By / 15 يوليو، 2019

القرن الأفريقي تحديات الداخل وتدخلات الخارج

بقلم: د. حسن سلمان

تمهيد: 

تمر المنطقة العربية منذ سنوات بموجة من موجات التحرر ضد الاستبداد والفساد والتبعية الخارجية وقد دخلت بعض البلدان في الصراع المسلح الذي حُملت عليه حملًا، من خلال تصلب الأنظمة الاستبدادية والقوى الدولية الرافضة للتغيير، وقد قدمت في سبيل حريتها وكرامتها التضحيات الجسام قتلًا وسجنًا وتشريدًا، وما كان لهذه التضحيات أن تضيع سدى مهما تصورت أنظمة الثورة المضادة أنها قادرة على إعادة الشعوب إلى القمقم والحظيرة، وأنها ستحقق للقوى الإمبريالية العالمية الضبط والسيطرة المحلية التي فرضت على المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، من خلال فرض أنظمة وظيفية تملك السلطة وأدواتها القمعية المحلية ولكنها لا تملك التمثيل لشعوبها وبالتالي السيادة الوطنية، فهي أنظمة فاقدة للشرعية الدستورية والشعبية وموالية لقوى الاستكبار العالمي.

وبما أن العالم أصبح قرية واحدة من خلال وسائط التواصل المختلفة ويتأثر ببعضه؛ فإن موجة الثورة العربية أعقبتها حالة من الحراك الشعبي المطلبي في أكبر دولة من دول القرن الأفريقي وذات كثافة وتنوع سكاني كبير -وهي الدولة الإثيوبية- حيث تحركت كبرى القوميات فيها (الأورمو / الأمهرا) شعورًا بالغَبن والظلم الواقع عليهم وخاصة التمدد في أراضيهم وانتزاعها من السلطة المركزية، وتصاعدت هذه التحركات وتحولت لصورة من صور العنف في بعض المناطق، وزادت حالات الاعتقال مما أدى لخلخلة في أطراف التكتل الحاكم في إثيوبيا، وكادت السلطة المركزية تفقد السيطرة على الأقاليم، ما نتج عنه تحولات كبيرة في القوى الحاكمة والقوميات المتنفذة وإعادة رسم الخارطة السياسية في إثيوبيا والقرن الأفريقي عامة، مدعومًا من القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الامريكية والقوى الإقليمية التابعة لها، ومن خلال السطور التالية نتناول أحداث المنطقة وتداعياتها المستقبلية.

أولا: تعريف القرن الأفريقي وأهميته:

القرن الأفريقي الذي يطلق عليه بالإنجليزية Horn of Africa، هي المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي، وهي التي يحدها المحيط الهندي جنوبًا، والبحر الأحمر شمالًا، وتقوم عليه حاليا: (إرتريا، جيبوتي، الصومال، أثيوبيا) ويضيف فيها بعض الجغرافيين (السودان وكينيا) بسبب التداخل الحدودي والقبلي.

والولايات المتحدة الأمريكية منذ عهد الرئيس “بيل كلنتون” وسَّعت حدود القرن الإفريقي – تحت مسمى القرن الإفريقي الكبير- ليشمل عشر دول، تمتد من إرتريا شمالًا وحتى تنزانيا جنوبًا، ليضم أثيوبيا وإرتريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا والصومال والسودان وجيبوتي ورواندا وبورندي, ولحقت بهم دولة جنوب السودان عقب انفصالها في 2011م.

وهناك من وسع من نطاق المفهوم ليدخل دولا من خارج الإقليم، بحيث يتعدى الحدود الإقليمية للمنطقة، ليضم دولا مثل: اليمن والسعودية بحكم القرب الجغرافي والتواصل السكاني والتأثير والتأثر، وقد قام وزير الدولة الفرنسي للشئون الخارجية حينها “أوليفيه سيترن” في عام 1981 بتوجيه الدعوة إلى كل من السعودية واليمن إضافةً إلى دول القرن الإفريقي لعقد مؤتمر إقليمي يهدف إلى حل مشكلات المنطقة.

تمتد مساحة القرن الأفريقي ما يقرب (2.000.000) كم2 وعدد سكانها يفوق (200) مليون نسمة ، بتركيبة تتميز بتعدد اثني ولغوي وديني (المنطقة تعدّ موطنا لنحو (340) لهجة ولغة ) , ويفوق عدد المسلمين فيها نسبة 60 % .

الأهمية الاستراتيجية للقرن الإفريقي:

منطقة القرن الإفريقي خضعت في التاريخ المعاصر للاستعمار الأوروبي طمعًا في السيطرة على ثرواتها الهائلة من النفظ والغاز والذهب والفضة واليورانيوم، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي للممرات المائية وربطها بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي والتي تعد واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية في العالم، وتستند هذه الأهمية إلى عدة اعتبارات أهمها:

  1. أنها تشرف على خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهي ممرات مائية لها أهميتها التجارية والعسكرية خاصة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869.
  2. باكتشاف النفط والغاز في منطقة شبه الجزيرة العربية والخليج وإيران والاعتماد على البحر الأحمر لنقله إلى الغرب، أصبحت منطقة القرن الإفريقي منطقة مصالح حيوية باتت (تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوربا والولايات المتحدة).
  3. تُعد ممرًّا مهما لأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي وشبه القارة الهندية.
  4. القرن الإفريقي سواء بحدوده الضيقة أو الواسعة، يعتبر منبعًا لنهر النيل؛ حيث تحصل مصر على 85% من حصتها السنوية من هضبة الحبشة، و15% من البحيرات العظمى.
  5. لا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع ( الموانئ والجزر فحسب)، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في عدد من دول المنطقة السودان / الصومال.
  6. منطقة القرن الإفريقي تعتبر ذات أهمية استراتيجية بالغة للمنطقة العربية وتشكل عمقًا استراتيجيًّا لها نتيجة الجوار الجغرافي والتداخل البشري، وعلاقات القربى والتفاعل التاريخي والحضاري، ولارتباطها المباشر بأمن الحرمين الشريفين وبالأمن القومي العربي بشكل عام، وتأثيرها في المصالح الحيوية لبعض الأطراف العربية على وجه الخصوص , مصر نموذجا.

ثانيا: التواجد الدولي في المنطقة:

نظرا لما تمثله منطقة القرن الإفريقي من موقع جيوستراتيجي هام فقد ظلت تاريخيًا ساحة صراع دولي سواء في فترات الاحتلال الغربي أو فترة الحرب الباردة وما بعدها فقد عملت القوى الكبرى على التواجد بها ويمكن الوقوف على ذلك من خلال الفقرات التالية:-

  1. (الولايات المتحدة) يعتبر تواجد أمريكا في المنطقة قديمًا وقد عملت على تأكيد تواجدها بالمنطقة حديثًا إذ وقّعت اتفاقا مع جيبوتي عام 2003 لاستخدام المنشآت العسكرية وإنشاء قاعدة «ليمونييه العسكرية» في حملتها ضد ما تسميه (الإرهاب)، وجددت الاتفاقية الخاصة بالقاعدة في مايو 2014، وذلك بخلاف دعمها لإثيوبيا وبعض الدول المجاورة لمنطقة القرن الأفريقي مثل كينيا، ومن أجل بسط واشنطن سيطرتها وإعادة ترتيب التوازنات والتحالفات الإقليمية أطلقت مشروع القرن الأفريقي الكبير.
  2. 2(فرنسا) أبرمت اتفاقًا مع جيبوتي في 2011، تدافع بموجبه باريس عن وحدة وسلامة أراضي جيبوتي، إضافة لوجود قاعدة عسكرية أساسية لفرنسا في جيبوتي منذ مائة عام.
  3. (الصين) بادرت من جهتها إلى اعتبار باب المندب والبحر الأحمر من أهم الروابط البحرية في تجارتها، وأحد أهم أضلاع تقوية طريق الحرير الجديد لحماية سفنها والتواصل المباشر مع إفريقيا الجنوبية، وذلك ببناء قاعدة تضم عشرة آلاف جندي بدأ الترتيب لها منذ العام 2017م.
  4. (اليابان) بعد تبني عقيدة «السلام الاستباقي» بادرت إلى تأكيد مكانتها على الساحة الدولية، والاستعداد لمواجهة التهديدات التي تحيط بسفنها في البحر الأحمر، حيث فتحت قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ عام 2010 م، وتنقل السفن اليابانية جُلَّ بضائعها عبر البحر الأحمر، ويعود إليها الإشراف على 10 % من النقل البحري في المنطقة، حيث تسعى طوكيو إلى مزاحمة النفوذ الصيني المتصاعد في أفريقيا.
  5. (روسيا) عمدت إلى اتباع سياسة نشطة للعودة إلى إفريقيا وخاصة منطقة القرن بعد تنامي التنافس مع المحور الأمريكي الأوروبي، جيبوتي رفضت عرضًا روسيًّا لتأسيس قاعدة لها في البلاد نتيجة للضغوطات الأمريكية والأوروبية.
  6. (الكيان الصهيوني) تعتبر منطقة القرن الأفريقي جزءًا من نطاق أمنها الحيوي، فعملت على إقامة علاقات أمنية وعسكرية مع إفريقيا عامة وخاصة إثيوبيا منذ ستينات القرن الماضي، وشهدت مؤخرًا زيارة رئيس وزراء الكيان «بنيامين نتنياهو» في يونيو 2016 م تعد الأولى منذ (50) عامًا، وذلك لبحث تعزيز التجارة والاستثمار ومناقشة القضايا الإقليمية، زيارة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة شملت أيضًا توقيع اتفاق مع كينيا لمساعدتها في التصدي لحركة الشباب الصومالية، وتتواجد دولة الاحتلال في جزيرتي «دهلك» و«فاطمة» الإرتريتين، وتقيم مراكز رصد على البحر الأحمر تستهدف السعودية والسودان واليمن، وتقيم في «دهلك» أكبر قاعدة بحرية لها خارج حدودها، وقد وقعت إرتريا اتفاقية أمنية مع الكيان في 1996 تسمح لـ«الموساد» بحرية الحركة داخل إريتريا مقابل التزام الاحتلال بتوفير احتياجات أسمرا في المجال الدفاعي والأمني.
  7. (تركيا) سعت أيضًا للتواجد في العمق الإفريقي لتعزيز نشاطها الاقتصادي والسياسي ونفوذها العسكري، وقد أعلنت الحكومة التركية 2005م عامًا للانفتاح على إفريقيا ليكون 2008م عامًا للتحالف الاستراتيجي مع أفريقيا، وترنو تركيا لأن يصل حجم التبادل التجاري مع إفريقيا ل (50) مليار دولار عام 2023م، والجدير بالذكر أن الاستثمارات التركية في إثيوبيا هي الأكبر في دول جنوب الصحراء في القارة الإفريقية، كما تمدد التمثيل الدبلوماسي لعدد (47) دولة، وقد زادت حجم المساعدات الرسمية لإفريقيا خلال الفترة الماضية بنسبة كبيرة وفي مجالات متعددة، وقامت ببناء قاعدة عسكرية تركية في الصومال بجانب كلية عسكرية لتدريب الضباط الصوماليين، كما افتتحت أكبر سفارة لها في العالم على مساحة 80 ألف متر مربع في مقديشو وتساهم تركيا بشكل كبير في بناء وإعادة مؤسسات الدولة الصومالية، وعقدت اتفاقيات وتفاهمات مع السودان لتطوير ميناء سواكن اقتصاديا وعسكريا.
  8. (إيران) اتبعت سياسة نشطة في إفريقيا عامة والقرن الإفريقي خاصة، من خلال إبرام الشراكات الاقتصادية وتحقيق اختراقات ثقافية (نشر التشيع) بجانب تعزيز وجودها العسكري، حيث تمكنت من بناء قاعدة بحرية عسكرية في إريتريا، ومركز لتموين سفنها، إضافة لتدريبها عناصر من الحرس الثوري والميليشيات التابعة لها في إريتريا، وكان النظام الإرتري حلقة وصل ودعم عسكري للحوثيين في اليمن في انقلابهم على حكم عبد ربه منصور هادي، ولكن تطورت الأمور بشكل مختلف بعد إعلان التحالف العربي وعاصفة الحزم، ووقفت إرتريا مع المحور الخليجي على حساب الجانب الإيراني، وعمومًا لا زال التواجد الإيراني في المنطقة بالرغم من التراجع النسبي ووجود المزاحمة.
  9. (الدول العربية) تميز الدور العربي بالضعف!! ليس فقط في القرن الإفريقي ولكن في عموم القارة، وخاصة الدور المصري، إذ فشل في الحفاظ على النفوذ المصري الإفريقي التاريخي، بل أصبح مهددًا في أمنها المائي من قبل إثيوبيا، بالمقابل تنامي الدور الخليجي في القرن الأفريقي بعد أن أدركت مؤخرًا أهمية المنطقة ودورها في كبح جماح التمدد الإيراني، فالسعودية سعت للاتفاق مع جيبوتي على بناء قاعدة عسكرية لها، ودعم إثيوبيا في مشاريعها الكبرى، وعلى رأسها بناء السدود كما صرح وزير الإعلام الإثيوبي مؤخرًا، والإمارات هي الأخرى بجانب تواجدها الاقتصادي تقدم دعمًا أمنيًّا وعسكريًّا لدول القرن الإفريقي في مواجهة التوجهات الإسلامية في المنطقة، وقد وقّعت عقد إيجار لمدة ثلاثين عامًا على ميناء عصب الإرتري، واستفادت من ذلك في التواجد العسكري واللوجستي في حرب اليمن الجارية مع أنها خسرت علاقاتها وتواجدها في الصومال وجيبوتي، ولكنها عوضت ذلك بتطوير علاقاتها مع إثيوبيا في الآونة الأخيرة.
  10. كما وافقت دول مجلس التعاون الخليجي على تقديم دعم مالي ومساعدات، والتعهد بتطوير مطار أسمرا الدولي، وزيادة إمداداتها من البترول والغاز الطبيعي.

وكان لهذا التموضع العربي في كل من ميناء عصب، وقاعدة عصب الجوية في إريتريا أثر كبير في نجاح القوات اليمنية وطرد الحوثيين من عدن في إطار «عملية السهم الذهبي»، وهو ما أمّن طريقًا بحريًّا بين مينائي عدن وعصب.

ثالثا: الصراعات الأساسية في منطقة القرن الإفريقي:

1. أزمة الهوية والثقافة (الإثنيّة، اللغة، الدين):

منطقة القرن الإفريقي وبحكم الظروف الطبيعية والتاريخية والسياسية، التي مرت بها أفرزت ثقافات مختلفة ومتناقضة، فالخريطة السياسية لمنطقة القرن الإفريقي عقب الاستقلال جاءت متناقضة إلى حد كبير مع التوزيعات القومية والعرقية والإقليمية والقبلية واللغوية، حيث فرض الاستعمار حدودًا مصطنعة بين دول المنطقة، دون أية مراعاة لأوضاع الجماعات الإثنية تعكس بالأساس مصالح القوى الاستعمارية، حيث تداخلت الإثنيات وتعددت بين الدول وعزلت عن مراعيها وأسواقها وأقاربها وأماكن عبادتها، كما أدى إلى وجود جماعات إثنية وعرقية ذات تاريخ من العداء والصراع داخل حدود إقليمية واحدة، مما خلق داخل الدولة الواحدة تناقضًا وتصارعًا بين الانتماءات الفرعية على أساس إثني ولغوي وديني، وأوجد بيئة مناسبة لتوتر العلاقات وتفجر النزاعات بين دول القرن الإفريقي.

2. أزمة النظام السياسي (غياب الحريات، عدم المساواة، الهيمنة، التمييز العنصريّ، التهميش، العزلة):

بعد خروج الاستعمار من القرن الإفريقي ظهرت الدول المستقلة ضعيفة ومحملة بالكثير من الأعباء والمشاكل التي خلّفها الاستعمار، وفشلت الأنظمة السياسية التي خلفته والتي احتفظت بكثير من ملامح الفترة الاستعمارية -ولا سيما سياسات القمع والإكراه المادي- فشلت في التعامل مع تلك الاختلافات وخلق آلية مناسبة لاستيعاب تلك الاختلافات والتناقضات في إطار الدولة الجامعة لكافة المكونات الوطنية بمختلف إشكالاتها وتمظهراتها، بل على العكس من ذلك ساهمت السياسات التي اتبعتها تلك الدول في مرحلة ما بعد الاستقلال في تعميق الاختلافات بين تلك المكونات المختلفة، ودفعها في اتجاه الحروب الأهلية والاقتتال الداخلي، بفعل تكريس النخب الحاكمة لسياسة التمييز والتحيز لصالح المكونات الاجتماعية التي تنتمي إليها هذه النخب وحرمان الجماعات الأخرى من حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما ولّد شعورًا لدى هذه المكونات بأنها مهمشة ومستبعدة بشكل متعمد من قبل هذه النخب، وهو الأمر الذي دفعها إلى تشكيل جبهات معارضة مسلحة، حاولت تغيير الوضع القائم وتحقيق مصالحها، وتراوحت أهدافها بين التغيير الاجتماعي الشامل وتحقيق العدل والمساواة، والخلاص من الظلم، وإقامة أنظمة سياسية جديدة، وبين تحقيق الانفصال عن الدولة (جنوب السودان نموذجا).

ويمكن الإشارة إلى عدد من المؤشرات التي أسهمت في تآكل شرعية الدولة والأنظمة السياسية، وشيوع ظاهرة الصراعات وعدم الاستقرار السياسي في مجتمعات القرن الإفريقي لعدد من الأسباب منها:

  • تأسيس نمط من الحكم الديكتاتوري الذي يعطي أهمية كبيرة لدور شخص الحاكم في النظام السياسي.
  • عدم الاعتراف بالمعارضة السياسية المنظمة، واعتبارها مسألة لا تلائم الواقع الإفريقي.
  • ضعف المؤسّسات التشريعية والقضائية، وعدم قيامها بالوظائف المنوطة بها دستوريًّا، حيث باتت أداة طيّعة يستخدمها النظام الحاكم للحصول على الدعم والتأييد السياسي.
  • اللجوء إلى استخدام سياسات القمع والعنف لتحقيق أهداف النظام السياسي؛ بدلًا من الاعتماد على سياسات الإقناع والرضا الشعبي.
  • الربط بين المنصب السياسي العام وتحقيق الثروة والمكانة في المجتمع، حيث أضحت النّخبة الحاكمة تمثّل فئة اجتماعية متمايزة في سياق الانقسامات المجتمعية.
  • غياب التقاليد والأسس الواضحة التي تحكم عملية تداول السلطة، وهو الأمر الذي أدّى إلى تبنّي الوسائل غير السلمية، مثل: الانقلاب، الاغتيال، والحرب الأهلية، في عملية نقل السلطة.
  • تبنّي صيغ المنهج الفوقي في التغيير السياسي، وعادة ما كان ذلك يتم من خلال عمل انقلابي، أو الوصول إلى السلطة عن طريق حركة تحرير مسلحة، أو فرض قناعات إيديولوجية من جانب شخص الحاكم.

3. أزمة التنمية:

فشلت الأنظمة السياسية التي أعقبت الاستعمار في تبني سياسات تنموية تحقق الاستقرار والازدهار لشعوبها نتيجة (غياب الإنتاج والتصنيع أو ضعفه، وتردّي مستوى التعليم، بالإضافة إلى ضعف البنى التحتية، وقلة الصادرات، والاعتماد على القروض والمساعدات الدولية)، في مقابل ذلك أخفقت السياسات الاقتصادية التنموية التي اتُبعت من القرن الماضي في توفير الاحتياجات الأساسية للشعوب بل أدّت إلى خلق أزمات على المستوى الاجتماعيّ: زيادة معدلات الفقر، الأمّيّة، المشكلات الصحيّة الوبائيّة، البطالة، الجفاف، التدهور البيئيّ، فضلًا عن التحارب على مصادر المعيشة مثل: الأرض، الماء، المراعي، الغذاء، الطاقة (نموذج حرب دارفور في السودان), وخلق البيئة المناسبة لتزايد الجريمة، وانتشار الفساد والسوق السوداء، وتهريب الأسلحة والمخدرات وتجارة البشر – الخ.

4- أزمة السيادة (التدخّل الخارجيّ ):

منطقة القرن الإفريقي ظلت محل اهتمام دائم ومستمر من القوى الغربية وميدانًا لتصارعها وتنافسها منذُ بدء الحملات الاستكشافية البرتغالية في القرن السادس عشر، وما أن حل القرن التاسع عشر حتى كان لأغلب القوى الاستعمارية مناطق نفوذ ومستعمرات في المنطقة.

وخلال سبعينيات القرن الماضي وأثناء الحرب الباردة شهدت المنطقة تنافسًا شديدًا وتبادلًا للمواقع وحروبًا بالوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وبعد تراجع الاتحاد السوفيتي عن مكانته كقطب منافس ثم انهياره بعد ذلك أصبح التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

كما أن التدخلات استمرت تحت حجج عديدة (الحرب على الإرهاب ومكافحة القرصنة).

رابعا: التطورات السياسية في إثيوبيا إلى أين:

تعد منطقة القرن الإفريقي من المناطق المعقدة في تركيبتها الدينية والقومية وصراعاتها السياسية، ونادرًا ما شهدت نوعًا من الاستقرار والسلام خلال القرون الماضية وخاصة منذ القرن السادس عشر الميلادي، وظل العامل الخارجي مؤثرًا في كل تفاعلاتها البينية، فهو المرجح دوما لكفة المكون الذي تتاح له فرصة السيطرة والتحكم على باقي المكونات سواء كان من الأقليات أو الأكثريات، مع ملمح ثابت وهو الحفاظ على الوجه الديني والثقافي بطابعه المسيحي وخاصة في اثيوبيا الدولة المركزية في المنطقة والذي أدى في كثير من المحطات لسحق وضرب واستضعاف المكونات المسلمة فيها دون أن تتوقف الشعوب المقهورة عن المقاومة الشعبية ومناهضة الهيمنة عليها.

 وفي نهايات القرن العشرين صعدت قوى جديدة لحكم إثيوبيا وهي قومية التجراي، وهي من الأقليات القومية التي عانت كغيرها من هيمنة قومية الأمهرا وقد تحالفت مع كافة المكونات الأساسية في البلاد تحت مظلة سياسية على أساس قومي، وتبنت نوعًا من الانفتاح السياسي النسبي وركزت على التنمية الاقتصادية، وقد وجَدَت التحولاتُ تأييدًا من القوى الكبرى والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ظلت حينها القوى العالمية المتفردة بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، فساندت عملية التغيير وخاصة أن التغيير لا يخرج بإثيوبيا عن طابعها الثقافي والديني المسيحي المعهود وإن انتقل ميزان السلطة من طرف لآخر في إطار القوميات المختلفة.

وظلت الأوضاع مستقرة نسبيًا في إثيوبيا في فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق ملس زيناوي، لما يتمتع به الرجل من رؤية واضحة لقيادة البلاد، وكاريزما قيادية متفردة وقبول شعبي من كافة أطراف التحالف الحاكم، لكن وبطبيعة السلطة وحب التملك والتفرد لكل من يعتليها فقد نزعت قومية التجراي للهيمنة والسيطرة على كافة مفاصل الدولة الأساسية سياسة واقتصادًا، وفقًا لما أسماه العلامة ابن خلدون بظاهرة الانفراد بالمجد، وهذا النوع من الانفراد بطبيعته يؤدي لتفكك التحالفات القائمة عند شعورها بالإقصاء والتهميش، ليتم الدخول في مدافعات سياسية جديدة لإعادة رسم الخارطة من جديد، وهو بالفعل ما يحدث في إثيوبيا حاليًا، حيث لا يزال الأمر يتفاعل داخل المكونات الأساسية الحاكمة (الاهودق) منذ سقوط نظام منجستو هيلي ماريام، ويسعى الجميع لتموضع يحافظ له على مكتسباته أو يحقق مزيدا من المكتسبات، وبطبيعة الحال فإن التجراي في هذه الظروف هم الأكثر تضررًا من التغييرات السياسية الجارية؛ لأن كافة التسويات تتم خصمًا من نفوذهم، وبالتالي سيجد التغيير مقاومة منهم لأبعد مدى، لتأخير تداعياته عليهم على أقل تقدير، خاصة وقد كانت لهم امتيازات عديدة نالوها خلال الفترة الماضية بحكم الاستحقاق الثوري وليس الحجم البشري لقومية التجراي.

وكما ذكرت بأن العامل الخارجي الأجنبي هو الأكثر تأثيرًا في التفاعلات الداخلية في المنطقة، ويملك الكثير من أدوات السيطرة والتحكم في إدارة المشهد، وله القدرة على الإرباك وإعادة رسم الخارطة السياسية، بما يحقق مصالحه ونفوذه في المنطقة، وقد رأينا كيف أن أمريكا تحركت مباشرة لترتيب الأوضاع في المنطقة حتى لا تخرج عن السيطرة، وخاصة في ظل بروز قومية الأورمو ذات الأغلبية المسلمة في أثيوبيا، ومهما كانت المعطيات الداخلية فإن هذا النوع من التحول الذي قد يغير الطبيعة المعهودة دينيًا وثقافيًا لإثيوبيا لن يكون مقبولًا استراتيجيا للقوى الغربية وكذلك القوى الداخلية المتحكمة في المشهد السياسي طوال قرون، ولكن قد يتم التعامل معه مؤقتًا كي لا يؤدي لتداعيات كبيرة ومؤثرة ربما طالت وحدة الدولة الإثيوبية نفسها وفقدان المكون المسيحي نفوذه التاريخي.

وبالتالي فإن التحرك الأمريكي يهدف لأمرين في المنطقة حاليًا:

أوّلهما: الضبط والسيطرة وتحقيق الاستقرار في إثيوبيا حفاظا على وحدتها وتماسكها من التفكيك وخاصة هي الدولة المركزية في المنطقة بالنسبة لأمريكا والغرب عامة وبناء عليه تحرك حلفاء الإدارة الأمريكية في المنطقة للتجاوب مع رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد لإظهاره بأنه القادر على تحقيق السلام في المنطقة وتحقيق العدالة والتنمية في إثيوبيا .

والهدف الثاني استراتيجيًا للإدارة الأمريكية هو: ضمان التوازن السياسي الذي يحافظ على الطابع المسيحي التاريخي لإثيوبيا، والذي أشرت إليه سابقا وهذا ما يمكن تحقيقه مؤقتًا بتحقيق السلام مع النظام الإرتري، والذي ظل في حالة قطيعة مع الإدارة الأمريكية طوال عقدين من الزمان بسبب اتهامه لها بالتحيز لإثيوبيا في عملية ترسيم الحدود وفي حالة شبه حرب مع إثيوبيا خلال الفترة نفسها، وهذا السلام بين البلدين يحقق في اللحظة الراهنة كسبًا للوقت بالنسبة للإدارة الأمريكية ويجنب إثيوبيا حالة الحرب الأهلية داخليًا والحرب مع إرتريا إقليميًا، حتى يتم إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد وفي هذه الفترة فإنه سيتم إحالة بعض الملفات في المنطقة للنظام الإرتري، مما سيجعله حليفًا مهما للإدارة الأمريكية مؤقتًا، خاصة في فترة الرئيس ترامب والذي لم يعد معنيا بشكل كبير بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ويفتتح عهده بتسويات مع أسوأ الدول في هذا السجل مثل كوريا الشمالية والآن النظام الإرتري.

وخلاصة القول: فإن التطورات السياسية المتسارعة في إثيوبيا منذ تسلم رئيس الوزراء الجديد (أبّي أحمد) وإعلان استعداد بلاده للسلام مع إرتريا بتاريخ 2 /4 /2018م، ورفع حالة الطوارئ التي أعلنت بسبب المظاهرات، والمصالحة مع المعارضة الداخلية والخارجية ورفع أسمائها عن قوائم الإرهاب، والتسويات الإقليمية لكافة الملفات العالقة، ثم استقباله للوفد الإرتري وذهابه بنفسه لإرتريا بتاريخ 9/7/ 2018 م، وإعلان انتهاء الحرب والدخول في السلام بين البلدين عمليًا؛ فأنه بذلك قد دخلت المنطقة في ترتيبات جديدة داخليًا وخارجيًا وسيكون لها تداعيات كبيرة على المنطقة واستقرارها وخاصة هناك اعتبارات مرعية دوليًا بالنظر لإثيوبيا (كما ذكرها أبوالقاسم حاج حمد) في بعض مقالاته وهي:

  • أولًا: أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وروسيا والصين أيضًا ينظرون إلى أثيوبيا بوصفها المرتكز الإستراتيجي لمنطقة القرن الإفريقي بأسرها، وليس السودان أو الصومال أوجيبوتي أو إرتريا.
  • ثانيًا: أنها مصدر المياه لكل من السودان ومصر غربًا وللصومال شرقًا.
  • ثالثًا: أنها المقر الدائم لمنظمة الوحدة الإفريقية ولها علاقات إقليمية ودولية واسعة ومكثفة.
  • رابعًا: أن الحقبة الإمبراطورية الأمهرية منذ منلليك الثاني في عام 1882 وإلى هيلي سلاسي الذي انتهى عهده في عام 1974، أي على مدى قرن تقريبًا كانت طرفًا أصيلًا في التسويات الأوروبية التي صاغت الخارطة السياسية الجغرافية للقرن الإفريقي.
  • خامسًا: أن أثيوبيا هي الوحيدة في إطار القرن الإفريقي التي تتمتع بثقل بشري يتجاوز تعداده الآن المائة مليونًا.

خامسا: الآفـــــاق:

طبيعة المشهد السياسي في منطقة القرن الإفريقي اليوم يؤكد وفق التجربة التاريخية أنه مشهد متحرك ولا يملك القدرة على الاستقرار والثبات، ومآلات المشهد مفتوحة على كل الاحتمالات مع أن الاتجاه والمزاج لبعض القوى الدولية يسير في اتجاه ترميم الأوضاع لتحقيق الاستقرار وعدم الخروج عن السيطرة، وهو ما رأيناه في المحاولات الجارية لتحقيق السلام بين إرتريا وإثيوبيا، إلا أن نجاح ذلك مرهون بجملة من التحديات الداخلية والخارجية ومدى تحقيق المكتسبات الجمعية لمكونات الإقليم؛ لأن هناك أطرافًا دولية وإقليمية و محلية ربما تنظر لما يجري بأنه خصم عليها، وبالتالي ستعمل جاهدة على مقاومته وعرقلته، كما أن التطورات الداخلية لإثيوبيا في الانفتاح السياسي ومناخ الحريات سيسهم كثيرًا في رسم معالم المنطقة، مع ملاحظة أن التكتل الحاكم في إثيوبيا (الاهودق) عقد مؤتمرًا عامًا وخرج متماسكًا خلافًا للتوقعات، وهذا مؤشر كبير لرؤية التكتل الحاكم لأهمية تماسكه إذا ما أراد الاستمرار في السلطة في واقع سياسي متحرك.

وأما عن مصير السودان السياسي فمتوقف على قدرته على التوافق السياسي ومعالجة الأزمات الاقتصادية المتتابعة ومحاربة الفساد، ومدى قدرته لإدارة التناقضات في العلاقات الخارجية وخاصة في المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة، وكذلك الوفاء بالاستحقاقات المترتبة على اتفاق رفع العقوبات الاقتصادية، وإن الفشل في معالجة الملفات السابقة سيدفع البلاد في اتجاه تصعيد المواجهات مع المعارضة المسلحة وعلى نطاق واسع وربما زادت الفجوة بينه وبين القوى السياسية السلمية كذلك.

وأما في إرتريا فقد استفاد النظام من التحولات الجارية في المنطقة للخروج من أزماته المختلفة وخاصة الناتجة عن الحصار الدولي والإقليمي، واستطاع الاستفادة من فتح الحدود مع إثيوبيا اقتصاديا بالرغم من التحديات الناجمة عن فتح الحدود، والتي شكلت حالة الهروب الجماعي للشعب الإرتري تحديًا حقيقيًا للنظامين الإثيوبي والإرتري على السواء، كما يحاول النظام رفع اسمه من الدول المنتهكة لحقوق الإنسان مستفيدا من عملية السلام ودور إثيوبيا المحوري في ترميم علاقاته الدولية، كما أن هذه التطورات ستلقي بظلالها على المقاومة الإرترية لأن إثيوبيا حاليًا غير معنية إلا بتحقيق السلام والتنمية والاستقرار في داخلها، والنظام الدولي في الأصل غير معني في إرتريا إلا بنظام يحقق الضبط والسيطرة على أمن البحر الأحمر، وهو ما أدركه النظام خلال الفترة الماضية وظل يقهر بسببه الشعب الإرتري دون أي اعتبار للحقوق والحريات العامة.

وبالرغم من هذه المعطيات إلا أننا لا نستبعد بأن السلام بين البلدين سيكون له تداعياته على إرتريا واستحقاقاته التي يصعب الصمت عليها وتجاهلها، خاصة إذا ما استطاع الشعب الإرتري ترتيب أوراقه وتحديد مطالبه ما بعد السلام، وهي في جوهرها استكمال بناء دولة المؤسسات والقانون والحريات والحقوق الأساسية وبناء الهوية الجامعة بعيدًا عن المنطق الطائفي، وأن السيادة والاستقلال الوطني على الأرض لن يكتمل إلا بالسيادة الشعبية على كافة مفاصل الدولة.

وأما الصومال وجيبوتي فهما الحلقة الأضعف في المعادلات الجارية وقد تم استيعابهما بشكل أو آخر، وتمت التسويات في الآونة الأخيرة سواء داخل دول القرن الإفريقي أو عبر دول الإقليم المجاورة.

وخلاصة القول: فإن المنطقة تم ترتيبها وفقًا لمعادلات محلية وإقليمية ودولية ظهرت فيها قوى جديدة في المشهد السياسي وغابت فيه قوى أخرى عن النفوذ والسيطرة وحتمًا سيأخذ ذلك مداه في المكان والزمان والإنسان.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *