By / 30 مايو، 2020

الفصل بين السلطات هل يعزز الديمقراطية؟

تتطور الأفكار السياسية تجاوبا مع تنامي حاجات المجتمعات. ونظرا لعدم وجود مرجعية عليا متفق عليها لدى الغرب تماثل مرجعية الوحي لدى المسلمين، فقد تنوعت التنظيرات السياسية الغربية عبر العصور. فالعصور الوسطى الأوروبية اتسمت بالحكم المطلق من طرف الملوك والأباطرة، سواء أكان ذلك بتفويض ديني يمنحه البابا الكاثوليكي للملك أو رغما عن البابا في حالات أخرى. 

ومع بداية تبلور الدولة القومية بعد صلح وستفاليا (1648)، برزت الروابط الوطنية كمركز للولاء بدلا من الروابط الدينية أو نبلاء الإقطاع. ومع تصاعد النزاعات بين الملوك والشعوب بمرور الوقت، بدأ المفكرون الغربيون في تقديم تنظيرات حول ضرورة الفصل بين السلطات.

كان الإنجليزي جون لوك (1632- 1704) في مقدمة من طرحوا مبدأ الفصل بين السلطات على أساس الحكومة النيابية القائمة على السيادة الشعبية لا على أساس الملكية المطلقة تأثرا منه بالنظام الإنكليزي، حيث فرق لوك في كتابه (الحكومة المدنية) بين:

  • السلطة التشريعية التي تسن القوانين.
  • السلطة التنفيذية التي تنفذ الأوامر العامة.
  •  السلطة الاتحادية، وهي المسؤولة عن الشؤون الخارجية مثل إعلان الحرب وإقرار السلم وعقد المعاهدات. 

ورأى لوك أن طبيعة عمل السلطة التنفيذية يتطلب وجودها بشكل دائم في حين أن الحاجة ليست دائمة لوجود السلطة التشريعية. وأضاف أن جمع سلطتين في يد واحدة سيؤدي حتما إلى الاستبداد. وقد كانت السلطة القضائية تابعة في عهد لوك للملك الانجليزي، لذا لم يتطرق لها.

أما الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) فقد طرح نموذجا مختلفا يرى أن تشتيت السلطة شرط أساسي لضمان الحرية ومواجهة استبداد الحكم المطلق. ومن ثم نادى مونتسكيو بالفصل الكامل والتام بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بحيث لا تتدخل أي سلطة منهم في عمل الأخرى، مع عملهم جميها في تعاون وانسجام. كما شدد على أن تمارس كل سلطة الرقابة على السلطات الأخرى بحجة أن ذلك سيحقق الحماية لحقوق وحريات الأفراد. واشتهرت نظريته باسم (توازن القوى) بين السلطات.

وقد اعتبر مونتسكيو أن السلطة التنفيذية هي نفسها السلطة الاتحادية باعتبار أن المهام التي تمارسها كل منهما واحدة، في حين جعل السلطة القضائية سلطة قائمة بذاتها تختص بالفصل في الخصومات بين الأفراد والهيئات فضلا عن مراقبتها للسلطات الأخرى، في حين تختص السلطة التشريعية بسن القوانين. وقد أعطى مونتسكيو للسلطة التنفيذية حق النقض على التشريعات التي تصيغها السلطة التشريعية، كما أعطى السلطة التشريعية حق محاسبة ومعاقبة السلطة التنفيذية.

وقد ألهمت أفكار مونتسكيو كُتاب دستور الولايات المتحدة الأمريكية. حيث اقتبسوا منها الفصل الجامد بين السلطات لكنهم بدلاً من منح السلطة التنفيذية لملك وراثي فقد منحوها إلى رئيس منتخب بشكل مباشر، وبذلك أوجدوا النظام السياسي الذي يُسمى اليوم بالحكومة الرئاسية.

أما جان جاك روسو فقد طرح نسخة مختلفة من مبدأ الفصل بين السلطات  في كتابه (العقد الاجتماعي). حيث رأى أن الشعب صاحب سيادة غير قابلة للتجزئة، وأن سلطة الشعب يجب ألا تكون محدودة بأي قوة أخرى، وأن السلطة التشريعية منتدبة من الشعب الذي يملك حق رقابتها وإقالتها بينما السلطة التنفيذية مجرد وسيط بين الشعب والسلطة التشريعية. ومن ثم نادى روسو بالفصل المرن بين السلطات، وتبعية السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية التي تمثل السيادة.

وقد اعتمدت العديد من دول العالم على نسخة روسو من مبدأ الفصل بين السلطات، حيث تبنت نظاما يقوم على الحكومة البرلمانية، بحيث يكون من حق السلطة التشريعية اختيار ومراقبة وعزل من يمسكون بمقاليد السلطة التنفيذية.

عمليا نجد أن أحزاب الأغلبية في الدول ذات النظام البرلماني هي التي تختار أعضاء السلطة التنفيذية، وبالتالي تكون الحكومة معبرة عن موازين القوى داخل السلطة التشريعية، وعندئذ تتراجع الحدود والحواجز بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فليس من المعتاد أن يلجأ حزب الأغلبية إلى اسقاط حكومة الحزب أو تقويض عملها.

حالة الاستثناء (State of Exception)

جادل بعض المنظرين مثل الألماني كارل شميث بأنه رغم أن السلطة التنفيذية تخضع رسميًا للسلطة التشريعية في العديد من الدول، إلا أن السلطة التنفيذية في الواقع هي السلطة الحقيقية. وأضاف أن السلطة التنفيذية هي التي تحدد اللحظات التي يكون فيها النظام القانوني مهددًا، وعندئذ تدافع عنه بوسائل غير قانونية حيث يجري تعليق النظام القانوني بشكل شرعي، ويتم تثبيت حالة الاستثناء.

رغم أن مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي نظريا إلى منع احتكار السلطة، ويكفل حقوق الأفراد، إلا أنه عند النظر إلى العديد من دول العالم الثالث، سنجد أن تلك الدول تعتمد رسميا مبدأ الفصل بين السلطات، لكن على أرض الواقع تمسك السلطة التنفيذية بمقاليد الحكم.

ففي مصر على سبيل المثال، يوجد نظام حكم رئاسي، لكن في ذات الوقت رئيس الدولة هو الذي يختار ويعين رؤساء الهيئات القضائية، كما تشرف وزارة العدل على عمل السلطات القضائية، ومن ثم تتم محاسبة ومعاقبة أي قاض يعارض السياسات الحكومية. أما مجلس النواب المختص بمراقبة الحكومة وتشريع القوانين، فتشرف الأجهزة الأمنية على اختيار ممثليه، وهي التي تتحكم في نتائج الانتخابات النيابية بالتنسيق مع القضاة.

وتشابه مصر في ذلك العديد من دول أميركا اللاتينية التي تتسم بالمركزية المفرطة للسلطة التنفيذية، وتدخل الجيش في الحياة السياسية، والانتهاكات الممنهجة لسيادة القانون، وضعف الأحزاب السياسية. وفي ظل تلك الأجواء ينتشر الفساد والرشوة والمحسوبية والقمع، وتتهدد شرعية الدولة ذاتها لافتقادها للعدالة وغياب حكم القانون.

الخلاصة

برز مبدأ الفصل بين السلطات في القرون الأخيرة مع تبلور الدولة القومية بعد صلح وستفاليا من أجل ضمان حقوق وحريات الأفراد والتصدي للاستبداد الناتج عن الحكم المطلق. وتبلورت منه نسختان:

  • نسخة  طرحها مونتسكيو تقوم على الفصل الجامد بين السلطات لمنع تمركز القوة في يد سلطة واحدة، وتجسدت في النظام السياسي الأميركي.
  • نسخة أخرى طرحها روسو تقوم على الفصل المرن بين السلطات، وتذهب إلى خضوع السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية التي تمثل السيادة، وتجسدت في الأنظمة السياسية البرلمانية.

وفي المحصلة، نجد أن المؤسسات السياسية في الديمقراطيات الراسخة التي تشكلت عقوب حروب أهلية طاحنة عادة ما تكون أكثر خضوعًا للمساءلة، بينما تكون السلطة التنفيذية مقيدة بأحزاب منافسة قوية ومجالس تشريعية ومجتمع مدني. في حين تفتقد الأنظمة السياسية في الديمقراطيات الشكلية إلى آليات للمساءلة أو سيادة القانون، ويكون مبدأ (الفصل بين السلطات) مجرد حبر على ورق يتجسد في مؤسسات تخضع للسلطة التنفيذية. وفي تلك الحالة تكون السياسات الواقعية للنظام الحاكم هي المعبرة عن طبيعة النظام لا الهياكل الدستورية والرسمية. 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *