By / 10 أغسطس، 2020

المشهد الليبي: 1- منذ حكم القذافي وحتى هجوم حفتر على طرابلس

وصل المشهد الليبي لحالة من التعقيد بعد مرور أكثر من 9 سنوات ثورة فبراير 2011، وذلك لكثرة العناصر الفاعلة فيه وافتقادها لنهج سياسي واضح مما دفعها لتغيير ولاءاتها وإعادة التموضع في تحالفات مختلفة مع بداية كل مرحلة جديدة، وحدث ذلك بسبب عدة عوامل حدثت خلال حكم معمر القذافي، تسببت في انقسام البلاد على نفسها حيث أنها ظلت لعقود دولة بلا دستور ولا مؤسسات حاكمة فضلا عن انعدام الحياة السياسية فيها، وقد شكل الانقسامُ التاريخي للبلاد بين الشرق والغرب عاملا مهما في رسم ملامح المشهد السياسي بعد سقوط النظام بالإضافة لعامل انتشار السلاح والتدخلات الخارجية وغلبة المنطق القبلي.

واستعرض منتدى العاصمة للاستشارات السيساسية والمجتمعية خلال هذا الملف الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي منذ اندلاع الثورة الليبية وحتى هجوم 4 أبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، وسنعرضه هنا باختصار:

أولًا: إنهاء الحياة السياسية في عهد القذافي وتفكيك الدولة

بدأ القذافي حكمه بتعطيل الدستور وإنهاء الحياة السياسية في البلاد، وتفكيك مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وإضعافها عبر تشكيل كيانات موازية غير رسمية ولا تنضوي تحت مؤسسات الدولة كحركة اللجان الثورية لم تخضع لأي مؤسسة وكانت تتلقى أوامرها من القذافي فقط -خارج نطاق العمل المؤسسي وبعيدًا عن القانون والقضاء.

شكل القذافي تنظيم اللجان الثورية في 1970 والاتحاد الاشتراكي في 1971، كان له الدور الأهم في تفكيك مؤسسات الدولة وتشكيل جماهيرية القذافي الجديدة، وبرر هذه السلطة المطلقة الممنوحة لها بأن الثورة لا تنتهي وأنه ليس رئيسا للبلاد وإنما مرشد وقائد للجان الثورية. 

وفي مؤتمر 1977، أشار القذافي إلى مهام اللجان الثورية لخصها في ترسيخ سلطة الشعب وترشيد اللجان الشعبية، وتحريض الجماهير على ممارسة الثورة، وتحريك المؤتمرات الشعبية، والإشراف على تصعيد المسؤولين، وممارسة الرقابة الثورية، وحماية الثورة والدفاع عنها.

لعبت اللجان الثورية منذ عام 1977 دورا أساسيا في الفصل بين السلطة الرسمية وغير الرسمية في ليبيا. وتم توظيفها كأداة لضرب أي مجموعة تهدد النظام بما في ذلك الجيش، ولم تقتصر مهمة التفكيك على كيانات الدولة الإدارية بل توسعت لتشمل كل جهة لا يأمن القذافي جانبها كالصحف، والنقابات العمالية، واتحادات الطلبة، والمؤسسات الخاصة، وبدأ عملية إعادة هيكلة سياسية واجتماعية واقتصادية عن طريق التصفية والاعتقال ومصادرة الأملاك والخطب والمؤتمرات.

بعد إطلاق القذافي ما سماه الثورة الشعبية في 1973 هاجمت اللجان الثورية الجامعات والمعاهد والنقابات والإذاعة وبقية المؤسسات الإعلامية، كما داهمت المكتبات والسجل العقاري وأحرقت الكتب والوثائق العقارية وهو ما كان بمثابة إعلان بداية عصر الفوضى والتفكك الذي امتد لأربع عقود تقريبا.

 وبحلول منتصف الثمانينات ألغى القذافي الدستور، وجرَّم الأحزاب والعمل السياسي، وفكك الجيش والقضاء، وألغى القوانين، وأمَّم الشركات، وأطلق يد اللجان الثورية في عمليات التصفية الجسدية داخل البلاد وخارجها، وجرَّد أكثر من 80 ألف عائلة من أملاكها، وفكك النقابات العمالية واتحادات الطلبة، وسن قانون العقوبات الجماعية الذي يقتضي معاقبة أسر وأقرباء المعارضين فأصبحت البلاد في حالة فوضى تامة.

ثانيا: الاحتجاجات الشعبية ضد القذافي

بدأت الاحتجاجات على سياسات القذافي ونظرياته منذ السنوات الأولى، واتخذت أشكالا متعددة على مراحل. فاتسمت الاحتجاجات الشعبية واحتجاجات المعارضة بالسلمية حتى 1980، واقتصرت مظاهر العنف في فترة السبعينات على ممارسات النظام مع المعارضين بأطيافه، حيث قام القذافي منذ السنة الأولى بمحاربة الحركة الطلابية وشن حملة على الإسلاميين بأطيافهم بدأها بتسليم عناصر من جماعة الإخوان لنظام عبد الناصر بعد انقلابه مباشرة وبلغت ذروتها إثر إعلان “الثورة” الثقافية في 1973 ، فلم يستثنِ من هذه الحملة أي طيف من أطياف المعارضة.

 وفي ظل هذا المناخ بدأت حقبة جديدة من المواجهة مع النظام تصدرها الإسلاميون أفرادا وجماعات، فتخلل الاحتجاج السلمي احتجاجات “عنيفة” من داخل النظام تمثلت في محاولات انقلاب فاشلة على القذافي بدأت بمحاولة وزير الدفاع المقدم آدم الحواز ووزير الداخلية موسى اللحاسي في 1969 والتي أعدم القذافي على إثرها عشرات الضباط، ثم تلتها محاولة انقلاب فاشلة أخرى خطط لها عبد الله عابد السنوسي ابن عم الملك السابق في 1970 واعتُقِل على إثرها المئات من أبناء عمومته في سبها، كما فشلت محاولة أعضاء مجلس قيادة الثورة بقيادة عمر محيشي  في 1975 -الذي ذُبح حرفيا- بعد تسليمه من قبل دولة المغرب مقابل 200 مليون دولار ومليون برميل نفط ومليون طن قمح.

كما فشلت محاولة رئيس الأركان السابق الأطيوش في 1980، تبعها فشل انقلاب إدريس الشهيبي -مسؤول أمن القذافي في طبرق في 1980. ويقدر عدد محاولات الانقلاب على القذافي من داخل النظام ست محاولات آخرها محاولة تمرد -مجهولة التفاصيل- في مصراتة خلال عام 1994 ، ولم تحظ تلك المحاولات بزخم شعبي ربما لكونها من داخل النظام أو لطبيعة العمل الأمني.

وبحلول بداية الثمانينات تحولت معظم المعارضة بأطيافها إلى العمل العسكري والأمني باستثناء بعض الحركات غير  الفعالة وجماعة الإخوان المسلمين التي آثرت الاستمرار في نهج المعارضة السلمي وتكثيف النشاط الدعوي السري والأعمال الخيرية .

ومن أبرز كيانات المعارضة آنذاك “الجبهة الوطنية للإنقاذ” وهي حركة المعارضة الأكبر والوحيدة التي حظيَت برعاية دولية وإقليمية حيث رعتها وساعدتها دول إقليمية وعربية مثل السودان وتشاد والمغرب والجزائر والعراق كذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، واستهدفت القذافي عبر عمليتان عملية باب العزيزية 1984 وعملية 1993 وباءت المحاولتان بالفشل بسبب وشايات وتسرب معلومات.

أما النصيب الأكبر من المواجهة مع النظام ومحاولات اغتيال القذافي كان من نصيب الإسلاميين، حيث شهدت فترة الثمانينات والتسعينات عدة محاولات لاغتيال القذافي وعمليات استهدفت رؤوس النظام ومراكزه الأمنية. وكان للجماعة الإسلامية المقاتلة الحظ الأوفر منها حيث نفذت عمليات بارزة في أعوام 1986 و1987 و 1989 تعرضت على إثرها لحملات قتل واعتقال واسعة ففي عام 1989 شهدت البلاد أكبر حملة اعتقالات في تاريخها قبض فيها النظام على أكثر من خمسة آلاف من الإسلاميين.

وفي 1995 استهدفت الجماعة القذافي بعملية اغتيال في سرت، وأخرى استهدفته في براك الشاطئ في عام 1996 وأخرى استهدفته في الجبل الأخضر في عام 1998،كما كانت هناك  عمليات أخرى على يد كتائب الشهداء وأفراد من الإسلاميين لا ينتسبون لجماعات معينة، ويمكن القول إن الإسلاميين وعلى رأسهم “الجماعة الإسلامية المقاتلة” حققوا أطول وأخطر تصادم مسلح مع النظام وتلقت ضربات موجعة كعمليات الحصار التي استخدم فيها النظام الطائرات والمدرعات كما في حصار درنة 1996 وعمليات الإبادة الجماعية كما حدث في مجزرة أبوسليم (1996.

ثالثا: العلاقات الخارجية في حقبة القذافي

لم تكن لليبيا علاقات مستقرة مع أي دولة سوى إيران، فقد قطع القذافي العلاقات مع أكثر من 35 دولة، وفشلت كل تجارب الوحدة العربية التي أطلقها مع مصر والسودان وسوريا وتونس والمغرب مما أدى لتوتر العلاقات وقطعها مع هذه الدول بل وصل الأمر لخوض نزاعات مفتوحة مع بعضها، فقد دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما تورط في أزمة دارفور فدعم الأطراف المناوئة لنظام البشير ثم توسط لإحلال السلام، وتورط في الحرب الليبية-التشادية، ودعم الحركات الانفصالية في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية لزعزعة نظم الحكم، ودخل في نزاع مع نظام صدام حسين فزود الإيرانيين بصواريخ بعيدة المدى خلال حربهم ضده، ولعب دورا في الحرب الأهلية اللبنانية.

 كما تورط القذافي في محاولات اغتيال فاشلة منها محاولة اغتيال الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز، وملك المغرب الحسن الثاني، ومحاولات لإسقاط رئيس الوزراء التونسي الأسبق الهادي نويرة، كما نفذ تفجيرات منها تفجير مقهى في برلين عام 1986 وتفجير طائرة بانام 103 في حادثة اللوكربي الشهيرة في عام 1988، وتفجير طائرة فرنسية في أجواء النيجر عام 1980، كما كانت له يد في حادثة خطف وزراء النفط في فيينا 1975.

وفي نهاية التسعينات بدأ القذافي يسعي لتحسين العلاقات مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عبر تسويات مالية وتنازلات سياسية في ملفات كثيرة أهمها ملف النفط والسلاح. فوافق على دفع تعويضات ضحايا حادثة لوكيربي، وسلم المتهمين بارتكاب الحادثة للمحاكمة الدولية كما دفع تعويضات عن تفجير الطائرة الفرنسية وتفجير المقهى في برلين وقتل شرطية بريطانية وسعى للتعاون مع الولايات المتحدة في ملف محاربة الإرهاب، وفتح البلاد للشركات الغربية، وفكك برنامجه النووي، وسلم الأسلحة الكيماوية، ووجه صفقات التسليح نحو الغرب، كما عزز من التعاون المخابراتي مع بريطانيا.

رابعا: حقبة الإصلاحات على يد سيف الإسلام

صاحب تغيرات السياسة الخارجية للنظام ظهور دور نجل القذافي سيف الإسلام في المشهد السياسي، وبروز بصمته بوضوح على سياسات النظام الداخلية، والتي تمثلت في إنشاء صحيفتين ناقدتين لأوضاع البلاد، والتصالح مع الإخوان المسلمين والإفراج عنهم من المعتقلات، والإفراج عن عدد من سجناء الجماعة الإسلامية، وتعويض المواطنين المصادرة أملاكهم وأرزاقهم بقرار من القذافي، تعويض المعتقلين الذين اعتقلوا في السجن لسنوات دون إدانة، وتعويض أهالي قتلى مجزرة أبوسليم، وتعويض أهالي الأطفال المحقونين بدماء ملوثة بفيروس الإيدز.

تمكن النظام بهذه الأساليب من التخفيف من حالة الاحتقان الشعبي التي لم تلبث حتى تفجرت في 17 فبراير 2006 في شكل مظاهرات عنيفة بمدينة بنغازي استمرت عدة أيام راح ضحيتها 11 قتيلا ومئات الجرحى، بعدها احتوى النظام المتظاهرين بتعويض أهالي القتلى ومعالجة بعض الجرحى، وعزل أمين الأمن العام ووزير الداخلية وفتح تحقيق معهما.

خامسا: الثورة الليبية والأيام الأولى

بدأت إرهاصات الثورة الليبية منذ أواخر شهر يناير2011 حيث ظهرت نداءات على مواقع التواصل تدعو للنزول للشارع والتظاهر، بدأت بمظاهرات يوم 14فبراير 2011 إلا أنها تطورت لمواجهة بين المتظاهرين وكتائب القذافي الأمنية بعد اعتقال وضرب عدد من النشطاء والمحامين الموكلين بقضية مذبحة أبوسليم. 

ارتكبت كتائب القذافي مجزرة بشعة أمام أسوار كتيبة الفضيل بوعمر -أهم وأكبر معاقل النظام الأمنية في بنغازي- حيث استهدفت المتظاهرين برشاشات مضادة للطيران من عيار 12.5 و14.5 و23 مم كما أنها استهدفت الجنائز والمتظاهرين في مناطق أخرى بالرصاص الحي مما تسبب في سقوط أكثر من 150 قتيلا خلال الأيام الأولى من الثورة.

وتطورت الأحداث وتركزت تجمعات المتظاهرين أمام مقر الكتيبة، وتمكن الثوار من اقتحام مكتب عبد الفتاح يونس -وزير الداخلية وآمر قوات الصاعقة- وطالبوه بإعلان انشقاقه مما سبب حالة ربكة للقوى الأمنية والعسكرية في بنغازي. وتمكن الثوار بالتوازي مع ذلك من اقتحام معسكر الكتيبة يوم 20 فبراير2011 مما كان بمثابة إعلان تحرير المنطقة الشرقية

شكَّل سقوط الكتيبة يوم  20 فبراير علامة فارقة في مسيرة الثورة، فخرج عبد الفتاح يونس في اليوم التالي ليعلن انشقاقه عن النظام مما دفع مسؤولين آخرين للانشقاق كما أعلنت قوات الصاعقة عن انحيازها لمطالب الشارع وفي ظل انهيار منظومة القذافي تحولت دشم ومخازن التسليح لمصادر تسليح للثوار وهو ما شكل بداية المرحلة الثانية من الثورة.

تزامنا مع الانتفاضة في الشرق الليبي تحركت مدن المنطقة الغربية كمصراتة والزاوية والزنتان ومدن الجبل الغربي وطرابلس منذ الأيام الاولى، إلا أن قبضة النظام في الغرب كانت أقوى، ونجح في إخماد الاحتجاجات حتى سقطت أغلب هذه المدن مما ألقى بعبء المعركة الأكبر على مدينة مصراتة التي لم تشهد المواجهات فيها انقطاعا.

سادسا: المواجهة العسكرية والتدخل الدولي

انتقلت الثورة للمرحلة الثانية وحمل ثوار الشرق السلاح، ونجحوا في تحرير أجدابيا والبريقة وراس لانوف، لكنهم سرعان ما وقعوا ضحية كمائن عسكرية فأُسر وقُتل عدد كبير منهم وتراجعوا لبنغازي. واستمرت معارك الكر والفر حتى 16مارس 2011 واستعاد النظام السيطرة على أجدابيا والبريقة شرقا ونالوت وككلة غربا، وعجز عن السيطرة على مدن كمصراتة والزنتان.

المرحلة الثالثة من الثورة الليبية

كان 19 مارس 2011 هو بداية المرحلة الثالثة من عمر الثورة إذ شهد في نصفه الأول مواجهات عنيفة ودامية مع قوات النظام ثم شهد نصفه الثاني بداية من الساعة 6 مساءً انطلاق عملية “فجر الأوديسا” أو “الحامي الموحد” لتحالف الناتو بموجب القرار 1973 لمجلس الأمن والتي تولى تنفيذها بشكل أساسي كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وكانت هذه بداية التدخل الأجنبي.

استمرت ضربات التحالف من الطائرات والبوارج الفرنسية والأمريكية والبريطانية، لكن كانت فرنسا الأكثر مشاركة وحماسة وهي التي دفعت بقوة خيار التدخل العسكري في حين أحجمت أوروبا والولايات المتحدة، كما أنها كانت أول من اعترف بالمجلس الانتقالي كممثل شرعي وحيد لليبيا، وسعت لإسقاط النظام عبر تكثيف الضربات الجوية والبحرية على معسكرات قوات القذافي.

تكبدت قوات القذافي خسائر كبيرة وأُجبرت على التراجع على إثر ضربات التحالف، وظهرت بعدها خلافات بين أعضاء التحالف للعلن، فأعلنت الولايات المتحدة عن سحب معظم قواتها من المهمة وواجهت على إثر ذلك انتقادا فرنسيا لاذعا، لتعلن بعدها بأيام أنها لم تنسحب من المهمة بالكامل.

ويتضح من مواقف التحالف أن المجتمع الدولي لم يهدف ابتداءً  لإسقاط النظام وإنما لإضعافه عسكريا والضغط عليه عبر العقوبات لإيجاد “حل وسط”، ويدلل على ذلك أن التدخل العسكري الغربي جاء بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الثورة وقد سبقه مساع دبلوماسية ومطالبات دولية وإقليمية متكررة للقذافي بالتنحي عن السلطة للوصول لحل وسط، وتتابعت الدعوات من أطراف دولية وإقليمية لدعم هذا المسار. 

ويبدو أن القذافي أوحى للأطراف الدولية أن تنحيه ممكن، ولم يعارض المجلس الانتقالي –ممثل الثوار السياسي- هذا المسار إلا أنه تكتم على هذه النوايا حتى جاء إعلان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا عبد الإله الخطيب الذي تحدث فيه عن نية الطرفين في الشرق والغرب البحث عن حل سياسي للأزمة. 

يؤكد هذا مسار الأحداث على الأرض، حيث شهدت عمليات حلف الناتو جمودا لفترة طويلة مما عطل تقدمات الثوار في الجبهة الشرقية. وقد ظلت الجبهة الشرقية مجمدة لفترة طويلة لأسباب مجهولة. وتم تعليل هذا الجمود آنذاك بكونه ضمن استراتيجية التدرج التي يتبعها الناتو، كما تم استهداف آليات الثوار حين حاول بعضهم التقدم دون تنسيق مع التحالف، وصنفت هذه الضربات المتكررة كضربات خاطئة لحلف الناتو.

جمود الجبهة الشرقية

ومع شدة المعارك في مصراتة وتزايد أعداد القتلى فيها، انتقل العديد من المقاتلين من شرق البلاد نحو مصراته عبر البحر، ومع انتقال تركيز النظام من الشرق إلى الغرب ونقله قواته من سرت إلى مصراتة لاستعادة السيطرة على المدينة، أصبحت المعركة على المدينة عامل حسم في نجاح الثورة أو فشلها،  ورغم شدة المعارك منذ الأيام الأولى إلا أن حلف الناتو لم يبدأ بتوجيه ضربات لقوات القذافي المحاصرة للمدينة إلا يوم 12 إبريل 2011، وهو ما قوبل باستهجان من الثوار.

 وفي المجمل فإن الموقف الدولي من التدخل شهد ترددا من معظم الدول، كما أن الخلافات الدولية على قيادة العملية وتذبذب الموقف الأمريكي الداخلي سبب ربكة، وربما لولا الإصرار الفرنسي والتماهي البريطاني الأمريكي معه لم نكن لنشهد تدخلا عسكريا البتة.

بداية التمثيل السياسي للثوار

أُعلن عن تأسيس المجلس الوطني الانتقالي يوم 28 فبراير 2011، بعد سقوط المنطقة الشرقية في يد الثوار، بعد اجتماع في مدينة البيضاء يوم 23 فبراير 2011 عقده عسكريون ومسؤولون منشقون عن النظام وقادة قبائل وشخصيات محلية أخرى تفاوتت، وبدأ المجلس بثلاثين عضوًا وتضخم حتى تجاوز ثمانين عضوا كما أنه أبقى على سرية بعض أعضائه لأسباب أمنية آنذاك.

وقد نجح المجلس الانتقالي على الصعيد الخارجي بسبب الدعم الدولي إلا أنه كان فاقدا للشرعية الثورية في الداخل لاكتظاظه بمسؤولين من النظام السابق في تقييم الشارع الليبي. وكان هناك فصام واضح منذ الأيام الأولى بين التمثيل السياسي للثورة وقواها العسكرية على الأرض، إلا أن ضرورة المرحلة دفعت الجميع للتغاضي عن مخاوفهم المشروعة حتى يتم التحرير، ومع سقوط نظام القذافي وتحديد منتصف 2012 موعدا للانتخابات، بدأت عمليات الاستقطاب السياسي والمناطقي وآثارها تظهر بوضوح.

سابعا: جذور الأزمة وأقطاب الثورة

خرجت قوى الثورة العسكرية من المعركة مع النظام أكثر قوة بعد استيلائها على ترسانة  أسلحة القذافي الضخمة، ونظرا لتهلهل المؤسسات العسكرية والأمنية في عهد القذافي تولت هذه الكتائب مهام الأمن والعسكرة فور انتهاء الحرب. وبطبيعة الحال تضخم عدد التشكيلات العسكرية فور انتهاء الحرب وبرزت تشكيلات وشخصيات لم تشارك بشكل فعال أو لم تشارك مطلقا في الحرب التي استمرت 8 أشهر وقُدر عدد “الثوار” المسجلين رسميا بأكثر من 200 ألف بينما لم يتجاوز العدد الحقيقي على امتداد مراحل الثورة 30 ألفَ مقاتلٍ في كل أنحاء البلاد.

شكل هذا التضخم الغطاء المناسب لأزلام النظام السابق والمناطق الموالية لهم لإعادة إنتاج أنفسهم وتسليح مناطقهم وقبائلهم عبر الانضمام لهذه الكتائب وتشكيل تكتلات قوية داخلها. وقد سهل هذا كون هذه الكتائب مناطقية بالدرجة الأولى نتيجة عوامل عدة، منها أن الهوية القبلية تلعب دورا مهما في المجتمع الليبي، وكذلك مسار الأحداث في الثورة، حيث أن التشكيلات العسكرية تأسست على أساس الدفاع عن مدنها ومناطقها، وأيضا السياسات المتبعة من قبل النظام السابق في تغذية النزعة المناطقية والقبلية باللعب على وتر الصراعات التاريخية وتناقض المصالح بين القبائل والأقاليم.

أشعلت هذه النزعة بالإضافة للجرائم التي ارتكبتها قبائل موالية للنظام خلال الثورة فتيل الصراعات المحلية بين المناطق، وكان لها بمعية الدعم الخارجي الدور الأهم والأكبر في تشكيل خارطة التحالفات في المراحل القادمة..

كحال المؤسسة الأمنية والعسكرية كان القضاء مؤسسة ضعيفة وغير موثوقة عند الليبيين مما جعل من عملية أخذ الحقوق بقوة السلاح ورد المظالم حالة سائدة. فتصاعدت أعمال العنف والانتقام التي جاء معظمها على شكل حوادث اغتيال لأعضاء اللجان الثورية وعساكر النظام السابق وضباط الأمن الداخلي.

انتشار السلاح في ظل المظالم المتراكمة عبر عقود وغياب مؤسسات الأمن والقضاء أدى إلى إنتاج ظروف غير مستقرة في البلاد، وسرَّع من الصدام بين قوى الثورة والكتائب والشخصيات المنشقة عن النظام فانهالت التوصيات الدولية على المجلس الانتقالي بضرورة جمع السلاح وتفكيك ميلشيات الثوار ودمجها تحت قيادة الجيش، قبل أن تتوغل في مفاصل الدولة وتدخل خط العمل السياسي محملة بهذا الكم الهائل من السلاح.

 إلا أن هذا كان مستحيلا لعدة أسباب منها: غياب ثقة الثوار في تمثيلهم السياسي، والتنافس القبلي على الريادة والتخوف من عودة أزلام النظام السابق وتمسك الثوار بالمكاسب المادية والسياسية التي حققوها وتمسكهم بمطالبهم بتصفية الجيش من الرتب العليا وأزلام النظام.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالقلق من كل هذه القضايا العالقة ظهر قطبان في المشهد، قطب التيار الإسلامي والتيار الثوري. وكانت كتائب ثوار مصراتة والزاوية ومعظم ثوار بنغازي الطرف الأبرز في هذا الحلف. وقطب مكون  من بعض الليبراليين والعسكريين، وقد نجح هذا التحالف في استقطاب كتائب ثوار الزنتان وتشكيل كتائب مكونة في معظمها من عناصر من النظام السابق، وبدأ الصراع بين الطرفين ومحاولات بسط النفوذ على المرافق الاستراتيجية والمؤسسات السيادية مبكرا .

ثامنًا: الإسلاميون ودورهم في المشهد 

لطالما كان الإسلاميون محركا قويا للأحداث في البلاد، ومع بداية الثورة برزوا كفاعل مهم على الساحة العسكرية والسياسية منذ الأيام الأولى، ولعب رجاله دورا مهما في العمل العسكري على الجبهتين الشرقية والغربية فبرزت شخصيات عسكرية نشطوا في مقاومة نظام القذافي.

أما في المشهد السياسي فكان التمثيل الأبرز لحزب جماعة الإخوان (حزب العدالة والبناء) بعدد 17 مقعدا في المؤتمر الوطني من أصل 80 مقعدا مخصصة للأحزاب و17 مقعدا من أصل 120 خصصت للمستقلين، وحظيت بقية الأحزاب الإسلامية بإجمالي 27 مقعدا من أصل 200، حيث شكلت مقاعد الزاوية، طرابلس، بنغازي النسبة الأكبر فيها .

ورغم قلة عدد المقاعد إلا أن الإسلاميين كان لهم الحضور الأقوى سياسيا لأسباب عدة أهمها، حضورهم القوي والتحالف مع أهم قوى الثورة، وانتماءات أعضائهم لمناطق ومدن ثورية، وتمتعهم بتمثيل عسكري قوي على الأرض.

حضور الإسلاميين القوي على الساحتين السياسية والعسكرية لم يقابله حضور ليبرالي بنفس القوة فعلى الصعيد السياسي لم يكن حزب تحالف القوى الوطنية حزبا ليبراليا بالمفهوم الصحيح بقدر كونه تكتل يمثل المتضررين من أوضاع ما بعد الثورة، خصوصا بعد إقرار المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي الذي يقتضي منع كل من عمل مع النظام عن تقلد أي منصب في أجهزة الدولة.

أما على الصعيد العسكري فلم تكن هناك قوى مناوئة للإسلاميين ذات توجه ليبرالي وإنما بعض القوى المنشقة عن النظام وكتائب تشكلت بعد الثورة تمثل المدن والقبائل “المنهزمة”، وبذلك هيمن تحالف الثوار والإسلاميين على المشهدين الأمني والعسكري فكانوا على رأس اللجنة الأمنية العليا التي تولت مهام أجهزة الأمن ونجحوا في تشكيل تكتلات وتحالفات عسكرية كبرى حلت محل الجيش، واستطاعوا الهيمنة على وحدات حماية الحدود. 

عند الحديث عن الإسلاميين لا يمكن إغفال التيار الجهادي. فبالرغم من أنه يشكل النسبة الأقل ضمن الطيف الإسلامي والثوري لكنه لم يكن أقل أهمية من بقية التيارات في التأثير في سير الأحداث، فكان له دور بارز في القتال ضد النظام قبل وأثناء الثورة كما كان له الدور الأبرز في مواجهة قوات خليفة حفتر وتحالف قوى “الثورة المضادة” في 2014.  

وعلى عكس كل مكونات الثورة لم يكن للتيار دور في الصراع على النفوذ السياسي، وظهر على الساحة من خلال نشاطات مدنية: كالأعمال الخيرية وتسيير قوافل الإغاثة -داخل البلاد وخارجها- وتقديم بعض الخدمات الصحية والمالية ورغم ذلك إلا أنه كان المتهم الأول –إعلاميا- بعمليات الاغتيال التي استهدفت عسكريين من النظام السابق.

تنامى القلق المحلي من التيار خصوصا بعد بروز جماعة أنصار الشريعة في عدة مناطق مهمة وقيامها بتأسيس جناح عسكري ونشر منشورات تَسِمُ الديمقراطية بالكفر وتحرم العملية الانتخابية في ظل غياب الشريعة الإسلامية وقيامها بهدم الأضرحة الصوفية وظهور خطاب يعادي الولايات المتحدة الأمريكية وينتقد سياساتها تجاه العالم الإسلامي.

ظلت أنصار الشريعة الممثل الوحيد للتيار الجهادي حتى برز تنظيم الدولة في أواخر عام 2014، ونجح في استقطاب العديد من الشخصيات البارزة المنتسبة لأنصار الشريعة، وقد نجح التنظيم في تكوين قواعد له في بنغازي ودرنة وسرت وصبراتة واستطاع في وقت لاحق أن يحل محل أنصار الشريعة في سرت لينفرد بإدارة المدينة ولتصبح معقلَه الأكبر بينما فشل في درنة بعد أن استطاع مجلس شورى مجاهدي درنة التغلب عليه في 2016 وظل يحافظ على تواجده في بنغازي حتى انسحب منها إلى سرت في 2017 .

شكل نجاحُ الإسلاميين في الصعود والانتشار –خلال فترة 2011-2014- وتكوين تحالفات عميقة وراسخة مع التيار الثوري مصدرَ قلقٍ لأطرافٍ محلية ودولية، وبالرغم من نجاحهم في الهيمنة على المشهدين السياسي والأمني إلا أنهم فشلوا على الصعيد الإعلامي في مواجهة الخطاب الموجه ضدهم، وأخفقوا على الصعيد الاجتماعي في استقطاب المكونات القبلية ومنعها من الانحياز لمعسكر “الثورة المضادة”.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *