By / 11 يناير، 2021

المغرب والكيان الصهيوني.. تطبيع بدأ منذ سنوات وانتهى باتفاق رسمي في 2020

على الرغم من أمريكا تمكنت من عقد اتفاق تطبيع كامل للعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية ودولة الكيان الصهيوني، في ديسمبر 2020، إلا أن التطبيع بدأ منذ سنوات عديدة، إذ سعت “إسرائيل” بشكل حثيث لتوطيد علاقاتها مع الدول الإفريقية، واختراق الصف العربي المناصر للقضية الفلسطينية، وأدركت زعزعة مقاليد الحكم في المغرب، وعملت على استغلال ذلك.

وبتوقيع عقد اتفاق التطبيع أصبحت المغرب رابع دولة عربية، تخطو خطواتها نحو الاصطفاف العربي إلى جانب “إسرائيل”، متناسية دورها في منظمة التعاون الإسلامي، وترؤسها للجنة القدس وحماية المقدسات الإسلامية.

 

بداية التطبيع والسماح بهجرة اليهود لفلسطين

سبقت المغرب الدول العربية في علاقاتها مع “إسرائيل”، حين عملت المنظمات الصهيونية على تهجير 85 ألف من يهود المغرب إلى فلسطين مع إقامة “إسرائيل” سنة 1948، حتى سنة 1956، وكانت المغرب ما تزال تحت الانتداب الفرنسي.

تحسنت أوضاع اليهود مع استقلال المغرب سنة 1956، واعتلى الوزير اليهودي لينون بن زاكي، رأس الهرم الإداري والمجلس الاستشاري للملك محمد الخامس، وبعد موجة من الانتقادات العربية والمصرية وجامعة الدول العربية للمغرب، أصدر الملك قراره بمنع هجرتهم لفلسطين وتم حظر أنشطة المنظمات الصهيونية في المغرب سنة 1959.

ومع ذلك كثفت الحركة الصهيونية من تهجير يهود المغرب عبر منظمة كاديما، وبعد اغلاقه سنة1956، اتفق مكتب الموساد في المغرب مع الوكالة اليهودية على تهجير اليهود سراً، وتم المهاجرين سراً إلى معسكرات في جبل طارق، ومرسيليا، ونابولي، حتى أصبحت الدار البيضاء نقطة عمل لمنظمة الموساد في الشمال الإفريقي، حتى هاجر ما يقارب 25-30 ألف يهودي خلال الفترة 1956-1961 إلى فلسطين.

وفي يناير 1961 غرقت سفينة أغوز أثناء الهجرة وعلى متنها 44 يهودي نصفها من الأطفال، وقيل أنه بتدبير من اسرائيل، واستغلت “اسرائيل” والمنظمات الدولية الحادثة، للضغط على المغرب والسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، مما ترتب عليه توطيد العلاقات المغربية الإسرائيلية، ورفع كافة القيود المفروضة على الهجرة اليهودية، وتبع ذلك أن تمت الموافقة على نقل جثث الغرقي ودفنهم في القدس سنة1992.

تسلم الملك الحسن الثاني السلطة سنة 1961، وانتهج سياسة مرونة مع يهود المغرب، وعيَّن خمس قضاة يهود في المحاكم، وعيَّن اليهودي أندريه أزولاي مستشاراً له، وعقد مفاوضات سرية لمساعدة المهاجرين، مقابل حصول المغرب على 250 دولاراً عن كل يهودي، كما تمّ افتتاح مكاتب لجمعية مساعدة المهاجرين العبريين، التي نظمت الهجرة بصورة قانونية، على أن تقوم “إسرائيل” بمساعدة المغرب على تطوير أجهزتها الأمنية والمخابراتية، وقد هاجر خلال الفترة 1961-1964، 90 ألف يهودي.

تعززت علاقة التطبيع والتعاون مع دعوة الملك الحسن الثاني لإسحق رابين لزيارة المغرب سنة 1976، فدعمت “إسرائيل” الملك، ورأت أن المغرب بوابتها للعالم العربي، بينما رأى الملك أن “إسرائيل” مفتاح واشنطن، وسهّل المغرب عقد اتفاقية كامب ديفيد، ومهد الطريق لزيارة السادات للقدس، ودعم قرارات القمة العربية في قمة فاس سنة 1982، واستضاف رئيس الوزراء الاسرائيلي شمعون بيرس.

توطدت العلاقات المغربية الإسرائيلية مع توقيع اتفاق أوسلو، وتم الاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية سنة 1994، وتمّ افتتاح مكتبين تمثيليين في الرباط وتل أبيب، ومع وفاة الحسن الثاني سميت ست ميادين في “إسرائيل” باسمه.

 

توتر العلاقات بعد انتفاضة الأقصى

وحينما تولى محمد السادس العرش المغربي سنة 1999، وجَّه رسالة طمأنينة للجالية اليهودية، إلا أن العلاقة بين الطرفين أخذت بالتراجع مع اندلاع انتفاضة الأقصى 2000،حيث هاجر نحو 248 ألف يهودي مغربي حتى سنة 2000، ولم يتبقَ في المغرب سوى 3 آلاف يهودي، وصل نحو 40 يهودياً منهم سنة 2012.

اتخذت “إسرائيل” من دعم الحركة الأمازيغية مدخلاً لتطبيع العلاقات مع المغرب، فيما اتخذت الحركة وسيلة للضغط على المغرب لتحقيق مطالبها، من خلال عمل عناصر من نشطاء الحركة على ربط علاقاتهم مع “إسرائيل” من أجل الدفاع عن مطالبهم، أو عبر دعوة الاتحاد الأوروبي لقطع العلاقات الاقتصادية مع المغرب نتيجة اضطهاد حقوقهم كأقلية.

بدأت أمريكا استخدام نفوذها لعقد اتفاق مع المغرب منذ سنة 2018، حيث التقى نتنياهو خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، لتعزيز التحالف السري بين البلدين، وتم دفع الولايات المتحدة لمساومة المغرب في إعادة التطبيع مقابل الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مقابل تشجيع إدارة ترامب الرباط على توثيق المسار الدبلوماسي من جديد، وإعادة تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”.

ومع تسارع التطبيع العربي حاول نتنياهو عقد اتفاق ثلاثي تعترف بموجبه الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مقابل قيام المغرب بتطبيع علاقاتها مع “إسرائيل”؛ إلا أن الإدارة الأمريكية لم توافق على هذه الخطوة، كما رفضها العاهل المغربي وذلك بالتزامن مع تكثيف الولايات المتحدة جهودها لدفع الدول العربية لإبرام اتفاقات “سلام” مع “إسرائيل” كالإمارات.

 

الإعلان عن اتفاق إعادة التطبيع:

فيما بعد رأت الإدارة الأمريكية أن إقامة حكم ذاتي في الصحراء الغربية هو الأساس الوحيد لحل القضية، وتم الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وتم عقد اتفاق للتطبيع العلاقات المغربية– الإسرائيلية، وقد شمل أمريكا والمغرب؛ والمستفيد الأول منه هي “إسرائيل”،

على الرغم من أن الاتفاق منح المغرب السيادة على كامل أراضي الصحراء الغربية، إلا أن ذلك لم يشكل اعترافاً دولياً، وإنما اعتراف من أمريكا فقط، ومما زاد من سرعة إنجاز هذا الاتفاق، موافقة أمريكا على صفقة شراء أربع طائرات مسيرة من طراز إم كيو-9 بي MQ-9B. وسبق وأن حصلت المغرب على ثلاث طائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع في فبراير 2020.

الجالية اليهودية المغربية في “إسرائيل” لعبت دوراً أساسياً في إعادة الاتصالات الرسمية بين المغرب و”إسرائيل”، فهناك علاقات متميزة بين الجالية اليهودية من أصل مغربي والملك محمد السادس، كما اتخذت “إسرائيل” دعم الحركة الأمازيغية في المغرب كمدخلاً مهماً وضرورياً للتطبيع مع “إسرائيل”.

 

أهم بنود التطبيع ومجالاته

وأهم ما جاء في الاتفاق:

  1. الاعتراف الأمريكي بالصحراء الغربية كجزء من المغرب، مقابل تطبيع علاقات الأخيرة مع “إسرائيل”.
  2. السماح لشركات الطيران الإٍسرائيلية باستخدام المجال الجوي المغربي، وتبادل الرحلات الجوية المباشرة.
  3. تعزيز العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية.
  4. فتح المكاتب الدبلوماسية بين البلدين، والتجهيز لتبادل السفارات في أقرب وقت.

وبذلك تُعد المغرب الدولة الرابعة، التي وقعت اتفاق تطبيع مع “إسرائيل” خلال سنة 2020، وقد قوبل ذلك بترحاب من قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، وقد أدى محمد بن سلمان دوراً بارزاً في التوصل لاتفاق إعادة التطبيع، إلى جانب الدور الذي قامت به الإمارات،

شمل التطبيع المغربي مع “إسرائيل” العديد من قطاعات الحياة المغربية، ومن أهم مجالات التطبيع:

  1. التطبيع الأمني:

بدأ التطبيع الأمني والعسكري منذ وقت مبكر، منذ تعيين محمد أوفقير سنة 1959 قائداً للأمن الوطني، بإيعاز من أيسير هاريل رئيس الموساد، الذي سهل الإشراف على عمليات ترحيل اليهود المغاربة، وفي سنة1963وقعت المغرب و”إسرائيل” اتفاقية أسلحة عبر إيران، لمساعدة المغرب في حربها ضدّ الجزائر.

وفي سنة 1965، سمح الملك الحسن الثاني للمخابرات الإسرائيلية بالتجسس على القمة العربية في الدار البيضاء مقابل تصفية المعارض المهدي بن بركة، بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، وفي فبراير 2020، زودت “إسرائيل” المغرب بالأسلحة والتجهيزات العسكرية، بموجب صفقة عسكرية قيمتها 48مليون دولار.

  1. التطبيع الاقتصادي:

عُقد المؤتمر الاقتصادي العالمي بالدار البيضاء سنة 1994، بعد اتفاقية اوسلو، واستمر لثلاثة أيام، بمشاركة أكثر من ستين دولة عربية، وأجنبية، ورأى الملك الحسن الثاني أن غاية المؤتمر إزالة المقاطعة العربية الإٍسرائيلية، ومن على منبر المؤتمر أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين بأن مدينة القدس تمثل العاصمة الموحدة والأبدية لـ”إسرائيل”،

وشاركت “إسرائيل” بوفد ضمّ تسعة وزراء، ونحو مئة شركة إسرائيلية، عرضت مشاريعها على المؤتمر، وأهمها تأسيس بنك التنمية الإقليمي؛ ليقوم البنك بتنسيق السياسات الاقتصادية، للسيطرة على المنطقة، وتمويل مشاريع تخدم ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي وتطوره، وكذلك إقامة قنوات بحرية من البحرين الأحمر والمتوسط إلى البحر الميت، وخطوط لنقل النفط والغاز من مصر وبلدان الخليج إلى “إسرائيل” وميناء بحري ومطار جوي في العقبة.

ومثَّل هذا المؤتمر علامة فارقة بعلاقة “إسرائيل” مع الدول العربية، واتخذت من مخرجاته مدخلاً، للتغلغل في الدول العربية والإفريقية عبر التبادل التجاري والشركات متعددة الجنسيات، كما شكل أهم النجاحات التي حققتها إسرائيل حول مخططاتها لمستقبل المنطقة العربية من خلال الشراكة الاقتصادية، واستخدام القوة والمفاوضات المنفردة والسرية والمباشرة.

بلغت قيمة صادرات إسرائيل للمغرب 18.5 مليون دولار في سبتمبر2013، مقارنة بصادرات سبتمبر 2012 التي بلغت 0.4 مليون، أي أن الزيادة وصلت لنحو 97%، وقُدِّر حجم التبادل التجاري بين الطرفين سنة 2015، بنحو 33 مليون دولار، وفي سنة 2017 قدر بما يقارب 37 مليون دولار، مما جعل المغرب في قائمة أكبر أربع شركاء اقتصاديين لـ”إسرائيل” من القارة الإفريقية.

استثمرت “إسرائيل” في الزراعة المغربية برأسمال قدره 2 مليون دولار، كما روجت شركات مغربية للمنتجات الإسرائيلية في مجال أنظمة المعلومات.

…..

  1. 3. التطبيع السياحي:

يصل للمغرب سنوياً آلاف السواح الإسرائيليين، وغالبيتهم من أصل مغربي تحت إطار السياحة غير المعلنة؛ لزيارة أضرحة أقربائهم اليهود في المغرب، وقد شكَّل يهود المغرب ثاني أكبر جالية في “إسرائيل” بعد الجالية الروسية، وقُدِّر عددهم بالمليون يهودي، وما زالوا يحتفظون بالجنسية المغربية، ويعدّون ملك المغرب ملكهم، وفي سنة 2003 بلغ عددهم 10آلاف إسرائيلي، أما في سنة 2018 فقد بلغوا نحو 80 ألف، مما يدلل على حجم التطبيع، بالرغم من عدم وجود علاقة رسمية بين الطرفين.

وقد رفض حزب العدالة والتنمية المغربي، افتتاح كازينو طنجة، الممول من شركات موفينبيك أوتيل الإسرائيلية، في حين أعلنت شركة الطيران الإسرائيلية “العال” أنها بصدد فتح خط مباشر للملاحة الجوية بين تل أبيب والدار البيضاء في ديسمبر2019، وذلك بعد زيارة مدير الشركة للمغرب، مما يعني إعادة التطبيع الرسمي بين البلدين.

  1. التطبيع الثقافي:

انتشر التطبيع الثقافي الإسرائيلي في المغرب عبر الموسيقى والفنون بكثرة للطائفة اليهودية المغربية، وعبر إقامة المنح الدراسية والدورات، لجذب الطلاب المغاربة من خلال التعليم والبحث العلمي، بغية الاستقرار في “إسرائيل”.

 

الموقف الشعبي من التطبيع:

رفض الشعب المغربي التطبيع مع “إسرائيل” منذ أن بدأت تتكشف تلك العلاقة، وتولى الائتلاف المغربي، تنظيم الاحتجاجات المغربية الرافضة للتطبيع، واتجهت الأنظار لضرورة وضع قانون لتجريم كافة أشكال التطبيع مع “إسرائيل”، وطرد الشركات الإسرائيلية من المغرب ومنع الأفراد الحاملين لجوزات السفر الاسرائيلية من دخول المغرب؛ كون التطبيع يسهم في تمويل الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، إلا أن مشروع القانون لم يسن بعد بسبب عدم موافقة كتل برلمانية عليه.

رفض النشطاء المغاربة زيارة شمعون بيرس للمغرب سنة 2015، واندلعت مظاهرات احتجاجية، وطالبوا باعتقاله على جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، كما رفضوا استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية بين المغرب و”إسرائيل”، مؤكدين أن مغربية الصحراء الغربية لا تبرر التطبيع مع “إسرائيل”، ورأوا أن ذلك يمثل اعترافاً بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بالرغم من تأكيد الملك المغربي محمد السادس على أن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ثابت لا يتغير.

كما عبرت جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، عن رفضها للموقف الأمريكي الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية.

يمكن القول أن ما تمّ هو أقرب لعملية ابتزاز سياسي أو مقايضة سياسية على ملف الصحراء بالتطبيع، الذي حاولت المملكة المغربية إخفائه طوال فترة إدارة ترامب، ليتم الإعلان عنه في الأسابيع الأخيرة وقبل مغادرته وطاقمه للبيت الأبيض.

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *