By / 15 نوفمبر، 2019

المعارك الصغرى لسيد قطب

الكاتب: عبد الحميد ضحا

قبل أن يخوض سيد قطب معركته الكبرى لحاكمية الإسلام، عبر في طريقه بعدد من المعارك الأدبية والفكرية والسياسية، مع عدد من الأدباء في مناهج النظر والتفكير والتعبير، ومع المستشرقين والمتغربين، ثم المعركة السياسية مع ثورة يوليو التي كان هو الشخص المدني الوحيد في مجلس قادتها.

معارك سيد قطب الأدبيَّة:

خاض سيد قطب كثيرًا من المعارك الأدبية التي شغلت الأوساط الثقافية، وذكرنا قبلُ ما كان يظنه القرَّاء ومن يتعارك معهم سيد قطب من خلال كلام الأديب السوري علي الطنطاوي، وأشهر المعارك الأدبية التي خاضها: “معركة المنبر الحر (1934م) – معركته مع الرافعيين (1938م) – معركته مع الدكتور محمد مندور حول الأدب المهموس (1943م) – معركته مع عبد المنعم خلاف حول التصوير الفني في القرآن (1944م) – معركته مع دريني خشبة (1943م) – معركته مع صلاح ذهني (1944م) – معركته مع إسماعيل مظهر (1946م) – معركته مع شيوخ الأدب (1947م)”[1].

السفر إلى أمريكا:

ذكر الأستاذ محمد قطب -الشقيق الأصغر للأستاذ سيد- أن الهدف من البعثة كان إبعاد سيد عن مصر؛ فذهب إلى أن السراي أصدرت أمرًا ملكيًّا باعتقال سيد بسبب كتاباته ضد الملك والحاشية وأنه لم يكن هناك سند قانوني لتنفيذ هذا الأمر، فقررت الحكومة إبعاد سيد عن مصر؛ لتتخلص من هذا الحرج القانوني[2].

وتعجَّب الدكتور الطاهر مكي أستاذ الأندلسيات بدار العلوم من هذه البعثة المفاجئة والغريبة بعيدًا عن الظاهر غير المقنع فيقول: “جاءت فجأة وشخصية، فلم يعلن عنها ليتقدَّم لها من يرى نفسه كفئًا، وأن المبتعث تجاوز السن التي تشترط إدارة البعثات توفُّرها بكثير، وأنه نقل عند تخصيصها له مراقبًا مساعدًا بمكتب الوزير”. وذكر د. الطاهر مكي أنه طرح تساؤلاته وهواجسه على أستاذه في التاريخ الحديث شفيق غربال أوائل الخمسينيَّات، فذكر له أن سيد قطب كفاءة عالية، وتوسَّم فيه هو وإسماعيل القباني المستشار الفني للوزارة الخير والنفع، فوفَّرا له بعثة غير عادية ليتصل بالحضارة الغربية وتتَّسع نظرته ويتعمَّق فكره… إلخ[3]. ولم يقتنع د. الطاهر مكي بهذه الإجابة، فقال: “واضح أن ذهاب سيد قطب إلى الولايات المتحدة كان وليدَ تخطيط أمريكي خفيٍّ، بعيدٍ عن سيد قطب بداهةً، ولم يعرفه أكيد، فمن الغريب والعصبيةُ المعهديةُ على أَشُدِّها في تلك الأيام في وزارة المعارف، ومن إسماعيل القباني بالذات، أن تخصص بعثة لموظَّف من دار العلوم، وفي مثل هذه السن”[4].

ويستطرد د. مكي ويؤكِّد شكوكه في التخطيط الأمريكي أنهما لو صَدَقا لأرسلاه لبريطانيا حيث درسا، لا الولايات المتحدة، يقول: “إنجلترا أقرب لنا، وأرخص تكلفةً، كلاهما غربال والقباني درسا فيها، والمعهود أن يميل المرء -إن لم يتعصَّب- إلى البلد الذي درس فيه”.

وكان سيد قطب واعيًا بالسياسة الأمريكية ودعمها للصهاينة في فِلَسْطِينَ، فكتب مقالاً في مجلة الرسالة بعنوان “الضمير الأمريكاني وقضية فلسطين”، قال: “أخيرًا يتكشَّف ضمير الولايات المتحدة الذي تعلَّقتْ به أنظار كثيرة في الشرق، وحسبته شيئًا آخر غير الضمير الإنجليزي والضمير الفَرنسي، وسائر الضمائر الأوربية المعروفة. أخيرًا يتكشف ضمير الولايات المتحدة هذا، فإذا هو -ككل شيء أمريكي آخر – “ضمير أمريكاني”! ونحن نعرف في مصر “اللعبة الأمريكانية”، ونعرف أنها “نصب في نصب”، وقد حرّمت هذه اللعبة لما فيها من غشٍّ وخداع، و”الضمير الأمريكاني” الذي تكشف عنه تصريحات ترومان لا يرتفع كثيرًا عن هذه اللعبة الممنوعة! ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير؛ لأن الشرق لم يحتكَّ طويلاً بأمريكا، كما احتكَّ بإنجلترا وفرنسا وهولندا، فلما بدأ الاحتكاك في مسألة فلسطين تكشَّف هذا الخداع عن ذلك الضمير المخول، الذي يقامر بمصائر الشعوب، وبحقوق بني الإنسان؛ ليشتري بضعة أصوات في الانتخاب. وكلهم سواءٌ أولئك الغربيون: ضمير متعفِّن، وحضارة زائفة، وخُدعة ضخمة اسمها “الديمقراطية” يؤمن بها المخدوعون! تلك كانت عقيدتي في الجميع، في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريق ويسيء الظن بفريق، وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتَّع بحسن الظن من الكثيرين، فها هي ذي أمريكا تتكشَّف للجميع”[5].

وإني لأمِيل إلى الرأي القائل بأن سفره لأمريكا كان مُعَدًّا، لم يكن بريئًا؛ ليس من أمريكا فقط؛ بل من القصر بدرجة أكبر؛ فقد كانت مقالاته تلقي حُمَمًا على القصر والحكومة والمجتمع، مع انتقاد الوزراء بقوَّة وجرأة، فلم يتحمل القصر والحكومة ذلك؛ فلم يكن أمامهم إلا الإبعاد عن مصر أو الاعتقال، وكان يصعب اعتقاله حينها بسبب احترام القانون إلى حد ما في مثل حالته ككاتب كبير، إضافة إلى علاقته ببعض الوزراء، وبرئيس الوزراء حينها محمود فهمي النقراشي.

وما يؤكِّد أنها كانت من أجل إبعاده عن مصر أن بعثته كانت مفصَّلة له كما نقلنا قبلُ عن الدكتور الطاهر مكي، فلم تخضع لأيِّ ضوابط مما كان يُعمَل بها في البعثات؛ فقط طلبوا منه الاطِّلاع على مناهج ونظم التعليم في أمريكا بوصفه يعمل بالتفتيش الفني بوزارة المعارف، ولم يكن مقيَّدًا هناك بجامعة معيَّنة أو زمن معيَّن، فتركوا له الحرية في مجال الدراسة وميدانها وتخصُّصها وزمانها ومكانها.

ونضرب مثلاً ببعض مقالاته في مهاجمة القصر والحكومة والإقطاعيين وهلم جرًّا، في هذه الفترة التي ما زال نقَّاد الفنِّ يُشيدون بموقف نجيب الريحاني في فيلم له بأنه تهكَّم على الباشوات ويكيلون المديح لجسارته؛ فماذا يقولون عن مقال سيد قطب بعنوان “أولاد الذوات وبناتهم هم نتن الأرض ولعنة السماء”[6]، أو عن مقاله بعنوان “ليس الشعب متسولاً فردُّوا له حقوقه وهو غني عن برِّكم”[7].

أما ما حدث لسيد قطب في رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فهو مدوَّن إلى درجة كبيرة من خلال رسائله الكثيرة، وكتاباته في الصحف والمجلات من هناك، حكى أشياءَ كثيرة عن رحلته منذ ركوبه السفينة حتى عودته، وقد جمع الدكتور صلاح الخالدي كل ما استطاع الوصول إليه في هذا الموضوع، ونشره في كتاب “أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب” صدرت طبعته الأولى عام 1985م، ثم توالت الطبعات وانتشر الكتاب.

سافر سيد قطب إلى أمريكا يوم 3/11/1948م[8] في باخرة من الإسكندرية إلى نيويورك، وأخذ يتفكَّر أثناء رحلته في أمور إيمانية، وكان في حالة إيمانية جيِّدة حتى حدث له موقف أشكُّ مما نراه في واقعنا، ومن ملابسات سفره لأمريكا، أنه كان فخًّا له؛ حيث تكرَّر معه في أمريكا كثيرًا؛ يقول سيد: “وأردت أن أكون الرجل الثاني –المسلم الملتزم– وأراد الله أن يمتحنني: هل أنا صادق فيما اتجهت إليه أم هو مجرد خاطرة؟ فما أن دخلت الغرفة حتى كان الباب يُقرع، وفتحتُ، فإذا أنا بفتاة هيفاء جميلة، فارعة الطول، شبه عارية، يبدو من مفاتن جسمها كل ما يُغري، وبدأتني بالإنجليزية: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عليه هذه الليلة؟ فاعتذرت بأن الغرفة معدَّة لسرير واحد، وكذا السرير لشخص واحد، فقالت: وكثيرًا ما يتَّسِع السرير الواحد لشخصين! واضطُرِرتُ أمام وقاحتها ومحاولة الدخول عَنْوةً؛ لأن أدفع الباب في وجهها؛ لتصبح خارج الغرفة، وسمعت ارتطامها بالأرض الخشبية في الممرِّ؛ فقد كانت مخمورة”[9].

ورأى نصرانيًّا مبشِّرًا يحاول نشر دعاياته التبشيرية بين ركَّاب الباخرة المسلمين، فاستيقظت مشاعره الإيمانية، وذهب إلى قبطان الباخرة، وطلب منه السماح لكل ركاب الباخرة المسلمين بصلاة الجمعة، يقول سيد: “ولكني أذكر حادثًا وقع لي، وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسةَ عَشَرَ عامًا.. كنا ستَّةَ نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عُباب المحيط الأطلسيِّ إلى نيويورك من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب، ليس فيهم مسلم.. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة، والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشِّر كان يزاول عمله على ظهر السفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا، وقد يسَّر لنا قائد السفينة -وكان إنجليزيًّا- أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحَّارة السفينة وطُهاتها وخَدمها -وكلهم نوبيُّون مسلمون- أن يصلِّيَ منهم معنا من لا يكون في الخدمة وقت الصلاة، وقد فرحوا بهذا فرحًا شديدًا؛ إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة، وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة، والركابُ الأجانب -مُعظمُهم- متحلِّقون يرقبون صلاتنا، وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنِّئوننا على نجاح “القُدَّاس”! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا!…”[10].

تَكرار محاولات الإغواء:

موقف الفتاة على الباخرة تكرر في أمريكا، ويذكر سيد قطب هذه المحاولات لإيقاعه في مستنقع الشهوات والرذيلة والانحلال الأخلاقيِّ، وكيف أن الله أراد به الخير؛ ولذلك أعانه على الانتصار عليها، والاستعلاء بإيمانه، والثبات على إسلامه، أما نحن الآن فقد صار يقينًا أن أول سبيل للمخابرات والأجهزة الأمنية للسيطرة على المفكِّرين والمثقَّفين والأدباء والكتَّاب، والنخبة عامَّةً، هو الإغواء الجنسيُّ؛ للتحكُّم والسيطرة على الشخص وتقييده بما يَشينُه؛ ليَقتُل حرِّيَّته وضميرَه، ويَصير عبدًا مطيعًا لهذه الأجهزة.

ومن محاولات الإغواء الجنسي التي ذكرها سيد قطب غير فتاة الباخرة: فتاة قامت بجهد كبير لإغوائه ولاحَقَتْه من جامعة إلى أخرى، ثم فتاة ناقشته في معهد المعلِّمين بمدينة جريلي بكولو رادو، في مسائلَ جنسية مكشوفة، ثم فتاة ممرِّضة كانت تغريه وهو في المستشفى بإسماعه المواصفات التي تطلبها في الشخص ليكون عشيقًا لها، ثم فتاة جامعية كانت تناقشه وتريد أن تمحوَ من ذهنه النفور من الرذيلة وتَزعُم له أن الجنس عملية بيولوجية جسدية لا داعيَ لإقحامها في المعاني الأخلاقية، ثم عامل الفندق الذي عَرَض عليه تلبية ما يريد من نزوات جنسية – طبيعية أو شاذَّة – وأثاره بالحديث عن عيِّنات منها، ثم الشاب العربي الذي كان يغريه بإسماعه قصصًا عن مغامراته الجنسية مع الأمريكيات[11].

محاولات مخابراتية غربية لاحتوائه:

بعد فشل محاولات السيطرة والاحتواء بالإفساد الأخلاقيِّ، اتَّجهوا للاحتواء الفكري والسياسي؛ فقد ذكر سيد قطب نماذج للتنافس بين رجال المخابرات الإنجليزية والأمريكية لاحتوائه، وكيف أن الله أعانه على الخروج من تلك المحاولات معتزًّا بدينه، ملتزمًا بإسلامه.

من ذلك ما قام به رجل المخابرات الإنجليزي “جيمس هيوارث دن” – وكان قد أقام بمصر فترة وادَّعى فيها أنه أسلم، وتسمَّى باسم “جمال الدين”، وتزوَّج فتاة مسلمة، ثم أقام في أمريكا، وألَّف فيها كتابه الخطير “التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة” – وقد أخبرَنا سيد قطب عن بعض ما قام به “دن” معه:

1- أخبره أن الكثير من الحاكمين في الدولة الأمريكية تخرَّجوا في المعاهد التبشيرية، وعَدَّ له عشرات من الأسماء البارزة في وزارة الخارجية الأمريكية وفي السلك السياسي، ولم يخبره بذلك لوجه الله؛ بل كان يهمُّه ألا يثق الشرقيون كثيرًا في نيات أمريكا تجاههم، وقد تشكَّك سيد في كلام “دن”، فتحقَّق من صحتها بوسائلَ أخرى

2- عرض على سيد قطب أن يُترجم كتابه “العدالة الاجتماعيّة في الإسلام” – الذي صدر عام 1949م – إلى الإنجليزية ، مقابل عشرة آلاف دولار؛ ولكنه رفض هذا العرض وقدَّم الكتاب إلى “المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية”، حيث ترجمه المستشرق “يوحنّا: جون. ب هاردي” الأستاذ بجامعة هاليفاكس بكندا مجَّانًا[12].

3- حدَّث “دن” سيدًا أكثر من مرة عن أحداث مصر السياسية والاجتماعية، وعن المخاطر التي تنتظرها في المستقبل، وأخذت جماعة الإخوان المسلمين حيِّزًا كبيرًا من حديثه، حيث قدَّم لسيد – كما أورد في كتابه “التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة” – معلوماتٍ مفصَّلةً ودقيقة عن الجماعة وأهدافها ونشاطها وبرامجها، ثم حذَّر سيدًا من الخطر الماحق الذي يهدِّد مصر إذا نجحت الجماعة في قيادتها وحكمها وتوجيهها، وأظهر لسيد أن الأمل معقود على المثقَّفين والمفكِّرين؛ ليَحُولوا بين هذه الجماعة والوصول إلى الحكم؛ ليحكموا هم ويلحقوا البلد بالحضارة الغربية، وقد نصح “دن” سيدًا بالكف عن معاداة بريطانيا ومهاجمتها؛ لأنها إن خرجت من مصر، فستحلُّ محلَّها أمريكا، وهي أشد عداء منها[13].

ماذا فعل سيد قطب في أمريكا؟

زار عدَّةَ جامعات ومعاهدَ في ولايات مختلفة، واطَّلع على مناهج وطرق التدريس فيها، وقام بجولات في العديد من المدن يطَّلع على معالمها، ويَدرُس عيِّنات ونماذج للمجتمع الأمريكي والحياة الاجتماعية هناك، وكان يختلط بأفراد المجتمع يَدرُس حياتهم، ويناقشهم ويسجِّل ملاحظاتِه عنهم، وعرفنا بعض المدن التي أقام بها من تذييله بتسجيل بعض المدن في بعض مقالاته التي كان يُرسلها للنشر من أمريكا في الصحف والمجلات؛ مثل المقال الذي تحدَّثنا عنه عن الملك أوديب لتوفيق الحكيم، ونشرته مجلة الرسالة على حلقتين، أرسله من واشنطن، التي مرض فيها فترة وأُدخل مستشفى “جورج واشنطن” بها.

وطالت إقامته بمدينة جريلي بولاية كولورادو، فأنهى دراسته للإنجليزية فيها، وتردَّد كثيرًا على معهد المعلِّمين بها ليطَّلع على مناهج وأساليب التدريس، واختلط ببعض الأفراد فيها يناقشهم، ولاحظ مظاهر الفساد والانحراف، حتى إنه اشترك في نادي الكنيسة بها ولاحظ الانحراف الأخلاقيَّ الذي نخر كلَّ شيء حتى وصل إلى الكنيسة، وبعث من هذه المدينة مقالة إيمانية رفيعة سمَّاها “أضواء من بعيد”، نشرتها له مجلة “الكتاب” بمصر.

وكتب مقالاً في مجلة “Fulcrun” التي تصدر بهذه المدينة بعنوان “العالم ولد عاقٌّ” بنى فكرته على أسطورة مصرية قديمة خلاصتها: أن التاريخ كان يقوم بجولة لتتبُّع الأحداث وتسجيلها، وكان يسأل الآلهة عما يغمض عليه، فشاهد امرأة تعلِّم طفلاً، فسأل الآلهة عن ذلك، فأجابوه بأن المرأة هي مصر، وأن الطفل هو العالم، فمصر هي أم الحضارات، وعلَّق سيد بأن الطفل لما كبر، عَقَّ أمَّه ومعلِّمته مصر؛ فأمريكا العاقَّة لمصر، خذلتها في قضاياها السياسية[14].

وأقام في ولاية كاليفورنيا مدة طويلة، أول ما أقام في عاصمتها “سان فرانسيسكو”، ومرض فيها ودخل مستشفاها، وهناك شاهد مظاهر الفرح والابتهاج لدى موظَّفي المستشفى لاستشهاد “حسن البنا” المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بمصر[15].

وقد أَقَلَّ من المقالات أثناء بعثته بأمريكا، وأَكثَر من المراسلات الشخصية إلى إخوته وأقاربه وأصدقائه، وقد نشرت الصحف والمجلات في هذه الفترة بعض رسائله تلك؛ مثلما نشرت مجلة الرسالة رسالته لتوافيق الحكيم عن “الملك أوديب”، ونشرت أيضًا بعض رسائله القصيرة إلى عباس خضر، ونشر الأستاذ علي شلش في مجلة الكاتب رسالتين من سيد لزميله الناقد أنور المعداوي، ونشر السيد الطاهر أحمد مكي في مجلة الهلال ثلاث رسائل من سيد لزميله محمد جبر، وقد تعرَّضنا لأجزاء من معظم هذه الرسائل في دراستنا هذه.

لقد عاد سيد قطب ناقمًا على الحضارة الغربية، على عكس السائد منذ بداية الابتعاث أيام محمد علي، أن يعود المبتَعث منبهرًا بالغرب ناقمًا على الشرق، ويدعو للالتحاق به، أما سيد قطب فعاد ناقمًا أشدَّ النقمة على أمريكا التي أطلق عليها “الورشة الضخمة” في رسالته لتوفيق الحكيم وغيرها، وقال لعباس خضر في رسالة: “تصلح أمريكا أن تكون ورشة العالم فتؤدِّي وظيفتها على خير ما يكون، أما أن يكون العالم كله أمريكا، فتلك هي كارثة الإنسانية بكل تأكيد”[16]، وتحدَّث في رسالة لأنور المعداوي قائلا: “هنا الغربة، الغربة الحقيقية، غربة النفس والفكر، غربة الروح والجسد، هنا في تلك الورشة الضخمة، التي يدعونها العالم الجديد. عرفت الآن مدى الدعاية التي تغمر بها أمريكا العالم، والتي يسهم فيها المصريون الذين جاؤوا إلى أمريكا ثم عادوا، وأستطيع أن أقيس على ضوئها مدى الدعاية التي تغمرنا بها أوربا، والتي يسهم فيها المصريون العائدون من هناك، وأشخاصهم الضئيلة.. إنهم لا يجدون لأنفسهم قيمة ذاتية، فيبالغون في تضخيم أوربا وتضخيم أمريكا؛ علَّهم يستمدُّون منها قيمة ذاتية”[17].

كانت رسائله يبثُّ فيها أشواقه لمصر وأهلها وأصدقائه، ويُبدي لهم أنه متلهِّف على أخبارهم، وأنه معهم بقلبه وروحه، ويغمره الحنين للعودة إليهم، وقد نظم قصيدتين رائعتين، وهو في أمريكا، بثَّ فيهما شعوره بالغُربة، وأشواقه وحنينه لمصر؛ الأولى “هتاف روح” والثانية “دعاء الغريب”، والاثنتان من بحر المجتثِّ.

يقول في رائعته “دعاء الغريب”:

يَا نَائِيَاتِ الضِّفَافْ = هُنَا فَتَاكِ الْحَبِيبْ
عَلَيْهِ طَالَ الْمَطَافْ = مَتَى يَعُودْ الْغَرِيبْ
مَتَى تَمَسُّ خُطَاهُ = ذَاكَ الْأَدِيمَ الْمُغَبَّرْ
مَتَى يَشُمُّ شَذَاهُ = كَالْأُقْحُوَانِ الْمُعَطَّرْ

عودة سيد قطب من أمريكا:

لقد قرَّر سيد قطب العودة إلى مصر، ووصل إلى القاهرة يوم 20/8/1950م[18].

عاد سيد قطب من أمريكا ناقمًا عليها وعلى الحضارة الغربية عامة، وازداد قربًا من الفكرة الإسلامية، عاد ثائرًا على الأوضاع في مصر، فبلغت مقالاته درجة كبيرة من الجرأة في نقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وسيطرت عليه فكرة الثورة على الفساد والإفساد.

لقد عاد بكل ما يضادُّ الهدف من ابتعاثه، عاد يواجه القصر والنظام وفساد المجتمع من منظور إسلاميٍّ وقيميٍّ.. عاد يهاجم أمريكا والغرب ويكشف مخازيَهم، ويحارب أعوانهم وعملاءهم ومخططاتهم؛ كتب يَفضَح فيه دور الصحف والإعلام في خدمة الأجندات الخارجية في مقاله “الدولة تخنق الأدب”: “إن الصحف المصرية –إلا النادرَ القليل– مؤسَّسات دولية، لا مصرية ولا عربية، مؤسَّسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والفَرنسية، والمصرية والعربية أخيرًا! مؤسَّسات تُحرَّر صفحات كاملة منها بمعرفة أقلام المخابرات هذه؛ لتروِّج دعايتها في أوساط الجماهير، مؤسَّسات تَخدُم الرأسمالية العالمية أكثرَ مما تَخدُم قضايا الشعوب العربية، وتخدم الاستعمار الخارجيَّ والجهاتِ الحاكمةَ قبل أن تَخدُم أوطانها وشعوبها الفقيرة”[19].

الثابت والمتغيِّر في شخصية سيد قطب:

إن المتأمِّل في شخصية سيد قطب يرى ما حدث له من تحولات فكرية وسياسية، هذا في الظاهر، أما في الحقيقة، فإنه كان دائب البحث عن ذاته، وبلوغ درجة سامقة من الكمال وعلوِّ الذات، ساعده في ذلك ما وهبه الله من إمكانيات ومواهبَ، وثقةٍ بالنفس، واعتداد بها، فتحوُّلاتُه السياسية منذ دخوله حزب الوفد واستقالته منه بعد سنوات طويلة حتى دخوله الإخوان، كان في كلِّ ذلك على خطٍّ واحد، وهو الوقوف في وجه الاحتلال والفساد والإفساد، ومحاولة الإصلاح بقوة وجسارة.

وتحوُّلاته الفكرية كانت في فترة كان فيها بعيدًا عن الفكر الإسلاميِّ الذي انتمى إليه أخيرًا، وهي فترة ضياع أو بحث عن الذات، أو بحث عن الحقِّ، حتى وصفه بعضهم في هذه الفترة بالإلحاد، ولم نجد في كتاباته ما يدلُّ على هذا الزعم، وأقرب وصف نراه له في هذه الفترة من حيث النظرةُ الإسلامية هو الضياع والقلق، وهاك قولَه يصف حالته في هذه الفترة بقوله في “الظلال”: “ويختفي شعور كالشعور الذي عشتُه في فترة من فترات الضياع والقلق، قبل أن أحيا في ظلال القرآن، وقبل أن يأخذ الله بيدي إلى ظلِّه الكريم. ذلك الشعور الذي خلعته روحي المتعَبة على الكون كلِّه، فعبَّرت عنه أقول:

وَقَفَ الْكَوْنُ حَائِرًا أَيْنَ يَمْضِي؟ = وَلِمَاذَا وَكَيْفَ- لَوْ شَاَءَ – يَمْضِي؟[20]
عَبَثٌ ضَائِعٌ وَجُهْدٌ غَبِينٌ = وَمَصِيرٌ مُقَنَّعٌ لَيْسَ يُرْضِي

فأنا أعرف اليوم – ولله الحمد والمنَّة – أنه ليس هناك جهدٌ غَبِين؛ فكلُّ جهد مجزيٌّ، وليس هناك تعب ضائع؛ فكلُّ تعب مثمِر، وأن المصير مُرْضٍ، وأنه بين يدَيْ عادل رحيم، وأنا أشعر اليوم -ولله الحمد والمنَّة- أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدًا؛ فروح الكون تؤمن بربِّها، وتتَّجِه إليه، وتسبِّح بحمده، والكونُ يمضي وَفْقَ ناموسه الذي اختاره الله له، في طاعة وفي رضى وفي تسليم، وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير، كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب، فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير…”[21].

وله قصائد في هذه الفترة تدلُّ على حيرته هذه وبحثه عن الحق؛ نضرب مثلاً بجزء من قصيدته “الشاعر في وادي الموتى” (من بحر الطويل) حين كان يذهب للمقابر متأمِّلاً متفكِّرًا مخاطبًا الموتى، يقول:

هُوَ الشَّاعِرُ الْمَلْهُوفُ لِلْحَقِّ وَالْهُدَى = وَلِلسِّرِّ لَمْ يَكْشِفْهُ ضَوْءٌ لِنَاظِرِ
تَحَيَّرَ فِي سِرِّ الْحَيَاةِ وَمَا اهْتَدَى = إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِتِلْكَ الظَّوَاهِرِ
وَسَاءَلَ عَنْهُ الْكَوْنَ وَالْكَوْنُ حَائِرٌ = يَسِيرُ كَمَعْصُوبٍ بِأَيْدِي الْمَقَادِرِ
وَسَاءَلَ عَنْهُ الْمَوْتَ وَالْمَوْتُ سَادِرٌ = وَسَاءَلَ عَنْهُ الشِّعْرَ فِي حَنْقِ ثَائِرِ

ومن يقرأ كتاباته من شعر ونثر رغم تغيُّراته الفكرية يجد أنه دائمُ الحديث عن الروح والاهتمام بها، ومن ثم الضمير، حتى إن أكثر ما نقم على أمريكا ضياع الروح، وأكثر اختلافه مع العقاد بسبب أنه رجل فكريٌّ محض لا يهتمُّ بالروح كما ذكرنا قبلُ حديثه لأبي الحسن الندوي، وكأنه يريد أن يرى كلَّ شيء حيًّا يتحرَّك، روحٌ وجسد، لا جسد دون روح.

وفي قصيدته “اضطراب حانق” (من بحر الرَّمَل) المنشورة في أبريل 1929م في ديوان الشاطئ المجهول ص42؛ أي: في فترة حيرته، قبل فترة ظهور توجُّهه الإسلامي بزمن بعيد، ترى حضور نفسه وضميره ثابتينِ في شعوره رَغْمَ واقعه المضطرب، واعتدادَه بقوَّة نفسه وأنه لا يجبن ولا يَحذَر، يقول:

وَلِمَنْ أَشْكُو إِذَا شِئْتُ الشَّكَاةْ = وَلِمَنْ أَسْطِيعُ إِيضَاحَ شُعُورِي
أَيْنَ مَنْ يَنْظُرُ مِنِّي مَا أَرَاهْ = فِي شُعُورِي غَيْرَ نَفْسِي وَضَمِيرِي
اغْرُبِي عَنِّي بَعِيدًا يَا حَيَاتِي = قَدْ كَرِهْتُ الْعَيْشَ فِي جَوٍّ قَذِرْ
اغْرُبِي مَحْفُوفَةً بِاللَّعَنَاتِ = ابْعُدِي عَنْ سَاخِطٍ جَهْمٍ ضَجِرْ
لا فِرَارًا مِنْ جِهَادٍ كَالْجَبَانِ = لا، فَمَا كُنْتُ جَبَانًا أَحْذَرُ
إِنَّمَا أَنْتِ سَبِيلٌ لِلْهَوانِ = لَسْتُ أَرْضَاهُ وَنَفْسِي تَشْعُرُ

فالثابت الأصيل في حياة سيد قطب هو دعوته للفضيلة ومحاربته للرذيلة والفساد والإفساد، ومهاجمة الفاسدين والمنحرفين أخلاقيًّا، ومحادته للنظرة الغربية للحياة بما فيها من جنس وغرائز، ويصفها بضياع الروح، وقد زعموا أنه كتب مقالاً في جريدة الأهرام يدعو فيه إلى العري والإباحية، وهذا كذب عليه؛ فكل كتاباته في الجانب الأخلاقيِّ تدعو للفضيلة، والمقال المدَّعى أنه كتبه يدعو فيه للإباحية كذب صراح؛ فلو كان كاتب سيدعو للإباحية؛ فهل كانت جريدة الأهرام بثقلها وخطها الصحفيِّ المحافظ ستنشر هذا الهراء؟!

وتفصيل هذا الزعم كالتالي:

من العجب أن هذا الزعم يسهل التحقُّق منه، ويلوكه بعض مخالفي سيد قطب؛ فمثلاً تحدَّث علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق عن مقال بعنوان “الشواطئ الميتة” لسيد قطب في الأهرام عام 1942م يدعو فيه إلى العري[22]، وتناقلت الصحف حديثه هذا، وقد تتبَّعتُ هذا الأمر، ومَن أوَّل من تحدَّث به، فكانت المفاجأة أنه الأستاذ محمود عبدالحليم، أحد قيادات الإخوان المسلمين؛ فتحت عنوان “بصيرة نافذة ورأي ملهم حول سيد قطب” ذكر محمود عبدالحليم أن سيد قطب كتب مقالاً في الأهرام يدعو فيه دعوةً صريحةً إلى العُري التام، وأن يعيش الناس عَرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ويقول: “وقد أثارني هذا المقال إثارةً لم أستطع أن أقاوم القلم الذي وَجدَ في العقل والمنطق والخلُق والحياء ألف دليل ودليل يدحض هذه الدعوة، ويثبت أنها دعوةٌ تخريبيةٌ بهيميةٌ دخيلةٌ”، وذكر أن الأستاذ البنا أقنَعَه بعدم نشر هذا الردِّ؛ حتى لا تنتشر هذه المقولة، وأملاً في هداية هذا الشاب، وقال له: وهذا الكاتب شاب، وتركُ الفرصة أمامه للرجوع إلى الحق خير من إحراجه، وما يدريك لعل هذا الشاب يفيق من غفلته، ويفيء إلى الصواب، ويكون ممن تنتفع الدعوة بجهوده في يوم من الأيام”[23].

وأكد محمد حافظ دياب في كتابه: “سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا” وجود هذا المقال، وحدَّد تاريخ نشره بعدد 17 مايو 1934م. والعجيب أن أرشيف الأهرام موجود، ولا وجود لهذا المقال المدَّعى! ولأن هذه الدعوى للعري فيها شَيْنٌ وعدم مروءة لأي إنسان – حتى ولو تاب – يذكرها دون تحقُّق كلُّ من ينقم على الأستاذ سيد قطب.

يقول حلمي النمنم: “لقد بالغ عدد من الكتاب في تصوير مدى التحوُّل الذي طرأ على فكر وحياة قطب، حين اتَّجه إلى البعد الإسلامي في الكتابة، وأعلن بعضهم أنه كان ملحدًا، وذهب سليمان فياض إلى أن قطب ظل (11) سنة ملحدًا، وقدَّرها غيره بثلاث عشرة سنة، ونشط أحد كتاب الإخوان في هذا الجانب، وقدم سيناريو كاملاً يؤيِّد ذلك، فقد ادَّعى أن سيد قطب نشر مقالاً في الأهرام، حدد تاريخه – 17 مايو 1934 – دعا فيه إلى العري التام، وإلى أن يسير الناس في الشوارع عراة تمامًا كما ولدتهم أمهاتهم… وشاعت تلك الرواية، وتناقلها عدد من الكتاب، وأخذت شكل الحقيقة النهائية والمكتملة؛ لأن مصدر الرواية أحد رجال الإخوان، فقد وجدها البعض نوعًا من الاعتراف يكشف عن مدى تحول، وإن شئنا الدقة: تقلب سيد قطب. وقد قام أحد الباحثين[24] بالتحرِّي والبحث داخل أعداد الأهرام عن هذا المقال المزعوم في عدد 17 مايو 1934، فلم يجده، ولم ينشره الأهرام قبل ذلك التاريخ ولا بعده لسيد قطب بهذا المعنى، أو يحمل تلك الدعوة، والحقيقة أن الذي يعرف جريدة الأهرام ويعرف سيد قطب لا يمكن أن يتصور بأي حال من الأحوال هذا الادعاء”[25].

والغريب أن بعض من يختلفون مع سيد قطب من قيادات الإخوان يذكرون هذا المقال وإن كانوا يشككون فيه، مع أنه لا أثر لهذا المقال، ولو أنصفوا فليذهبوا لأرشيف الأهرام ويأتوا بهذا المقال!

أما الثابت من مقالات سيد قطب فيدل أنه ذو مروءة ونخوة،؛ فهاك مقالاً له في مجلة الرسالة يهاجم تقليد الغرب: “ففي مصرَ اليومَ دعوة حارة ومخطرة معًا، إلى تقليد الغرب، والجري وراء الغرب، وإن كان الغرب نفسه لا يعرف اليومَ وِجهتَه، وهو شارد كالضالِّ في متاهات الحياة، فكأننا سنجري وراء من يجري وهو لا يعرف مبتغاه!”[26].

وها هو ذا يهاجم ملابس النساء على الشاطئ في الإسكندرية في مقال بعنوان “صراصير” بمجلة الرسالة: “إنني لا أرى هنا عرائس ولا حتى شياطين.. إن العرائس والجنِّيَّات لأطيافٌ هائمة طليقة، خالصة من الضرورات والقيود؛ ولكني أُحِسُّ هنا ثقل الضرورات وصلصلة القيود. هنا أجساد تشدُّها الغريزة، هنا لحم، لحم فقط يكاد يتجرَّد من الروح، لحم قذر رخيص، هنا صراصير!

محالٌ أن تقنعني أن هذه التي تتخلع مع زميلاتها، وهي تقطع (البلاج) ذهابًا وإيابًا بلباس البحر (المايوه)، وكل ما فيها جسد يتخلج بالغريزة الهابطة، وأن هذا الفتى الذي يتدسس بالنظرة الخائنة إلى مواضع الضرورة في هذه الأجساد المتخلِّجة، بينما يلقي بنظره متباهيًا على مواضع الحيوانية في جسده (بالمايوه)، محال أن تقنعني أن هؤلاء أو هؤلاء، عرائس البحر، أو حتى شياطين!

إن الشيطان أنظف وأرشق وأخفُّ، وأكثر انطلاقًا من القيود.. هنا لحم، لحم فقط، لحم رخيص!

رخيص.. فكثير من هذه الأجساد العارية يفقد حتى قيمة اللحم العزيز، لست أشك الآن في أن الملابس من صُنع حوَّاء؛ فهذا التستُّر وهذا الخفاء هما مبعث الفتنة والأشواق -حتى الجسدية- وحين يتجرَّد الجسد نفسُه يموت!

ولكن المرأة في هذا الجيل تفتقد حتى فِطنة الغريزة وسلامتها، إنها الشهوة المريضة، شهوة الحيوان الضالِّ الهزيل، لا الحيوان الفارِهِ الأصيل!…

ربَّاه! أتكون هذه هي مصر وأنا لا أدري؟! إنني رجل متخلِّف، لستُ -مع الأسف- من “التقدُّميين” في هذا الجيل!

ولكن لا؛ إن مصر لشيءٌ آخَرُ، وإلَّا لانهارت إلى الحضيض، مصر لا تزال أمَّة، ولن تقوم أمَّة على هذا الأساس المنهار!

إنما هي حفنة من الرقعاء الذين لا أعراض لهم، ظلُّوا يهتفون للمرأة بهذا النشيد، وأوتي بعضُهم أقلامًا وصُحفًا، فلكي يرتعوا في كلأٍ مباح، ومن أجل هذا الغَرَض الصغير؛ حاولوا إتلاف أمة، وإضاعة شعب؛ ولكن لم يستسلم لهم إلا عدد محدود، عدد يطفو على سطح المجتمع كما تطفو الجيف فيتمتَّعن بنشر أسمائهن ونشر صورهن، أما الحرائر فهن هناك في البيوت، لا تقع عليهن أنظار هؤلاء الرقعاء، ولا عدساتهم المصوِّرة، ولا تلوك الألسنة أسماءهن في هذا الجيل!

وأحسستُ أني أختنق داخل الجدران، فخرجتُ، خرجت إلى البحر والليل، لا أحد هنا على (البلاج).

أيها البحر، إنك هنا الشيء الوحيد النظيف!”[27].

وكتب في مجلة الرسالة مقالاً بعنوان “سوق الرقيق” يقول فيه: “ولكن أهذه محنة روَّاد البلاج وحدهم في هذه الأيام؟

كلا! إنما هي محنة هذه الإنسانية التي غفلت عن نفسها لتسمع صوت الآلات، محنة هذه الحضارة المادية الواردة من أوربا، التي فتنت الناس عن أنفسهم بما أبدعته من وهج وبريق وضجيج!

كم أمقت هذه الحضارة الأوربية وأحتقرها، وأرثي للإنسانية التي خُدعت بها، فأوردتها التهلكة.. بريق وضجيج، ومتاع حسيٌّ غليظ، وفي هذه الضجة تختنق الروح، ويخفت الضمير، وتنطلق الغرائز والحواسُّ، سكرانة معربَدة تهيِّجها الأنوار الحمراء، كالديكة”[28].

وهاك مقالاً بعنوان “مدارس للسخط” يشير إلى الحالة الثورية الفكرية التي وصل إليها سيد قطب، فيفكِّر فيه بصوت عالٍ أنه لا بدَّ من تغيير كل شيء وإصلاحه حكَّامًا ومحكومين ونُخبة وهلمَّ جرًّا، يقول: “قال لي صاحبي: أما تفتأ هكذا ساخطًا على جميع المظاهر والأوضاع؟ أَرِحْ أعصابك يا أخي، ودع الخلق للخالق، إنه لا فائدة، لا فائدة من كل هذه الصرخات!

قلت لصاحبي: أمَّا أنا فسأظلُّ ساخطًا، أعلن سخطي على كل شائهٍ من المظاهر والأوضاع، ولن أدع الخلق للخالق؛ لأن الخالق هو الذي يقول: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ويصف قومًا ضعفوا واضمحلُّوا، فيقول عن سبب الاضمحلال: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

وأما إنه لا فائدة هناك، فأنا لست يائسًا ولا متشائمًا، واعتقادي الكامل أن هذا الكون الوسيع لا يُضيع صوتًا واحدًا ينطلق فيه بدعوة الحقِّ، ولا بد أن يردِّد صدى هذا الصوت في يوم من الأيام، طالت أو قصرت به الأعوام.

وقلت لصاحبي: إنه لو وُكل إليَّ الأمر لأنشأت ضعف هذه المدارس التي تُنشئها الدولة لأعلِّم فيها هذا الشعب شيئًا واحدًا، هو السخط! السخط على الأوضاع والمظاهر الشائهة التي تسيطر على حياة هذا الجيل في كل اتجاه؛ فالسخط هو دليل الحيوية الكامنة، والرضى بهذه الحال المائلة هو نوع من اليأس والتشاؤم يقتل الأمم أو يؤدِّي بها إلى الاضمحلال.

أجل، لو وكل إليَّ الأمر لأنشأت مدرسة للسخط على هذا الجيل من رجال السياسة في هذا البلد، أولئك الذين يتخاصمون فيتشاتمون، ويتَّهِم بعضهم بعضًا بكل كبيرة: بالخيانة، بالرِّشوة، بفساد الذمَّة… إلى آخر هذه الجعبة من الشتائم والتُّهم النكراء، حتى إذا ارتفعت لهم تلك العصا السحرية، عصا دار الحماية التي هي دار السفارة، أو دار السفارة التي هي دار الحماية، نَسُوا كل ما قيل، واتَّحدوا وائتلفوا، وصافح بعضهم البعض، وابتسم بعضهم لبعض، وأثنى بعضهم على بعض، والشعب ينظر ويَعجَب: أما أن يكون الجميع كاذبين في الماضي، أما أن يكون الجميع كاذبين في الحاضر، وهم في كل الأحوال لا يؤمَنون على مصير هذا الوطن، وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم، كلهم جميعًا بدون استثناء!

ومدرسة للسخط على أولئك الكتاب والصحفيين…

ومدرسة للسخط على أولئك الوزراء…

ومدرسة للسخط على أولئك الباشوات وغير الباشوات…

ومدرسة للسخط على أولئك الأرستقراط الذين يَعلَمون من هم…

وأخيرًا مدرسة للسخط على هذا الشعب الذي يسمح بكل هذه المساخر، ويتقبَّل كل تلك الأوضاع، دون أن ينتفض فينبذ هؤلاء وأولئك جميعًا!

مدارس للسخط! ما أحوجَ الشعبَ منها إلى الكثير، إنه لأحوجُ إليها من الطعام والشراب؛ فمن ينشئها؟!

أينشئها هذا الجيل من الشباب المائع المسترخي إلا النادرَ القليل؟ كلا! إنما تنشئها الأقلام المخلصة، الأقلام التي تواجه الحقائق، ولا تنفر منها، ولا تخشى عاقبة الجهر بها، الأقلام التي لا تيأس ولا تملُّ، ولا تؤمن بأنه لا فائدة.

وإنها لفريضة على كل صاحب قلم، ولن تضيع صرخة واحدة في الهواء، فالهواء أحفظ للأصداء، والأجواء حفية بالدعاء، ومن لم توقظه الدعوة، فلتوقظه الصيحة، ولا يأس مع الحياة!”[29].

سيد قطب وثورة يوليو:

كما ذكرنا بعد عودة سيد قطب من أمريكا، صارت أكثر مقالاته ثوريةً ساخطة على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، وأخذ يكثر من مهاجمة الاستعمار وأذنابه وعملائه والإقطاعيين، وكأنه عاد ليخوض معاركَ سياسة بدلاً من معاركه الأدبية الكثيرة، فخاض معاركَ ضدَّ طغيان الملك والقصر والحكومة، وفساد الأحزاب، وطغيان وهيمنة المستعمر الإنجليزي، واستقطبت هذه الكتابات كثيرًا من القراء الناقمين على الأوضاع والحركات الثورية بكافة اتجاهاتها، مُعجَبين بجرأته وكشفه للفساد، وممن استقطبت ضباطٌ في الجيش، ومنهم تنظيم الضباط الأحرار الذين تواصلوا معه وأبدَوا له إعجابهم وتأثُّرهم بكتاباته، وصاروا يجتمعون معه في منزله بحلوان، ولم يحتفوا بكاتب أو مدنيٍّ مثلما احتَفَوْا بسيد قطب بعد نجاح ثورة يوليو، وتعاملوا معه على أنه الملهم لهم بمقالاته الثورية، لدرجة أن كان المدنيَّ الوحيد في مجلس قيادة الثورة، وكان له مكتب في مبنى مجلس قيادة الثورة، وكان يقيم هناك إقامة شبه دائمة، وهذه الفترة حاول نظام يوليو ومثقفوه وسياسيوه وكثير من مبغضي سيد قطب محوَ هذه الفترة والتشويش عليها، وعدم ذكر ما وصل إليه سيد قطب من دور وقيمة في ثورة يوليو، وهذا ما سنفصِّله الآن.

يقول د. حسن حنفي عن شعر سيد قطب وتأثُّر جمال عبد الناصر بشخصيته: “وهو شعر وطنيٌّ يعبِّر عن الأماني الوطنية للشعوب العربية؛ استقلال مصر، ثورة 1919، سعد العظيم، وحدة مصر والسودان، الجهاد في فلسطين، انتماء مصر العربي؛ لذلك أُعجب به عبد الناصر في أوائل الثورة، وأراده رئيسًا لهيئة التحرير، أوَّل تنظيم سياسي للثورة، وطلب منه إعطاء أحاديثَ وطنيةٍ في الإذاعة المصرية، وهو الذي كتب برنامجه الدعوي “دعوتنا” عندما طلب عبد الناصر كتابة الأحزاب لبرامجها السياسية”[30].

ويستنكر حلمي النمنم في كتابه “سيد قطب وثورة يوليو” -الذي كال فيه النقد وكانت تحليلاته وكلماته سلبية وقدحًا في حق سيد قطب على طول الخط- الأوصافَ التي تكال للأستاذ سيد قطب، يقول: “لكن في حالة سيد قطب كان غيرُ المريدين يفعلون الشيء نفسه، ولنتابع مثلاً أحكام وأوصاف د. حسن حنفي في إحدى دراساته عن سيد قطب: في أتون الحركة الوطنية وفي معترك النضال السياسي، وهي البيئة التي خرج منها أيضًا تنظيم الضباط الأحرار، كان الإمام الشهيد محور الحياة الوطنية ونقطة التقاء بين التيارات السياسية، وحلقة وصل بين القوى الاجتماعية، فكان على صلة وطيدة بالتنظيمات الماركسية “حدتو”، والوطنية “مصر الفتاة”، والوفد “الطليعة الوفدية”… ظهر سيد قطب معبِّرًا عن آمال الحركة الوطنية التي عبَّرت عنها ثورة يوليو 1952، وزاد عليها انبثاقه عن الإسلام وخروجه من تراث الأمة”[31].

وقد تحدَّث الأستاذ سليمان فياض في مجلة الهلال في مقال بعنوان “سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين” عن علاقته بثورة يوليو أنه أثناء استضافته لسليمان فياض في منزله قال له: “هنا تحت هذه الشجرة، كان الضباط الأحرار يعقدون بعض اجتماعاتهم معي، في فترة التمهيد للثورة، كانت الحديقة واسعة، يحيط سورها بها”[32].

ثم ذكر في مقالته هذه أن سيد قطب في هذا اللقاء نهض ودخل غرفته، ثم عاد بمظروف داخله عدَّة صور له مع الضبَّاط الأحرار في منزله، وسأله سليمان فياض عن سر عدم وجود اللواء محمد نجيب معه في الصور واللقاءات، فردَّ عليه سيد: “نجيب مجرَّد واجهة للثورة؛ لأن الرتبة العسكرية لها حساب في الجيش”، ثم أشار سيد قطب إلى صورة جمال عبد الناصر، وقال: “هذا هو قائد الثورة الحقيقي، يتوارى الآن وراء نجيب، وغدًا سيكون له شأن آخر”.

ويروي الضابط محمود العزب من بورسعيد -وهو من الإخوان المسلمين- عن حضور زعماء الضباط الأحرار إلى بيت سيد قطب، فيقول: “إن رائدنا سيد قطب هو الذي رعى الثورة جنينًا فوليدًا، وأمرَنا أن نستعدَّ لها.. إن الجيش لا يمكن أن ينسى أن سيد قطب هو أبو الثورة وأبو الثوَّار، وتواضعه يَزيدنا تعلُّقًا به وإكبارًا له… قُبيل الثورة بأيام، تلقَّينا من الأستاذ سيد قطب أمرًا بأن نكون على استعداد، وكنت على رأس تنظيم الإخوان المسلمين في بورسعيد، ولَمَّا تلقيتُ الأمر، حضرتُ إلى القاهرة، ومضيت إلى منزل الأستاذ سيد، وكان ذلك في يوم 19 يوليو 1952م، وكان لديه بعض قادة الثورة –منهم البكباشي جمال عبد الناصر- وذكر لي الأستاذ سيد أن أكون أنا ومن معي على أهبة الاستعداد، وأن يكون الإخوان المسلمون المدنيون على استعداد أيضًا، فإذا سمعنا بقيام الثورة كنا حماتَها، وحَفَظة الأمن في بورسعيد، وحذَّرَنا من سفك الدماء”[33].

وليس هذا دليلاً على انتماء سيد قطب للإخوان في هذا الوقت؛ فإنه التحق بهم عام 1953 كما سنذكر ونَنقُل كلامه بنفسه؛ إنما كان قُبيل الثورة على علاقة بكل الجماعات الوطنية بكافَّة اتجاهاتها كما ذكر الدكتور حسن حنفي.

وهذا عادل حمودة يتحدَّث عن علاقة سيد قطب بالضبَّاط الأحرار وتأثُّرهم بسيد قطب يقول: “ولابدَّ أن جمال عبد الناصر –الذي كان في مرحلة يُبَلْوِرُ فيها أفكاره وآراءه– قد شُدَّ إلى سيد قطب، إلى ذلك الرجل النحيل، خفيض الصوت، شارد العينين، الممتلئ ثقافةً ولباقة، وحماسًا لا نتصوَّر أن يفتر إلا بالموت، فكانت حوارات الحديقة في بيته في حلوان، وكانت مشاعر الودِّ، وكانت لحظات التفاؤل والمرح التي كانت تنتهي أحيانًا بضوء فلاش يلمع وسط الظلام، ثم يتلاشى بعد أن يكون قد أقنع عدسة كاميرا صغيرة بالتقاط صورة تذكارية، ثم صورة أخرى، فصورة ثالثة، تظهر فيها شخصيات قدِّر لها أن تغيِّر التاريخ فيما بعدُ، وعلى وجوه تلك الشخصيات كانت ابتسامة حلوة. في هذه الصور كان سيد قطب وبعض الضباط الأحرار، بينهم جمال عبد الناصر، وقد شاء القدر –قبل مرور أقلَّ من ثلاث سنوات على التقاطها –أن يتحوَّل أبطال الصور من رفاق إلى خصوم، شاء القدر أن ينقسموا إلى فريقين، فريق خارج القفص، وفوق مِنَصَّة القضاء، وفريق آخر داخل القفص محاصَرٌ بأخطر الاتِّهامات. كان عبد الناصر على رأس الفريق الأول، وكان سيد قطب في قلب الفريق الآخر، شاء القدر أن تُلتقَط صور تذكارية أخرى، يختفي فيها الودُّ والتفاؤل والمرح، ويسيطر عليها الغيظ والموت والاعتقال، وبين النقطتين كان على سيد قطب أن يرى ويعيش وينفعل ويتغيَّر ويضيف لخبرته الإنسانية الكثير”[34].

مؤلَّفات سيد قطب توزَّع على المدارس:

بلغ انبهار من قاموا بثورة يوليو وتأثُّرهم بمؤلَّفات وكتابات سيد قطب أن توزِّعها الحكومة على المدارس، وأناشيدُه تدرَّس للتلاميذ في دروس المطالعة، فكانت الحكومة تهتمُّ بنشر أفكاره ومؤلفاته، وتقرِّرها على المكتبات المدرسية وحصص القراءة الحرَّة، واستمر ذلك حتى عام 1965م، رغم سجنه الطويل، ونترك عادل حمودة يحكي عن ذلك يقول: “وفي ذلك الوقت – أي بعد الثورة – كانت كتاباته – أي: سيد قطب – ومؤلَّفاته توزَّع على المدارس التابعة للوزارة بأمر كمال الدين حسين، كما أن أناشيده الوطنية كانت تدرَّس للتلاميذ في دروس المطالعة؛ ويؤكِّد ذلك ما جاء في رسالة عبد الحكيم عامر إلى كمال الدين حسين بعد أحداث 1965م؛ فقد أرسل كمال الدين حسين إلى عبد الحكيم عامر رسالة يتشكَّك فيها أن يكون ما نُسب إلى سيد قطب صحيحًا، ورفض أن يكون متآمرًا متطرِّفًا، فكان أن قال لعامر -عبارته الشهيرة التي قالها للسادات بعد ذلك- عبارة: “اتق الله”، وكان أن ردَّ عليه عامر في رسالة أخرى، قال فيها: “أيريد سيد قطب الذي كنتَ توزِّع كتبه أن يصنع من نفسه نبيًّا ينزل عليه الوحي”. وهذه الفِقرة من الرسالة توضِّح إلى أيِّ مدى كانت الحكومة تهتمُّ بنشر أفكاره ومؤلَّفاته، وتقرِّرها على المكتبات المدرسية وحصص القراءة الحرة. وقد ظلَّت مؤلَّفات وأناشيد سيد قطب في المدارس الحكومية حتى بعد القبض عليه سنة 1954، ولم يبدأ التخلُّص منها إلا بعد عشر سنوات بعد أحداث 1965م، فكان أن جُمِعت مؤلَّفاته من المدارس، ونُزعت صفحات الأناشيد، وتشكَّلت لجان خاصة للتنفيذ، وقَّع أفرادها على محاضر رسمية رُفعت لجهات الاختصاص العليا، كما أن “دار المعارف” الدار التي كانت تَنشُر كتبه تولَّت من نفسها جمع ما في مخازنها ومكتباتها من نُسخ، وأحرقتها، وكان تصرُّفها شاذًّا وغريبًا بالقياس إلى تصرُّف جهاز الأمن الذي صادر الكتب التي كانت في بيوت المتَّهمين، وسلَّمها إلى دار الكتب، التي لم تُحرقها، وإن ألقتها في مخازنها الرطبة بعد أن حوَّلتها إلى “عُهدة” توارثها عدد كبير من صغار الموظَّفين!”[35]

لا شكَّ أن هذه الدرجة التي بلغها سيد قطب بعد ثورة يوليو، لو كان استثمرها، لكان ملء السمع والبصر، ولظلَّ من أشهر الكتاب في تاريخ مصر، وكان بإمكانه أن يوافق عبد الناصر على انحرافاته ويتملَّقه، وينال جزاءه بالمناصب والأموال والتصدُّر، فتخيَّل أن محمد حسنين هيكل الذي وافق عبد الناصر –وهو صحفيٌّ فقط رفعته علاقته بعبد الناصر إلى ما لم يكن يحلم به– صار ملء السمع والبصر حتى موته؛ فكيف بسيد قطب؟!

لقد كان سيد قطب جسورًا فيما يعتقد أنه الحقُّ، لا يلوي على شيء، وكان صادقًا في الالتزام والدفاع عن أفكاره وما قرَّ في ضميره، فمثلُه ما كان ليخضع لشخص مهما كان جبروته وطغيانه، حتى وإن استطاع أن يُخضع له كل أدباء ومثقَّفي مصر، كبارهم وصغارهم؛ فهذا العقاد الذي يشاركه سيد قطب في الاعتداد بالنفس والاعتزاز بها، الجسور أيام الملك وحزب الوفد، لم يعد يستطيع الحديث في السياسة أو نقد عبد الناصر بكلمة واحدة وآثَرَ السلامة، ومثله طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيى حقي، وهلمَّ على هذا الجرِّ، وكانوا يَعُدُّون البطلَ فيهم من كتب قصة ينتقد السياسة بالرمز والتلويح دون التصريح.

لذا؛ أرى أن كل هذا الجيل من الأدباء مدينٌ لسيد قطب أنه الوحيد الذي لم يخضع لعبد الناصر، فاضطرَّه إلى قتله وإعدامه بطريقة لم تَحدُث من قبلُ؛ ليواجه سخطًا كبيرًا في كثير من الدول الإسلامية شعوبًا وحكَّامًا، فمن الحكام من كان يتوسَّط للكاتب الكبير سيد قطب الذي كان صيته يهزُّ أرجاء العالم الإسلامي، حتى إن عبد الناصر أفرج عنه بعفو صحيٍّ؛ استجابةً لوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف عام 1964، وكان حينما يُسأل عبد الناصر عنه في زياراته للدول الإسلامية يدَّعي أنه ليس سجينًا، كما سنذكر في قصة كتاب “في ظلال القرآن” في آخر هذه الدراسة، فقد ادَّعى عبد الناصر للعلماء الباكستانيين أن سيدًا ليس سجينًا؛ بل هو حرٌّ طليق؛ بدليل نشر الظلال في القاهرة، وصار الموظَّفون الرسميون في الخارج يجيبون بجواب الرئيس إذا سئلوا عن سيد قطب!

لقد ارتبط سيد قطب برجال الثورة –وخاصة عبد الناصر – مؤمِّلاً منهم الصدق والوطنية والإصلاح ومحاربة الفساد ونشر العدل، وكان دؤوبًا في العمل من أجل تحقيق أهداف الثورة، وكان أكثرَهم عملاً بمكتبه الذي كان لا يغادره بمجلس قيادة الثورة؛ ولكنه حين رأى الانحرافات والظلم والبغي والطغيان، واجههم دون أن تطرف له عين!

ونَنقُل كلام سيد قطب عن هذه الفترة وتركه الثورة والانضمام للإخوان في التحقيقات، التي طُبعت كتابًا بعنوان “لماذا أعدموني؟” وسنحكي قصة هذا الكتاب في آخر هذا البحث، يقول: “استغرقت كذلك في العمل مع رجال ثورة 23 يوليو حتى فبراير سنة 1953 عندما بدأ تفكيري وتفكيرهم يفترق حول هيئة التحرير ومنهج تكوينها، وحول مسائل أخرى جارية في ذلك الحين لا داعيَ لتفصيلها، وفي الوقت نفسه كانت علاقاتي بجماعة الإخوان تتوثَّق باعتبارها في نظري حقلاً صالحًا للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلِّها بحركة إحياء وبعث شاملة، وهي الحركة التي ليس لها في نظري بديل يكافئها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية التي كنتُ قد عرفت عنها الكثير، وبخاصة في فترة وجودي في أمريكا، وكانت نتيجة هذه الظروف مجتمعة انضمامي بالفعل سنة 1953 إلى جماعة الإخوان المسلمين”[36].

ولا شكَّ أنه لم يلتحق بالإخوان مرة واحدة؛ بل بتدرُّج، وأوَّل خطوات ذلك اتِّجاهه للكتابة في الإسلاميات، ثم ما حدث له بأمريكا مما ذكرناه قبلُ، حين رأى فرحتهم باستشهاد الأستاذ حسن البنا، ومناقشات رجل المخابرات البريطاني “جيمس هيوارث دن” وتحذيره من جماعة الإخوان المسلمين، ولا بدَّ أن مفكِّرًا مثله يتلقَّى هذا التحذير من رجل المخابرات البريطانيَّة يأتي معه بأثر عكسيٍّ يجعله يفكِّر كثيرًا ويهتمُّ ويبحث.

يقول سيد: “ولقد لفت نظري بشدَّة ما أبدته الصحف الأمريكية، وكذلك الإنجليزية التي كانت تصل إلى أمريكا، من اهتمام بالغ بالإخوان، ومن شماتة وراحة واضحة في حل جماعتهم وضربها، وفي قتل مرشدها، ومن حديث عن خطر هذه الجماعة على مصالح الغرب في المنطقة، وعلى ثقافة الغرب وحضارته فيها، وصدرت كتب بهذا المعنى سنة 1950 أذكر منها كتابًا لـ”جيمس هيوارث دن” بعنوان: “التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة”.. كل هذا لفت نظري إلى أهمية هذه الجماعة عند الصهيونية والاستعمار الغربي”[37].

وسنتوقَّف حتى هذه المرحلة من حياته في هذه الدراسة؛ فمرحلة التحاقه بالإخوان حتى إعدامه رحمه الله متداولة بكثرة، وإن كان فيها من الخلافات أيضًا بين الإخوان أنفسهم الكثير، وما يدلُّك على شخصية سيد قطب توقيت انضمامه للإخوان، وهو في أَوْجِ نجاحه الدنيوي بالسلطة والمركز والنفوذ، والإخوان مُقدِمون على محنة مهلِكة يشاهدها بعينيه ويعلم تفاصيلها، ويُدرك نهايتها ومآلها؛ فينزل من ذلك الأَوْجِ مرتاحًا بكل أرْيحيَّة، ويترك الدنيا وما فيها لتُفتح له أبواب السجون والتعذيب على مصراعيها!

لقد اعتُقل مطلع عام 1954 ثلاثة أشهر مع قيادات الإخوان، ثم اعتقل بعد حادث المنشية في 26/10/1954 مع آلاف الإخوان المسلمين، ثم حكمت المحكمة عليه بالسجن خمسةَ عَشَرَ عامًا عام 1955، ثم أُفرج عنه بعفو صحي عام 1964 بوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ثم أعيد اعتقاله في 9/8/1965، فأصدر الفريق الدجوي حكم الإعدام عليه في 21/8/1966، ونفِّذ الحكم فيه بسرعة فائقة لم تحدث من قبل، ومعه محمد يوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل، بعد أسبوع قبل فجر 29/8/1966[38]؛ ليبدأ مرحلة جديدة تبزغ فيها كلماته حيَّة كما كان يتمنى.

الهامش

  1. د. صلاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص168 وما بعدها تفصيل لهذه المعارك الأدبية.
  2. ذكر ذلك في حوار له مع مجلة “الغرباء” الصادرة من لندن، عدد سبتمبر 1975.
  3. مقاله “سيد قطب وثلاث رسائل لم تنشر”، مجلة الهلال، عدد أكتوبر 1986، ص124.
  4. المرجع السابق، ص125.
  5. مجلة الرسالة، العدد 694، بتاريخ 21/10/1946م.
  6. مجلة الفكر الجديد، العدد 7، فبراير 1948م.
  7. مجلة الفكر الجديد، العدد 10، مارس 1948م.
  8. عبدالباقي حسين، سيد قطب حياته وأدبه، ص40، نقلاً عن ملف سيد قطب في وزارة المعارف.
  9. د. صلاح الخالدي، أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب، ط1 (جدة: دار المنارة، 1985م)، ص21-22.
  10. سيد قطب، في ظلال القرآن، ط17 (القاهرة-بيروت: دار الشروق، 1992م)، 3/ 1786.
  11. د. صلاح الخالدي، أمريكا من الداخل، ص27-28.
  12. المصدر السابق، ص 28، 29.
  13. ذكر الدكتور صلاح الخالدي أن من أخبره بذلك الأستاذ محمد قطب، انظر: د. صلاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص198.
  14. د. صلاح الخالدي، أمريكا من الداخل، ص31.
  15. د. صلاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص199-200.
  16. د. صلاح الخالدي، أمريكا من الداخل، ص156.
  17. مجلة الكاتب، العدد 175، أغسطس 1975م.
  18. د. صلاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص211.
  19. مجلة الرسالة، عدد 943، بتاريخ 30/7/1951م.
  20. من بحر الخفيف.
  21. سيد قطب، في ظلال القرآن، 6/ 3352 – 3353.
  22. برنامج “والله أعلم” مع عمرو خليل على قناة “سي بي سي” يوم الأحد 8 مارس 2015م.
  23. محمود عبدالحليم، الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ، ط1 (الإسكندرية: دار الدعوة، 1979م)، 1/190-192.
  24. الباحث شريف يونس في رسالته للماجستير من قسم التاريخ، جامعة عين شمس، بعنوان “سيد قطب وأثره في الفكر السياسي في مصر”.
  25. حلمي النمنم، سيد قطب وثورة يوليو، ط1 (القاهرة: دار ميريت، 1999م)، ص 33-34.
  26. مجلة الرسالة، عدد 17، بتاريخ 15/9/1933م.
  27. مجلة الرسالة، العدد 682، بتاريخ 29/7/1946م.
  28. مجلة الرسالة، العدد 685، بتاريخ 19/8/1946م.
  29. مجلة الرسالة، العدد 691، بتاريخ 30/9/1946م.
  30. سيد قطب، الأعمال الشعرية الكاملة، ص10.
  31. حلمي النمنم، سيد قطب وثورة يوليو، ص12.
  32. مجلة الهلال عدد سبتمبر 1986م.
  33. مجلة “كلمة الحق” – التي أصدرها أحمد عطار في مكة – عدد 2، صفر 1387هـ، ص38.
  34. عادل حمودة، سيد قطب من القرية إلى المشنقة، ص112-113.
  35. عادل حمودة، سيد قطب من القرية إلى المشنقة، ص117-118.
  36. سيد قطب، لماذا أعدموني، (السعودية: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، بدون تاريخ نشر)، ص11. وهو الإقرار الذي كتبه سيد قطب بخط يده في السجن الحربي بتاريخ 22/10/1965م، ومحفوظ لدى محكمة أمن الدولة في ملف القضية رقم 12 لسنة 1965م أمن دولة عليا، والقضية رقم 484 مصر لسنة 1965م.
  37. المصدر السابق، ص10.
  38. د. صلاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص21-22.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *