By / 21 سبتمبر، 2020

المشهد الليبي: 2- المراحل الأولى للثورة وحتى سيطرة حفتر على الموانئ النفطية

نستكمل عرض باقي عناصر الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي التي بدأنها في الملف السابق:

إقرأ أيضاً: المشهد الليبي: 1- منذ حكم القذافي وحتى هجوم حفتر على طرابلس

تاسعاً: القبلية وتركة النظام

لعب كيان القبيلة دورا مهما في بناء هيكلية الدولة الليبية وصياغة ملامحها إلا أن هذا تغير بانقلاب 1969، ففي بداية مسيرته حاول القذافي تهميش دور القبيلة بحكم انحداره من قبيلة ضعيفة (القذاذفة)، لكن هذه السياسة لم تستمر بعد محاولات الانقلاب عليه فحرص على إعادة دور القبيلة للمشهد بتقوية قبيلته وأبناء عمومته عبر عقد تحالفات، وفي المقابل لعب القذافي على التناقضات والصراعات بين القبائل الأخرى ووظَّف هذه النزاعات لتكون أداة من أدوات الحكم.

 أحاط القذافي نفسه بحزام من القبائل صنفت كقبائل درجة أولى ونالت امتيازات اقتصادية ولم تحظ بذلك القبائل الأخرى، وأصبح التقرب للشخصيات النافذة فيها وسيلة لنيل الامتيازات والتقرب من النظام. وقد حرض القذافي الشعب على المطالبة بحقوقه من خلال القبائل وممثليهم -الذين اختارهم القذافي- في النظام وبهذا ضمن ولاء هذه الشخصيات وضمن خضوع القبيلة لهذه الشخصيات وتقديم الولاء لها.

أما الأقليات غير العربية مثل الطوارق والتبو فقد وظفهم القذافي كورقة عسكرية وسياسية. فشكل من الطوارق وحدات عسكرية مقابل منحهم الجنسية الليبية، كما استغل التبو كورقة ضغط على تشاد والنيجر وأبعدهم عن المناصب المهمة، وسُحبت الجنسية منهم وجرى حرمانهم من خدمات التعليم والصحة والتعيين في وظائف الدولة، أما الأمازيغ فكان لهم نصيبهم الوافر من التهميش.

 

المصالح القبلية

لقد ارتبطت مصالح القبيلة طوال حقبة القذافي بالشخصيات المتنفذة في نظامه، ومع انهيار النظام في الثورة وجدت القبيلة نفسها على الهامش فلم يكن للقبائل موقف جماعي واضح من الثورة بل خرجت بعض الشخصيات القبلية في بيانات مبايعة لنظام القذافي، وكل هذه العوامل أفقدت المكون القبلي في الشرق دوره في حراك الشارع وقيادة المعركة الثورية.

طغى المناخ الثوري على المنطقة الشرقية، ولم توظف النزعة القبلية في الصراع العسكري إلا لاحقا، بينما أخذ الصراع مع الموالين للنظام في المنطقة الغربية طابعًا قبليًّا مناطقيا في مرحلة مبكرة وقد ساهم هذا في تشكيل خارطة التحالفات السياسية والعسكرية والذي انعكس بدوره على المنطقة الشرقية، فاصطفت كتائب ثوار الشرق مع المكونات الثورية بالمنطقة الغربية مما دفع بمكونات قبائل المنطقة الشرقية التي تجاوزتها الثورة لتوثيق تحالفها مع تيار الثورة المضادة”.

المطالبة بدولة فيدرالية وحكم ذاتي

في ظل نشأة هذه التحالفات، برز تيار آخر خارج سياق الصراع الثوري الجاري، وهو التيار الفيدرالي الذي ظهر بتمثيل رسمي لأول مرة في مارس 2012 في مؤتمر أعلن فيه عن تشكيل مجلس برقة التأسيسي وجيش برقة، طالب فيه التيار بالحكم الذاتي ومقاطعة الانتخابات واعتصم مؤيدوه، وأغلقوا الطرق المؤدية لغرب البلاد، وهاجموا بعض مراكز الانتخاب، واغلقوا الموانئ النفطية في 2013، واستمرت الاحتجاجات قرابة ثلاث سنوات تكبدت خزانة الدولة فيها خسائر تقدر بمبلغ 125 مليار دولار.

اقتصر دور التيار الفيدرالي منذ ظهوره على “التشويش” ولعِبَ دورًا في زعزعة الاستقرار، ورغم علو صوت التيار إلا أنه لم يحظَ بشعبية كبيرة وقد فشل في تحقيق أي من مطالبه بعد تفجر الصراع في 2014 وانضمامه لتحالف “الثورة المضادة” لافتقاره لمقومات الاستقلال والقيادة ولسيطرة خليفة حفتر على القرار السياسي لهذا التحالف.

النزعة القبلية والحياة السياسية

لا شك أن النزعة القبلية المناطقية لعبت دورا كبيرا في تشكيل ملامح الساحة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة، فالقبيلة تعد عنصرا مهما وفاعلا في الصراع لكنها ليست محركة للأحداث، ولعل هذا من تركات النظام السابق إذ حرص على تغييب دور القبيلة ككيان اجتماعي إلا في سياق خدمة النظام وربط موقف القبائل بممثليهم فيه، وهذا جرَّدَ القبيلة من مكانتها ودورها ككيان مستقل. 

 

عاشرًا : الصدام بين الثورة والثورة المضادة

مقارنة بدول الربيع العربي تُعد ليبيا الأكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بفهم خارطة التحالفات ومكوناتها. ويرجع ذلك لكثرة العناصر الاجتماعية والعسكرية والسياسية الفاعلة. لكن حالة الاستقطاب التي ظلت تتضح يوما بعد يوم صهرت هذه العناصر في معسكرين. معسكر المنتصرين بعد الثورة ومعسكر المنهزمين أو الثورة والثورة المضادة. 

ولضعف موقف هذا التحالف على الصعيدين العسكري والسياسي لجأ لمواجهة تحالف الثورة بوسائل أخرى فعمل على تفكيك الكيانات والتحالفات الثورية العسكرية وإسقاط المؤتمر الوطني، وبدأت الثورة المضادة في حشد المظاهرات أمام مقرات كتائب الثوار مطالبةً بحلها وإبدالها بقوات من “الجيش” وتسببت تلك المظاهرات في سقوط ضحايا وقتلى.

وكان تحالف الثورة المضادة أكفأ في إدارة الصراع بسبب كثافة الدعم الخارجي وتركز القرار السياسي والنفوذ العسكري في يد خليفة حفتر بدعم إماراتي، وقوة الدعاية الإعلامية، فضلا عن سوء إدارة تيار الثورة للصراع، وإساءة استخدام النفوذ، وتنظيم قوى الثورة نفسها في أطر مناطقية متفرقة،وغياب قيادة موحدة، وتشتت الصف الداخلي والذي بلغ ذروته مع إعلان توقيع اتفاق الصخيرات في النصف الثاني من 2015 برعاية وإشراف بعثة الأمم المتحدة.

ذروة الصراع

فشلت قوى الثورة المضادة في إسقاط المؤتمر الوطني وتفكيك كتائب الثوار إلا أنها هيَّأَت الرأي العام لعمل عسكري ضد تلك المكونات، وجاء إعلان حفتر انقلابه على المؤتمر وتجميده الإعلان الدستوري يوم 14 فبراير 2014 لينقل الصراع لمستوى حرب شاملة مفتوحة، فتبع تحركه هذا إمهال كتائب الزنتان المؤتمر الوطني ساعات لتسليم السلطة ثم هجومها على مقر رئاسة الأركان ثم الاستيلاء على شحنة أسلحة في مطار طرابلس الدولي كانت موجهة لثوار مصراتة.

لم يتبع إعلان الانقلاب تحركًا عسكريًّا جديًّا لفشل حفتر في حشد حلفائه غرب البلاد تحت إمرته فاتجه للشرق حيث استطاع حشد قوات تأتمر بأمره وظهر على الشاشة مجددا ليعلن انطلاق عملية الكرامة في 16 مايو 2014 ونجح هذه المرة في تكوين قوة قوامها الأساسي من قبائل الشرق وكتائب الجيش المنشقة عن النظام كما برز التيار السلفي المدخلي كمُكوِّن أساسي اعتمد عليه حفتر في العمل العسكري والأمني. وتزامنَ مع هذا الحراك هجوم كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق والمدني) على المؤتمر الوطني في 18 مايو 2014 حيث اقتحموا المكان واختطفوا عدة أعضاء منه، وأعلنوا عن حل المؤتمر.

رد الفعل الثوري

جاء رد الفعل الثوري الأسرع من بنغازي حيث توحدت كتائب الثوار الإسلاميين مع بعضها واتحدت مع جماعة أنصار الشريعة لتكوين تحالف تحت اسم “مجلس شورى ثوار بنغازي” وتم الإعلان عنه في 20 يونيو 2014 أي بعد شهر من بدء عملية الكرامة، ثم جاءت عملية قسورة أو فجر ليبيا بتاريخ 13 يوليو 2014  والتي أطلقها ثوار المنطقة الغربية للدفاع عن المؤتمر الوطني وطرد كتائب الزنتان من طرابلس.

 ورغم أن المكون الأكبر في هذا التحالف هي كتائب مصراتة إلا أن تيارا كبيرا داخل المدينة عارض خيار الحرب وحاول عرقلة العمليات العسكرية وأحجموا عن المشاركة في العملية، لكن هذا الإحجام والتردد لم يؤثر بشكل كبير على مسار العمليات العسكرية فقد نجحت القوى الثورية والإسلامية في كل من مصراتة وطرابلس والزاوية وصبراتة، في تحقيق تقدم عسكري ملحوظ وتمكنت بفضل زخم التقدمات من جر بعض القوى المترددة للمعركة.

مع اشتعال القتال قامت كتائب الزنتان بإطلاق سراح سجناء النظام السابق، وبدأ أنصار النظام السابق في العودة والتجمع في مناطقهم، حتى أُعلن عن تأسيس “جيش القبائل” في مؤتمر قبلي كبير في أوائل أغسطس، والذي اشتهر لاحقا بأعماله الإجرامية كالحرابة والخطف والقتل.

انتخاب البرلمان الليبي

قبل اندلاع تلك الأحداث وفي ظل الأوضاع الأمنية المتردية أُجريَت انتخابات البرلمان الليبي في 25 مايو 2014 في ظل شبهات قانونية، فجاءت المشاركة فيها منخفضة جدا، ثم جاء الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات في 22 يوليو 2014 في ظل حرب مفتوحة شرق البلاد وغربها. ولم تأتِ النتائج في صالح القوى الثورية والإسلامية وتم نقل البرلمان إلى شرق ليبيا –في مناطق نفوذ قوات حفتر- مما دفع كثير من الأعضاء لمقاطعة البرلمان، واستمر عدد الحاضرين في التناقص حتى بلغ النصف تقريبا.

بمجرد انتقال البرلمان للشرق ظهر تحيزه لمعسكر الكرامة ففي 15 أغسطس 2014 وجَّهَ البرلمانُ طلبًا للمجتمع الدولي بالتدخل لضرب “ميليشيات فجر ليبيا” بعد أن صنفها كمجموعات إرهابية، الأمر الذي تبعه ضربات طائرات إماراتية على قوات فجر ليبيا انطلقت من قواعد مصرية، مما أسفر عن مقتل عدد كبير من المقاتلين، ثم ألغى البرلمان قانون العزل السياسي في 2 فبراير 2015، مما أعرب بوضوح عن مزاج البرلمان وميوله، هذه الأحداث كانت الأولى من نوعها فرغم احتدام الصراع في مراحل سابقة إلا أن مؤسسات الدولة ظلت واحدة ولم تشهد البلاد تدخلا لأطراف خارجية بهذا الشكل.

في 6 نوفمبر 2014 قضت المحكمة العليا بحل البرلمان بعد اتهامه بتجاوز مهامه بطلبه التدخل الأجنبي لكن البرلمان رفض الانصياع لحكم القضاء وقد عزز موقفه هذا اعتراف المجتمع الدولي به، وقد شكلت هذه السوابق مشهدا جديدا غير محكوم بالضوابط القانونية والسياسية التي حكمت المشهد في السنوات الماضية.

 

الحادي عشر: المشهد الميداني وتحالف فجر ليبيا

على الصعيد الميداني تمكنت قوات فجر ليبيا من حسم معركة طرابلس في غضون شهر ونصف فتم إعلان تحرير مطار طرابلس الدولي وطرد كتائب الزنتان من طرابلس في 24أغسطس 2014 ،واستمرت في هذه الأثناء كتائب ثوار بنغازي في التقدم على الجبهة الشرقية حتى تاريخ 15 أكتوبر 2014 حين أجبرت على التراجع بعد انضمام كتيبة 204 بقيادة المهدي البرغثي – لعملية الكرامة، وتمت مهاجمة منازل الثوار حرقها وهدمها، كما تم تعذيب وإعدام مدنيين وأُرغم عدد كبير من أهالي الثوار قدر عددهم ب 200 ألف مواطن على ترك المدينة والهجرة لغرب البلاد.

اختلف الوضع في درنة –شرق بنغازي- حيث كان للإسلاميين سيطرة كاملة على المدينة فأعلنوا عن تأسيس مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها بتاريخ 12 ديسمبر 2014، واكتفت قوات الكرامة بشن غارات متفرقة على المدينة، وفرضت حصارًا خانقا عليها بالاستعانة بالقوى القبلية من المناطق المحيطة بها والتي تكن العداء لنسبة كبيرة من مكونات المدينة الاجتماعية لانحدارهم من أصول غربية. كما شهدت المدينة قصفا مصريًّا راح ضحيته مدنيون في عامي 2015 و 2017، وقد استمر الحصار حتى بداية هجوم قوات عملية الكرامة على المدينة عام 2017 .

برز تنظيم الدولة في مرحلة مبكرة في شهر أكتوبر 2014 واحتدت الخصومة بينه وبين مجلس شورى مجاهدي درنة حتى بلغت ذروتها في فبراير 2015 واندلع بينهما قتالٌ استمرَّ 10 شهور انتهى بسيطرة مجلس شورى درنة على المدينة وانسحاب تنظيم الدولة لمدينة سرت. وهو الأمر الذي أثار شكوكًا حول جدية حفتر في محاربة التنظيم حيث قطع التنظيم 700 كيلومتر تقريبًا مرورًا بمناطق سيطرة قوات عملية الكرامة ونقاط تفتيشها دون أن تتعرض له القوات البرية أو الجوية.

السيطرة على طرابلس

عقب نجاح تحالف فجر ليبيا في السيطرة على طرابلس أطلقت بعثة الأمم المتحدة دعوة للحوار بين الطرفين ولكنها زادت من حجم التصدع في تحالف فجر ليبيا، فالعمليات العسكرية لاقت معارضة من شرائح واسعة في مصراتة وطرابلس فأحجمت كتائب كبيرة عن المشاركة في بداية الأمر، عزز نهج بعثة الأمم المتحدة من الانقسام عبر اختيارها لأطراف دون أخرى للمشاركة في الحوار وعبر توسيع دائرة تواصل البعثة.

شكَّل موقف أطراف تحالف فجر ليبيا من تدخل بعثة الأمم المتحدة العامل الأهم في رسم ملامح المشهد وخارطة التحالفات في مرحلة ما بعد الانقلاب واندلاع الحرب. فانقسم التحالف لتيارٍ مناهض لمسار بعثة الأمم المتحدة وتيارٍ مناصر له، أما على صعيد المكونات الثورية الأخرى فقد أيدت شخصيات بارزة من رجال أعمال وسياسيين مسار الأمم المتحدة. كما انحازت أكبر كتائب مصراتة وطرابلس لهذا التيار. وهو ما انعكس بدوره على الأحداث على الأرض فعُقدت مصالحات أوقفت زخم العمليات العسكرية ما تسبب في معاناة عدة مدن عانت من التهجير وجرائم التصفية والقتل والاعتقال للثوار وكثرت جرائم الاختطاف والقتل على الهوية على يد “جيش القبائل”

شهدت مرحلة ما بعد السيطرة على طرابلس وانطلاق جولات الحوار برعاية الأمم المتحدة انحسارا كبيرا لنفوذ التيار المناهض لنهج البعثة الأممية في تحالف فجر ليبيا. فقد مني هذا  التيار بخسائر كبيرة على مستوى القيادات الميدانية حيث قتل الكثير منهم في المعارك الدائرة كما توفي أو اغتيل البعض الآخر في ظروف غامضة، أما على الصعيد السياسي فقد حوصر التيار نتيجة مواقفه الرافضة للمسار السياسي الجاري فتم تنحية رئيس حكومة الإنقاذ  وأضعفت الحكومة بسحب الوزراء عبر وعود بالمشاركة في الحكومة التوافقية القادمة كما قيد المصرف المركزي بنود الإنفاق مما دفع مزيدا من القوى العسكرية للانحياز للطرف الآخر.

 

الثاني عشر: الدور الأممي في إعادة تشكيل المشهد

بحلول بداية عام 2015 أصبح للبلاد حكومتان وبرلمانان. وفي حين أن معسكر الكرامة لم يتعرض لانقسام مؤثر بسبب هيمنة خليفة حفتر وحلفائه الإقليميين (مصر، الإمارات) على القرار السياسي، شهد تحالف فجر ليبيا انقسامات كبيرة أدت لبروز تحالفات جديدة وأدت في النهاية إلى تفكيك الحكومة والبرلمان (المؤتمر الوطني) وبروز المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني. ومع بدء الجولة الثانية من الحوار في  فبراير2015 كانت الأطراف السياسية قد أعادت تموضعها في طرفين أحدهما يدعم المسار التفاوضي الذي رسمته البعثة والآخر رافض لمقترحات البعثة التي تتجاوز حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا والذي اعتبر البعثة متحيزة للطرف الآخر.

اتفاق الصخيرات

على الرغم من رفض غالبية أعضاء برلمان طبرق والمؤتمر الوطني للاتفاق السياسي إلا أن بعثة الأمم المتحدة مضت في مسارها واختارت شخصيات سياسية ومسؤولين من الطرفين (البرلمان والمؤتمر) لتوقيع الصيغة النهائية من الاتفاق في 17 ديسمبر 2015، وأُعلن عن أعضاء المجلس الرئاسي الذي شمل 5 نواب و3 أعضاء مثلوا مناطق وأطراف مختلفة من الصراع.

حظى المجلس الرئاسي لطرابلس وحكومة الوفاق بدعم دولي وأصبحا الممثلين الشرعيين للبلاد في المحافل الدولية. وأعلن الإسلاميون المشاركون في الحكومة التوافقية أن الاتفاق السياسي أنهى انقلاب حفتر بجرة قلم، وأن الدولة الليبية استعادت شرعيتها الدولية، لكن حفتر أعلن رفضه للاتفاق واستمر في عملياته العسكرية في شرق البلاد ضد الإسلاميين وفي جنوبها ضد الكتائب التابعة للوفاق، وفي المقابل أعلن المجلس الرئاسي أن القوات التابعة له لن تتورط في نزاع مسلح مع الشركاء السياسيين.

 

الثالث عشر : تشكيل حكومة الوفاق والتنكيل بالمعارضين لها

تبع دخول المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة الوفاق تغيرات في خارطة النفوذ على الصعيد السياسي والأمني فانحسر نفوذ كتائب مصراتة في العاصمة بينما تمددت كتائب طرابلس الموالية للوفاق على الأرض، وشهدت طرابلس خلال عامي 2016-2017 إعادة هيكلة للمؤسسات السياسية والاقتصادية ومعارك عسكرية متفرقة بغرض اجتثاث القوى المعارضة لاتفاق الصخيرات والمجلس الرئاسي، كما شهدت أعمال عنف وانتهاكات على يد القوى الموالية للوفاق.

كما شهدت تلك الفترة حملة اعتقالات لثوار من بنغازي ودرنة،  وأصبح مجرد الانتماء للتيار الإسلامي الرافض لاتفاق الصخيرات يمثل خطرا على صاحبه مما دفع الكثير من الشخصيات البارزة والمسؤولين لترك البلاد خوفا من التصفية أو الاعتقال. وباختصار شهدت تلك المرحلة تحولا في بوصلة الولاء والعداء فتحول حفتر من عدو لشريك سياسي وتحول التيار الإسلامي الثوري من شريك سياسي لعدو، وبدأت عمليات تصفية سياسية وعسكرية استهدفت التيار.

 

الرابع عشر: خصوصية الجبهة الشرقية

اختلف المناخ العام في الجبهة الشرقية تماما فلم يكن هناك حديث عن هدن أو حوار ولم يكن هناك أي اختلافات حول طريقة حسم الصراع مع معسكر الثورة المضادة، فالجميع كان يؤمن بأن الحل يكمن في الحسم العسكري. ولم يمنع هذا كل من مجلس شورى ثوار بنغازي ودرنة من إجراء محادثات مع بعض القوى القبلية بهدف تحييدهم عن الصراع الدائر لكن لم تتوج أي من تلك المحاولات بالنجاح.

رغم استمرار تدفق الدعم اللوجستي من مصراتة والمنطقة الغربية إلا أن انحسار نفوذ التيار الثوري في الغرب وإبعاده عن العملية السياسية انعكس سلبا على الجبهة الشرقية التي لم تكن جزءا من عملية الحوار الجاري فالعمليات العسكرية فيها لم تتوقف أثناء الهدن والمفاوضات أو حتى بعد توقيع الاتفاق السياسي. كما أن الجرائم والانتهاكات التي تبعت أحداث 15 أكتوبر 2014 لم تدخل في الحسابات السياسية حتى انعزلت الجبهة الشرقية عن الأحداث في غرب البلاد تدريجيا، وبدخول المجلس الرئاسي لطرابلس وتوليه السلطة أصبح مجرد إبداء الولاء لثوار بنغازي ودرنة في طرابلس مستهجَنًا بل قد يصل بك لسجون قوة الردع، وبدا الاتفاق السياسي الذي قيل أنه أفشل انقلاب حفتر وأخرجه من المشهد بجرة قلم  كأنه عاد بنتائجَ عكسيةٍ فعزَّز من شرعية الانقلاب ورسخ دور حفتر في العملية السياسية.

 

الخامس عشر: تمدد التدخل الأجنبي بالبلاد

صاحب تمدد نفوذ المجلس الرئاسي في طرابلس وتغلغل كتائبها في مفاصل الدولة، تمدد التدخل الأجنبي شرق البلاد دعمًا لحفتر في ظل صمت دولي ومحلي، فكُشف في أكتوبر 2016 عن إنشاء الإمارات قاعدة “الخادم” الجوية التي وفرت غطاء جوي لقوات الكرامة في معركتي بنغازي ودرنة. وكذلك غرفة عمليات فرنسية في قاعدة بنينا الجوية في بنغازي لدعم قوات حفتر، كما استعان حفتر بخبراء وفنيين روس لإزالة الألغام. وبدأ تدفق قوات مرتزقة من السودان وتشاد.

مع توسع نطاق التدخل الأجنبي الداعم لحفتر تعقد المشهد السياسي والأمني إلا أن حكومة الوفاق تغاضت عن هذا الأمر ولم تبدِ ردة فعل، ومع تصاعد القتال في الشرق وخموده في الغرب برز تنظيم الدولة في كل من بنغازي ودرنة وسرت وصبراته، وبدأ بشن عمليات ضد جميع الأطراف وركزت غالبا على قوات مصراتة، مما دفع قوات مصراتة مصحوبة لإطلاق عملية البنيان المرصوص في إبريل 2016  للقضاء على التنظيم في سرت والتي شهدت تدخلًا أمريكيًّا جويا.

صاحب انطلاق عملية البنيان المرصوص إعلان ائتلاف من ثوار بنغازي ودرنة وأجدابيا عن تشكيل سرايا الدفاع عن بنغازي في مايو 2016 بهدف دعم مجلس شورى ثوار بنغازي في حربه ضد قوات حفتر، وتمكنت قوات السرايا من دحر قوات الكرامة وإسقاط طائرة مروحية أجنبية، ورغم نجاحات السرايا العسكرية إلا أن التدخل الأجنبي حال دون بلوغها لبنغازي فقد تعرضت قواتها لقصف جوي عنيف -يُعتقد أنه مصري- وأجبرت سرايا الدفاع على التراجع لقواعدها التي تلقت ضربات هي الأخرى .

سيطرة حفتر على الموانئ النفطية

تبع تراجع السرايا سيطرة قوات حفتر على الموانئ النفطية وطرد جهاز حرس المنشآت من منطقة الهلال النفطي، لتعود سرايا الدفاع للسيطرة على الموانئ مرة أخرى في مارس 2017. وقد عرضت حينها على المجلس الرئاسي استلامها إلا أن عرضها قوبل بالرفض لعدم رغبة معسكر الوفاق في الدخول في صدام مع حفتر، وقد استطاع حفتر استعادة السيطرة على الموانئ وقاعدة الجفرة الاستراتيجية.

فشلت السرايا في فك الحصار عن بنغازي واستطاع حفتر تضييق الخناق على ثوار بنغازي وتنظيم الدولة ومحاصرتهم، وفي أوائل يناير2017 انسحب تنظيم الدولة من بنغازي نحو الجنوب بتنسيق مع قوات حفتر، وفي 19 مارس2017 نجح مجلس شورى ثوار بنغازي في فك الحصار جزئيا والالتحام بقواته المحاصرة شمال المدينة واستطاع الصمود لسنة أخرى عملت خلالها قواته على التسلل وإخراج المقاتلين من المنطقة والتصدي لهجمات قوات حفتر حتى  مارس 2018 حين أعلنت قوات حفتر سيطرتها على المدينة بشكل كامل بعد حرب استمرت لقرابة 4 سنوات. ومع قرب انتهاء معركة بنغازي بدأ حفتر في التجهيز لشن هجوم على مدينة درنة، فبدأت المعارك بين قوات الكرامة ومجلس شورى ثوار درنة في أواخر 2017 وانتهت في  يونيو 2018 بانتصار قوات الكرامة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *