقع، فإن القصة الحقيقية التي سيركز عليها الأمريكيون في السنوات المقبلة، والتي ستؤدي إلى الانزعاج المتزايد للحكومة الإسرائيلية، لن تتعلق كثيرًا بالصواريخ –  بل بكل ما يتعلق بالحقوق.

 

مارك بيري هو كبير المحللين في معهد كوينسي لفن الحكم والإدارة الموثوقة ومقره واشنطن العاصمة ومؤلف عشرة كتب عن الشرق الأوسط والتاريخ العسكري للولايات المتحدة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *