By / 5 أكتوبر، 2020

المشهد الليبي : 3- الهجوم على طرابلس وبروز دور الفاعلين الدوليين

السادس عشر: الحرب من طرف واحد

شهد عامي 2017 و2018 لقاءات بين السراج وحفتر في كل من أبو ظبي وباريس وباليرمو لمناقشة شروط الأخير ليقبل الانضمام للاتفاق السياسي. وأظهر حفتر في كل من هذه اللقاءات تعنتًا إلا أنه أبدى موافقته على إجراء انتخابات وبقاء السراج كرئيس للحكومة إلى حين إجرائها وتم التفاهم على مسودة اتفاق نهائية يكون فيها حفتر قائدا عاما للجيش إلا أن المفاوضات شهدت جمودا واستمرت قوات حفتر في التمدد على الأرض بمباركة من مسؤولين في حكومة الوفاق.

التقى السراج وحفتر مجددا في (أبوظبي) في 27 فبراير 2019 ليؤكدا على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية وضرورة الذهاب للانتخابات. وأعلن المبعوث الأممي عن عقد مؤتمر جامع بين 14 و 16إبريل، وحظي المؤتمر بدعم دولي ومحلي كبير، وبدا أن الصراع الجاري يتجه لنهايته حتى جاء هجوم حفتر على طرابلس بتاريخ 4 إبريل 2019 قبل أيام من انعقاد المؤتمر، وهو ما شكل صدمة لمسؤولي حكومة الوفاق.

طرابلس قبل هجوم حفتر في 4 إبريل 2020

شهدت العاصمة خلال السنوات الماضية تغولا غير مسبوق لنفوذ كتائب طرابلس (الردع،النواصي، ثوار طرابلس، شهداء “أبوسليم” ) في مؤسسات الدولة والقطاع المصرفي، وتنافُسًا في ما بينها على مختلف وسائل الإيراد المالي، مما أتاح لها الوصول للعملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي من خلال الاعتمادات المستندية التي يمنحها المصرف المركزي والتي كانت تباع مجددا في السوق السوداء بأضعاف مضاعفة، مما أدى لتضخم ثروة ونفوذ قيادات هذه التشكيلات بشكل غير مسبوق. وبالإضافة للعائدات المالية الضخمة واحتكار العملة الصعبة مع مجموعة من رجال الأعمال عملت هذه الكتائب على تعيين رجالها في مناصب نافذة في القطاع المصرفي والوزارات والسفارات كما وفروا امتيازات لصغار المنتسبين بتوفير مرتباتهم الشهرية نقدًا في حين عانت البلاد من شح السيولة وانهيار قيمة العملة المحلية بسبب إغلاق النفط والفساد في القطاع المصرفي وعمليات الاحتيال في ما يتعلق بالاعتمادات المستندية.

لم تقتصر ممارسات الكتائب على التعاون المتبادل عبر علاقاتها في المؤسسات بل تجاوزتها للإكراه في كثير من الأحيان فكان خطف المدراء والمسؤولين وإرغامهم على توقيع عقود وصفقات مسألة متكررة على يد هذه التشكيلات الأربعة في طرابلس.

استغلال حفتر للفرقة والانقسام

في ظل حملة التصفية التي طالت القوى المعارضة للاتفاق السياسي وفي ظل انشغال كتائب طرابلس بالتوغل في مؤسسات الدولة وسخط الكتائب الأخرى، بدأ حفتر محاولات استمالة بعض هذه الكتائب، فاستمال الكانيات من ترهونة -تشكيل عسكري خليط من مكونات مختلفة من ترهونة كانت تعادي قوات حفتر سابقا، كما اعتمد على التيار المدخلي في تعزيز نفوذه في مناطق غرب طرابلس كصرمان وصبراته. وعمل على التواصل مع بعض قيادات كتائب طرابلس الأخرى، وتم الاتفاق حتى مع كتائب من مدينة الزاوية على الدخول لطرابلس. تم كل هذا بالتوازي مع تقدم قوات حفتر في الجنوب الليبي وإجرائه لمفاوضات مع حكومة الوفاق وقيادات مدينة مصراتة لتقاسم السلطة.

بنى حفتر مخططه لدخول طرابلس على عامل غياب الثقة والصراع بين كتائب المنطقة الغربية. فلو سيطر حفتر على غرب طرابلس كان من المتوقع انسحاب كتائب طرابلس الكبرى من المعركة لكن الذي حدث هو العكس تماما فكتائب الزاوية التي اعتقد أنه حيدها حاصرت قواته فور هجومه على المدخل الغربي وتمكنت من أسر كتيبة كاملة، وجاءت الضربة الأخرى بانضمام كتائبَ من الزنتان لقوات الوفاق، وتنادت كتائب مصراتة وطرابلس ومختلف المناطق لصد الهجوم بشكل سريع وشكَّل خصوم وأعداء الأمس تحالفًا لصد هجوم قوات حفتر.

وبينما تشكل تحالف قوات الوفاق من ثوار المدن الغربية التي وقفت ضد النظام في الثورة كمصراتة والزنتان وصبراته والزاوية وغريان ومدن الجبل الغربي، فقد تشكلت معظم قوات حفتر من المدن الغربية من المناطق التي والت النظام كترهونة وورشفانة وبني وليد وتاورغا وسرت وسبها. ورغم إعلان بعض هذه المدن حيادها إلا أنها تعد قواعد انطلاق وإمداد لقوات حفتر وينتسب معظم مقاتلي المنطقة الغربية في صفوفه إليها.

لقد صاغت المراحل المتعددة التي مرت بها الثورة الليبية منذ انطلاقها هذه التحالفات المعقدة ففي أحداث 2011 برزت تحالفات مناطق الثورة ضد مناطق النظام. ثم في 2014 انحازت بعض قوى الثورة في الشرق والغرب لمعسكر الثورة المضادة،ثم تغيرت تركيبة التحالفات مجددا بعد الاتفاق السياسي. وأخيرا بهجوم حفتر على طرابلس عادت تحالفات قديمة وبرزت أخرى جديدة. لكن تظل هذه التحالفات معرضة للتفكك فور غياب الخطر الذي يهدد وجود مكوناتها.

 

السابع عشر: مكونات المشهد الليبي

مر المشهدان السياسي والعسكري بتغيرات كثيرة منذ 2011، فبرزت أطرافٌ جديدة كقوى فاعلة على حسابِ أخرى، في حين حافظت بعض التيارات الفكرية والسياسية على حضورها في المشهدين السياسي والأمني حتى اليوم عبر وسائل عدة كالمال والعلاقات السياسية أو القوة العسكرية أو الدعم الدولي -الاقليمي أو عبر عقد التحالفات المحلية، أبرزها : التيار الثوري في مصراتة وبعض مدن الغرب، الإخوان المسلمون، وخليفة حفتر.

ويمكن القول إن هذه الأطراف هي الأبرز والأكثر حضورا في المشهد الحالي، لكنها لا تحتكر المشهد بشكل كامل فهناك مجموعة من مؤيدي ومسؤولي النظام السابق عادت للمشهد السياسي بعد اتفاق الصخيرات وتتولى مناصب هامة في الطرفين لكنها لا تشكل تيارا متسقا وموحدا، ويطغى عليها البحث عن المصلحة الفردية ويتم توظيفها من قبل الأطراف المتنازعة للاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم الخارجية والداخلية.

التيار المدخلي

مثلما يتقلد عناصر النظام السابق مناصبا أساسية ومهمة على الطرفين، يقوم التيار المدخلي بدور مشابه لكن بعيدا عن السياسية، فتواجده يقتصر على الجانبين الأمني والعسكري بالإضافة لهيمنته على المؤسسات والهيئات الدينية والمساجد وامتلاكه لـ28 إذاعة مسموعة عبر البلاد، وبالتالي يمكن القول إن التيار ركز نشاطه وحركته الدعوية على المحيط الاجتماعي والتشكيلات المسلحة.

لعب التيار دورا مهما في التقريب بين معسكري الكرامة ولكن كان تمثيله في معسكر الكرامة أقوى وأبرز من نظيره في الوفاق. فحفتر يعتمد على ولاء السلفية المدخلية له بشكل كبير حيث أوكل لهم وزارة أوقاف حكومة الثني والمؤسسات الدينية والمساجد في الشرق والجنوب الليبي، ويعتمد عليهم في إدارة معتقلات التعذيب، كما لعب دورا كبيرا في تمهيد الطريق لحفتر وبسط هيمنته على المدن الغربية، ووصل دور التيار لحد تنفيذ اغتيالات وعمليات تصفية 

يقابل هذا الحضور القوي للتيار المدخلي في صفوف حفتر، حضور أكثر تواضعًا في صفوف الوفاق  فهو يسيطر على غالبية مساجد طرابلس والمنطقة الغربية ويسيطر على 80% تقريبا من مكاتب الأوقاف ويمتلك في طرابلس وحدها 4 إذاعات من أصل 9 في المنطقة الغربية وله مدارس خاصة، كما أن له تشكيلات عسكرية خاصة به، وبعد دخول حكومة الوفاق وترسيخها لسلطتها في العاصمة اعتمدت السلطة على قوة الردع في محاربة الجريمة وأوكلت لها ملف “مكافحة الإرهاب” وفي مايو 2018 أصدر السراج قرارا بتحويل قوة الردع إلى جهاز الردع لمكافحة الجريمة والإرهاب، مما حررها من قيود وزارة الداخلية عليها، وأعطاها صلاحيات أوسع.

تزايد نفوذ المداخلة

مع تمدد نفوذ التيار تصاعدت عدائيته ضد التوجهات الإسلامية الأخرى وعلى رأسها تيار دار الإفتاء والمفتي الشيخ الصادق الغرياني وثوار الشرق المهجرين. وبدأت حملة اعتقالات في طرابلس ومصراتة طالت المئات في ظل صمت حكومة الوفاق، ووصل الأمر حد التصفية الجسدية.

رغم تبعية جزء من التيار المدخلي بالمنطقة الغربية لحكومة الوفاق إلا أن الميول السياسية لم تعلن عن موقف واضح من حفتر بل كان لبعض الشخصيات البارزة في التيار تواصل مع ممثلي حفتر. وبعد هجوم قوات حفتر على العاصمة في 4 إبريل أظهرت بعض التشكيلات ولاءها له وانضمت لاحقا لصفوف قواته وسهلت له دخول سرت التي كانت تحت سيطرتها بينما التزمت الشخصيات البارزة في التيار الصمت لفترة طويلة ودعا البعض الآخر لحقن الدماء. وظلت المساجد والمنابر على “حياد” في حين كانت منابر التيار على الطرف الآخر تصدح بوجوب “الجهاد” مع حفتر ضد “الإخوان والخوارج”، أما جهاز الردع فأعلن عن مشاركته ، في القتال بعد أكثر من شهرين من الهجوم على العاصمة.

يشير الحديث غير الرسمي في الشارع إلى أن تمويل التيار يأتي من السعودية لارتباط التيار بشيوخها المملكة، كما أن الميزانيات التي تمنحها الدولة الليبية لهذه التشكيلات لا تتطابق مع حجم التسليح ونوعيته، كما أن مشاريع مثل الإذاعات المسموعة وغيرها من النشاطات التي تحتاج تمويلًا ضخمًا، لا تفسرها التبرعات أو دعم رجال الأعمال.

 

الثامن عشر: اللاعبون الإقليميون والدوليون في ليبيا

منذ عام 2011 والبلاد تقع تحت وطأة التدخل الخارجي، فلعبت قطر دورا في دعم الثوار والإسلاميين عبر شخصيات إسلامية، فيما قدمت الإمارات الدعم لتحالف “الثورة المضادة” عبر شخصيات بخلفيات مختلفة، وفي حين شهد الدعم القطري تراجعا بعد 2016، شهد الدعم الإماراتي تصعيدا كبيرا تُوِّجَ ببناء قاعدة “الخادم” العسكرية شرق ليبيا واستيراد طائرات أمريكية وجلب مرتزقة  طياريين وبطائرات بدون طيار صينية، ومع انطلاق عملية الحوار التي رعتها الأمم المتحدة نجحت الإمارات في التأثير على نتائج الاتفاق السياسي عبر استقطاب السياسيين والمسؤولين محليين ودوليين بوسائل مختلفة ولم تقتصر عمليات الاستقطاب  وشراء الذمم على الأطراف المحلية، وقد بلغ عدد المنصات  الإعلامية الممولة من الإمارات 6 منصات.

 

بروز الدور الفرنسي

مع تصاعد المعركة في بنغازي برز الدور الفرنسي في دعم حفتر، وقد نشر مركز ستارتفور صورًا بالأقمار الصناعية تشير لوجود غرف عمليات في قاعدة بنينا يديرها عسكريون أجانب يُعتقد أنهم فرنسيون، كما سرب موقع “ميدل إيست آي” محادثات لاسلكية بين عسكريين أجانب في قاعدة بنينا مع طائرة تتجهز للهبوط فيها.

قطعت الشكوك حول طبيعة الدعم الفرنسي في 20 يوليو 2016 عندما أسقط ثوار بنغازي طائرة مروحية على متنها ثلاثة عسكريين فرنسيين، وقد نعاهم  كل من الرئيس الفرنسي وبرر بأن هؤلاء العسكريين كانوا يقومون بمهام لمكافحة الإرهاب،  إلا أن هجوم حفتر على طرابلس كشف تواجد عسكريين فرنسيين وأسلحة فرنسية في غريان، وقد نفت فرنسا كون هؤلاء العسكريين داعمين لحفتر وأكدت أنهم فريقٌ أمني كان يحمي السفارة الفرنسية

الدعم الروسي لحفتر

بالإضافة للدعم الإماراتي المصري الفرنسي حظى حفتر بدعم روسيا التي تبحث عن موطئ قدم لها جنوب المتوسط، وتأمين مصالحها الاقتصادية والحصول على أوراق ضغط على الخصوم الأوروبيين، ورغم دعمها لحفتر فهي تحافظ على علاقاتها مع الطرف الآخر من الصراع. ويبدو أنها تسعى لابتزازه بدعمها المتزايد لحفتر حيث يشهد الدعم الروسي تصاعدا منذ عام2016 فأصبح يشمل تزويد حفتر بالمرتزقة والتخطيط للعمليات العسكرية على تخوم طرابلس. 

بالإضافة للدعم اللوجستي والعسكري قدمت روسيا دعمًا من نوع آخر لحفتر بتوفير حلٍّ لأزمة السيولة التي واجهته فطبعت له مؤسسة غوزناك –المؤسسة الرسمية لسك العملة التابعة للكريملين- إجمالي 15.4 مليار دينار ليبي =11 مليار دولار وهو الأمر الذي فاقم من الأزمة الاقتصادية في ليبيا،  وأضعف قيمة الدينار الليبي أمام الدولار . كما تحدث تقرير لمؤسسة “دوسير”أن شركة فاغنر مسؤولة عن إصدار صحيفة “صوت الشعب” التي تروج لحفتر بقوة.

وبرز الدور الروسي المتنامي كمصدر قلق لكل من بريطانيا وأمريكا، فحذرت منه بريطانيا وقدمت مشروعًا في مجلس الأمن في فبراير 2019 يطالب بسحب المرتزقة الروس من ليبيا، واتهمت قيادة الأفريكوم روسيا بالسعي للوصول للنفط الليبي وتنشيط مبيعات الأسلحة، كما أرسلت واشنطن وفدًا دبلوماسيا التقى بحفتر في نوفمبر 2019 وحثه على إيقاف الهجوم على العاصمة وحذره من استغلال روسيا للفوضى في ليبيا لتعزيز نفوذها.

الدور الأمريكي المتذبذب

يبدو الدور الأمريكي متناقضا عبر مواقفه، ففي حين تصدر واشنطن بيانات تدعو لإيقاف الحرب، يعطي البيت الأبيض لحفتر الضوء الأخضر لشن هجومه على الحكومة التي يعترف بها، ولم تبذل الإدارة الأمريكية أي جهود جدية لكبح جماح الأطراف الإقليمية الداعمة لحفتر ولم تعلق على استخدام الإمارات لطائرات أمريكية في معركتي بنغازي ودرنة  فضلا عن الدور الأمريكي في تزويدها بالطيارين في ظل حظر التسليح المفروض على البلاد.

تعلن الولايات المتحدة اعترافها بحكومة الوفاق كممثل شرعي للبلاد، وقد قدمت لها دعما عسكريا في مواجهات قواتها لتنظيم الدولة في سرت ولازالت تتعاون معها وتقدم لها الدعم في ملف مكافحة الإرهاب. وفي المقابل تقوم بالمثل مع حفتر إذ تتردد الطائرات الأمريكية على مطار بنينا بشكل مستمر منذ سنوات.

 

الدور التركي في المشهد

برز الدور التركي المنحاز لحكومة الوفاق الشرعية بقوة حيث ضخت تركيا دعما عسكريا كبيرا عبر إرسال مدرعات وطائرات بدون طيار ونظم دفاع جوي كما أرسلت مقاتلين سوريين في مراحل لاحقة مما أعاد التوازن للمعركة، كما وقَّعت تركيا اتفاقية تعاون أمني وترسيم حدود بحرية مع حكومة الوفاق الأمر الذي أثار احتجاج حلفاء حفتر والأطراف الدولية المتضررة بشكل مباشر من هذا الاتفاق (فرنسا، مصر، اليونان، إسرائيل). واعتبروا أن الاتفاقيتين باطلتان. وأصدرت مصر واليونان وفرنسا بيانًا مشتركا أدانت فيه الاتفاق ووصفته بأنه يعد تعديا على الحقوق السيادية لدول أخرى وأنه لا يتفق مع قانون البحار.

تحد الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا من نفوذ هذه الدول وقدرتها على التحرك بشكل أحادي يهمش تركيا في المتوسط كما أنها تقف عائقا أمام مشروع خط الغاز الإسرائيلي لأوروبا، ورغم الاعتراض المبدئي ل”إسرائيل” على هذه الاتفاقية إلا أن بعض المصادر الإعلامية أعلنت عن قبول إسرائيل بالدخول في مفاوضات سرية مع تركيا حول تمرير خط الغاز من إسرائيل عبر تركيا.

ويبدو أن التحالف مع تركيا وتوقيع الاتفاقية البحرية أدخل ليبيا لساحة نزاع دولية إقليمية جديدة وشكل نقطة اللاعودة لحكومة الوفاق التي حاولت طوال السنوات الماضية الحفاظ على علاقات ودية مع حلفاء حفتر، مما يعني أن سير الأحداث في ليبيا سيكون مختلف عما كان عليه قبل التدخل التركي، ومع تنامي الدور الروسي يزداد تشابه العوامل المؤثرة في الملف الليبي بالملف السوري يوما بعد يوم وهو ما يثير مخاوف كل من الإمارات  وفرنسا خشية أن تفقد الأولى السيطرة على  القرار السلم والحرب من جانب حفتر وأن يتضاءل دور الثانية بهيمنة هذا الثنائي (تركيا-روسيا) على المشهد.

الدعم المصري لحفتر

رغم أن مصر تلعب دورا أساسيا في دعم قوات حفتر عبر تزويده بالذخائر والمدرعات وفتح أراضيها وقواعدها العسكرية كمعبر ومنطلق لمختلف الدول الداعمة لحفتر إلا أن بعض التقارير الصحفية تتحدث عن محاولات إماراتية-سعودية لدفع مصر للتصعيد لمنع انهيار قوات حفتر المستمر منذ التدخل التركي. وغير معروف طبيعة التصعيد المطلوب، لكن نظرا لمحدودية الإمكانيات المصرية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد لا يتصور أن تجنح مصر لهذا الخيار  إلا في حالة الاضطرار كأن يتم تهديد النفوذ المصري في الشرق الليبي، أما في حالة غياب تهديد حقيقي لا يتصور أن حدوث تصعيد يتعدى ضربات جوية جراحية تنقذ حفتر، وهو ما قد يترتب عليه تصعيد تركي أكبر بعد التلويح به في المناورات الأخير على حدود المياه الإقليمية الليبية.

كما برزت مؤخرا ادعاءات بإرسال السيسي لجنود مصريين للقتال في صفوف حفتر في معركة طرابلس، لكن تظل هذه المزاعم ضعيفة خصوصا في ظل استعانة حفتر بمرتزقة من حركات تمرد سودانية كحركة تحرير السودان (جناح منى مناوي) المدعومة من تشاد وحركات أخرى موالية للحكومة السودانية كمجلس الصحوة الثوري التابعة لموسى هلال زعيم المحاميد. ومن تشاد كجبهة التناوب والوفاق في تشاد، واتحاد القوة من أجل الديمقراطية والتنمية –وهذه الأخيرة تقاتل حتى مع قوات الوفاق.

الخاتمة

يبدو أن التفاوضَ والحوار نهجٌ غير مجدي مع حفتر وحلفائه الإقليميين، فعلى الرغم من تقديم الأطراف المناوئة له في حكومة الوفاق تنازلات كبيرة إلا أن حفتر وظَّف عملية الحوار لكسب الوقت لإنهاء معاركه في الشرق والجنوب والتجهيز للتوجه نحو العاصمة. ولا يبدو أن البلاد ستشهد استقرارا في أي وقت قريب في ظل توازن القوى الحاصل. فالمعركة الحالية تبدو كأنها معركة صفرية فحفتر راهن بكل ما يملك على إمكانية السيطرة على طرابلس بعملية خاطفة وعبر شراء ذمم بعض القوى بالمنطقة الغربية وطرابلس وبفشل هذا التكتيك دفع قوى المنطقة الغربية للتوحد ضده في معركة طويلة وقلص من فرص قبوله سياسيا في المرحلة القادمة بعد أن كانت معظم القوى مستعدة للتفاهم معه وإشراكه، كما أن هجومه على العاصمة أضعف نفوذ أبو ظبي على معسكر الوفاق ومنح  تركيا الشرعية اللازمة للتمدد في المنطقة، لذا فإن ما بعد هذه المعركة سيكون مختلفا عن  ما قبلها، وفي حال نجحت قوات الوفاق في تحرير كامل المنطقة الغربية وفزان، فسيكون موقفها التفاوضي أقوى مما سبق خصوصا في ظل تنامي الوجود والدعم التركي الذي لازال في بدايته على عكس الدور المصري\الإماراتي الذي يبدو أنه بلغ ذروته.

 توظيف حفتر للنزعة الجهوية والعداءات القبلية بين الشرق والغرب وداخل الغرب نفسه عزز من حالة التشظي الاجتماعي ورسخ فكرة أن ليبيا تقطنها شعوب مختلفة، وفي ظل فشل هجومه على طرابلس بدأت تتعالى أصوات التيار الفيدرالي من جديد، المطالبة بالانفصال ليست فكرة جديدة على الشرق الليبي “برقة”، وفي ظل تنامي العداء بين الاقليمين بسبب الحرب الدائرة تلقى الفكرة قبولا متزايدا في الغرب، لكن لا يبدو أن هذا الخيار مطروح حاليا حيث ترفضه كافة الأطراف السياسية المؤثرة، فبينما يطمح حفتر والتحالف الداعم له  للهيمنة المطلقة والسيطرة على المؤسسات المهمة في طرابلس وإنهاء نفوذ القوى الثورية المناوئة له في مصراتة والمنطقة الغربية، يطمح معسكر الوفاق للحفاظ على تدفق العائدات النفطية للبنك المركزي طرابلس حيث تكمن معظم ثروة البلاد النفطية بالمنطقة الشرقية وتطمح تركيا للحفاظ على شرعية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، لكن في حال نجاح معسكر الوفاق في التغلب على قوات حفتر وطردها من المنطقة الغربية والجنوبية وتهديد معقل حفتر في الشرق ربما يتم التلويح بالتقسيم كحل أخير لتعزيز موقف حلفاء حفتر في المفاوضات، الأمر الذي قد يشعل حربا بالمنطقة الوسطى تهدف للسيطرة على الهلال النفطي قد تشمل حتى تصعيد من الأطراف الداعمة لحفتر وعلى رأسه مصر لأهمية الشرق الليبي لها لكنه سيكون محكوما بإمكانيات هذه الدول لم تعد قيمة مضافة مقارنة بإمكانيات تركيا التي لن تتخلى عن الشرق الليبي بسهولة، ويبدو أنه كل ما تزايد نفوذ وتأثير ثنائي روسيا-تركيا على المشهد كل ما ابتعدنا عن هذا السيناريو واقتربنا من الوصول لتسوية سياسية توازن بين رغبات الطرفين.

لم تظهر تبعات أزمة الوباء والأزمة الاقتصادية وإغلاق النفط –الذي تجاوزت خسائره 4 مليار دولار- على الصراع الليبي بعد، لكن في ظل تراكم مصاريف الحرب وارتباط الأطراف الداخلية بالخارج ومدى تأثير الدعم الخارجي على مجريات الحرب الدائرة قد نشهد قريبا عودة للعملية السياسيى في ظل ظروف و معطيات جديدة.

المشهد الليبي يتعقد يوما بعد يوم ولا يبدو أن الحلول التقليدية قادرة على إنهاء حالة الاستقطاب خصوصا في ظل تنامي نفوذ الأطراف الخارجية وارتباط الطرفين المتصارعين بتحالفات إقليمية مما يجعل ليبيا ملفًّا على طاولة الدول المتنازعة ويربط أحداثها بشكل مباشر بالساحات الأخرى التي تتصارع فيها هذه الدول، كما أن عزوف الولايات المتحدة عن تغليب طرف على آخر واكتفاءها بمنح الأطراف الداعمة لحفتر موافقتها على إسقاط الحكومة الشرعية تارة وإبداء دعمها للحكومة تارة أخرى يزيد من تعقيد المشهد.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *