By / 23 مايو، 2021

المجاهد الذي أرعب الاحتلال الفرنسي الأمير عبدالقادر الجزائرى

عالم مجاهد، ومقاوم شاعر، بايعه الجزائريون عام 1832 أميرا لمقاومة المستعمر الفرنسي. مرت حياته بثلاث مراحل أساسية، الأولى قضاها في طلب العلم والتعرف على أوضاع البلدان العربية في طريق الحج، والثانية عاشها في الجهاد ومقاومة العدو، وقضى الثالثة أسيرا في فرنسا ثم مناضلا محتسبا في دمشق.

 

مولده ونشأته

ولد في (25 سبتمبر 1807م) في قرية القيطنة، وأمه السيدة بنت عبد القادر ابن خدة، وهي تنحدر من بيت علم وتقوى، من أولاد سيدي عمر بن دوحة، تلقى دروسه الابتدائية في مسقط رأسه تحت إشراف والده؛ وختم القرآن الكريم قبل أن يبلغ الحادية عشرة، وتعلم مبادئ شتى العلوم اللغوية والشرعية، ونال درجة الطالب، وكلف بتحفيظ القرآن للأطفال، وإلقاء الدروس والتفسير في الزاوية.

 

ومن أجل إتمام دراسته سافر عام (1821م) إلى مدينة أرزيو الساحلية؛ التي تقع شمال مدينة معسكر، على بعد حوالي سبعين كيلو متراً، وذلك على يد القاضي الشيخ أحمد بن الطاهر البطيوي؛ الذي كان مشهوراً بغزارة العلم وسعة الاطلاع، وبعدها رحل إلى مدينة وهران إلى مدرسة العالم الفقيه أحمد بن خوجة، صاحب رائعة در الأعيان في أخبار وهران، وتوسع في المعارف اللغوية والفقهية والنحو والبيان والفلسفة والمنطق وصقل ملكاته الأدبية والشعرية، واجتهد في حضور حلقات العلم لعلماء وهران، مثل الشيخ مصطفى الهاشمي والشيخ بن نقريد، وقضى عامين كاملين في هذه الرحلة العلمية، وعاد إلى مسقط رأسه وتزوج بابنة عمه الآنسة خيرة بنت أبي طالب عام (1823م) وأقام في القيطنة معلمًا.

 

وكانت له رحلات علمية للقرويين والزيتونة، وكانت البيئة التي عاش فيها بيئة إسلامية وتربوية إيمانية واجتماعية متماسكة، وفي ظلها تكونت شخصيته، وهي التي أثرت في تكوينه النفسي والجسماني والفكري والاجتماعي والسياسي، وهذا التكوين يعود إلى عوامل منها:

– العامل الوراثي والبيولوجي والعقلي للأمير.

– البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ في ظلها وعاش فيها.

لقد سمع الأمير عن ذلك التصوف من والده الذي لا شك قد حُفر في ذاكرته، وهو محاربة والده لأصحاب الطرق الصوفية الشاذة.

 

لكونه عالماً فقيهاً وحكيماً وشجاعًا، امتاز بالأخلاق الإسلامية، والصفات الحميدة، والنبل الكريم، وعلو منزلته العلمية، وهيبة قبيلته بني هاشم التي يمتد نسبها إلى الأدارسة

 

فقد جاء في كتاب تحفة الزائر: أصل ابن الشريف من الكسانة قبيلة بوادي العبد قرب غريس، أخذ العلم في صغره عن سيدي محيي الدين في مدرسة القيطنة ثم رحل إلى المغرب الأقصى ولقي الشيخ العربي الدرقاوي، وسلك طريقته وقفل راجعاً إلى وطنه، وجاء إلى حضرة سيدي محيي الدين زائراً، وفي بعض الأيام تكلم بحضرته بما يوجب تأديبه شرعاً، فأدبه سيدي الجد بالسياط واستتابه.

 

 

 

فهذا الحادث التاريخي ليس دليلاً فقط على منزلة والد الأمير عبد القادر ومكانته الاجتماعية والدينية، إنما هو دليل على الوقوف في وجه أصحاب الطرق المنحرفة، ومحاربة البدع ومحاربة الابتعاد عن الشرع والسنة والإجماع، والأمير عبد القادر أيضاً أثناء حكمه وفي عهد دولته حارب أصحاب الطرق المنحرفة، ووقف في وجه نشر دعوتهم وفضح أمرها.

فالطرق الصوفية في شمال إفريقيا أحد الروافد الثقافية والفكرية، وقد تعامل معها العلماء وفق المعايير العلمية القائمة على العلم والإنصاف في الأفراد والمناهج، لقد كان السيد محيي الدين والد الأمير عبد القادر من الشخصيات المهمة في التأثير على ابنه الأمير، وكان رجلاً مهاباً محترماً، ليس لكونه قادرياً كما تردده أقلام الدعاية ـ فقط ـ.

 

وإنما لكونه عالماً فقيهاً وحكيماً وشجاعًا، امتاز بالأخلاق الإسلامية، والصفات الحميدة، والنبل الكريم، وعلو منزلته العلمية، وهيبة قبيلته بني هاشم التي يمتد نسبها إلى الأدارسة وحتى عند ولاة العثمانيين كانت له منزلة خاصة، وكان مرهوب الجانب من قبلهم جميعًا بدافع تقدير ومحبة، فأمر طبيعي ظهور هذه الآثار الوراثية على أولاده، ومنهم الأمير عبد القادر، فقد برزت هذه الآثار على الأمير في سن مبكرة، من ذكاء ومواهب فكرية وسرعة بديهة وشجاعة ومهارة بفنون الفروسية، من ركوب الخيل والسباحة واستعمال السيف، إلى جانب نفسٍ أبِيَّةٍ وإيمان قوي ومحبة وجدانية وعقلية لخالق هذا الكون ومبدع تلك الطبيعة الغناء التي نشأ في أحضانها، فالحياة البسيطة في هذه المزرعة والمناخ السياسي الذي نشأ فيه، كان صحياً ومتماسكًا في جزء من دولة كبرى أمنت الاستقرار والازدهار للجزائر وحاربت البدع وأصحابها.

 

التجربة الجهادية.

 

زار عبد القادر العديد من الدول العربية بداية من تونس ثم مصر فالحجاز وصولا إلى بلاد الشام فالعراق التي زار فيها ضريح عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية التي تضم الزاوية التي كان يشرف عليها والده.

 

بعد ذلك مر على الحجاز، وفي عودته إلى الجزائر عرج على مصر وطرابلس واستقر في قريته (القطنة)، ومكنت الرحلة عبد القادر ووالده من الابتعاد عن سيطرة حاكم وهران الذي كان متخوفا من النفوذ العقائدي لعبد القادر ووالده محي الدين.

 

بعد عامين من ذلك تعرضت الجزائر للاحتلال الفرنسي في شهر محرم عام 1246 الموافق 5 يوليو/تموز 1830، وهي المرحلة الأهم في حياته لما حفلت به من تطورات خطيرة تتعلق بمواجهته للفرنسيين، فبعد أن اعتذر أبوه عن قيادة المقاومة الشعبية تولى هو قيادتها.

 

وبويع على الجهاد في رجب 1248 الموافق نوفمبر/تشرين الثاني 1832، وحصلت له البيعة العامة بمعسكر في 17 رمضان 1248، الموافق 4 فبراير/شباط 1833.

 

سارع لتشكيل حكومته ووضع أسس الدولة الجزائرية الحديثة، وجمع المتطوعين وكون جيشا قويا وحقق نجاحات أرغمت قائد الجيش الفرنسي في وهران “دي ميشال” على عقد اتفاق هدنه معه في 26 فبراير/شباط 1834.

 

وتنص الاتفاقية على هدنة أقرت له من خلالها فرنسا سلطته على منطقة الغرب الجزائري ومنطقة الشلف، لكن الاستعمار لم يلتزم ببنود المعاهدة وخرقها عدة مرات.

 

أجبر مرة أخرى الفرنسيين في 30 مايو/أيار 1837 على المفاوضات معه وإمضاء معاهدة التافنة، التي تعترف بسيادته على الناحية الغربية والوسطى من الجزائر، والتي أمضاها الجنرال الفرنسي بيجو.

 

كرر الفرنسيون خرق الهدنة، ونهجوا سياسة الأرض المحروقة باستعمال أساليب وحشية في قتل الأطفال والنساء والشيوخ وحرق كلي للمدن والقرى المساندة له.

 

ولخص الجنرال بيجو تلك السياسة في تهديد موجه لرجال الأمير “لن تحرثوا الأرض، وإذا حرثتموها لن تزرعوها، وإذا زرعتموها لن تحصدوها”، وهي السياسة التي أدت إلى سقوط مدنه ومراكزه العسكرية، وأرغمته على شن حرب العصابات (1844-1847).

 

مع استمرار الضغط الفرنسي عليه لجأ إلى المغرب الأقصى أملا في دعم السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن، لكن ضغوط الفرنسيين وتهديدهم باحتلال المغرب حال دون ذلك، فاضطر الأمير إلى إعلان استسلامه في ديسمبر/كانون الأول 1847.

 

فنُقِل إلى سجن بمدينة “بو” في الجنوب الفرنسي ثم في آمبواز بإقليم اللوار، لكن قرر نابليون الثالث فيما بعد إطلاق سراحه، فسافر إلى تركيا في 2 ديسمبر/كانون الأول 1852، ومنها انتقل إلى سوريا واستقر بمدينة دمشق بداية من 1855، حيث درَّس في المسجد الأموي وقبل ذلك في المدرسة الأشرفية وفي المدرسة الحقيقية.

 

احتضنت منازله وحمت أكثر من 15 ألف مسيحي بعد أحداث فتنة بين المسلمين والمسيحيين عرفتها دمشق عام 1860، وهو الموقف الذي كان محل إشادة عالمية.

 

المؤلفات

كتب الأمير عبد القادر عددا من المؤلفات كـ”المقرض الحاد”، و”السيرة الذاتية”، و”ذكرى العاقل” الذي ترجم مرتين وكان يعرف باسم “رسالة إلى الفرنسيين”، و”المواقف” بالإضافة إلى رسائل أخرى.

 

الوفاة :

توفي الأمير عبد القادر بدمشق في 26 مايو/أيار 1883 عن عمر ناهز 76 عاما، ودفن بحي الصالحية بجوار الشيخ ابن عربي تنفيذا لوصيته، وفي عام 1965 تم نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *