By / 21 ديسمبر، 2018

المنعطفات الكبرى في الموازين الدولية الجديدة

منذ قرن ونصف والمركز الذي يحكم مفاصل العالم يتكون من عصبة صليبية بكتلها الثلاث الكاتوليكية والارثذوكسية  والبروتستانتية ..لكن بعد الحرب العالمية الثانية وبروز قوى وثنية كالصين واليابان والهند وكوريا(قبل انقسامها)..

فاحتوت امريكا  اليابان وكوريا الجنوبية..وبريطانيا الهند ..

و أضيف للمركز صوت يمثل الكتلة الشِركية بقيادة الصين بعد فشل احتواءها

وما يحدث الآن لم يسبق له مثيل في الثلاث قرون الخالية

بعد تصدع مركز الهيمنة الدولية بين الكتل الشركية  والصليبية الممثلة في مجلس الأمن..

اليوم تحاول فواعل فوق الدول من شركات دولية واجسام أمنية عالمية ولوبيات مالية ومافيوية بل وأخرى من عالم الظلام.. الدخول إلى المركز والتحكم فيه أو تفجيره من الداخل

وسنتناول ذلك في سلسلة نحاول فيها تشخيص الوضع ثم  الوقوف على ملامح المرحلة القادمة ان شاء الله

وما يصلح التقديم له لفهم طبيعة الصراع .هو معرفة أصوله و حركته و إذا كان بالمثال يتضح المآل  فإليكم مثالين في الامة الاسلامية نوضح فيهما طريقة تكبيل الامة بسلاسل يحسنون تغطيتها لكنها أشد فتكا من الوسائل المباشرة ..وخطورتها لا تكمن فقط خفاءها ..لكن في موطن خفاءها أيضا ..ذلك الموطن الذي هو نحن والوطن واقصد جبهتنا الداخلية .

تركيا _ الجزائر و العدو الخفي :

1 – الشعوب:

واقصد الشعوب التي مزقتها الحدود كرها كالقفقازيين والأكراد أو طوعا كحالة رفض لقومنة الدولة الحديثة كالبربر  ..فأكبر خطأ فعلته تركيا ولم تنج منه الجزائر هو الاقتصار على قومنة الأعراق داخل القطر الذي رسمته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، او الاستعمارية قبلها ..

ولم ير البلدان “وجوب الضم الديموغرافي للعرق الواحد ” ليس فقط جمعا للشمل وصلة للرحم ولكن أيضا تفكيك قنبلة موقوتة بسحب  ورقة تقسيم المقسم واللعب على مفهوم الأقليات ذات الامتداد العرقي خارج حدود الدولة القطرية

و لكنهم في نفس النطاق الجغرافي..كما يحدث الان مع الاكراد في تركيا اذا أعلنت الدولة الكردية..  والعلوية اذا أُعلنت دويلة سوريا المفيدة جنوبا…و الأرمن والشيعة شمالا..

بل ويحدث مع الشعوب الآسيوية والقفقازية  ذات العرق التركي الذي يفوق عددهم 300 مليون نسمة ولم تتعامل معهم تركيا الا بصفة عاطفية تحت مشروع  “الأخ الأكبر”

وكذلك الأمر بالنسبة للجزائر فإهمال ضم البربر وتجنيس كامل الطوارق ولو خارج حدود الدولة القومية “العدو”..سبب شروخا متعددة ولا زالت تتسع ..

وجعل من الورقة البربرية المنصة المثلى لمشروع العودة الفرنسية لمنطقة الشمال الأفريقي، وما يحدث في جنوب ليبيا وإنشاء الكونغرس العالمي للأمازيغ بدعم من فرنسا ..

و تجنيد جيشا فرنسيا من خمس دول من الساحل الأفريقي (تشاد النيجر مالي موريتانيا وبوركينا فاصو)  لإخضاع شعوب الطوارق المناهضين للقومنة والحدود الوهمية ثم توظيف ورقتهم تجاه الجزائر ..

ولقد أصبحت حركة “الماك” “البربريزمية” تطالب بالانفصال عن الجزائر جهارا نهارا أمام عجز مخز للسلطات الجزائرية في اتخاذ أي خطوة تجاهها.

دون أن نغفل العنصر الإباضي ذو البعد المذهبي المتصل بمرجعية  اباضية في سلطنة عمان .

وخفاء العدو هنا ليس في شخصهم  لكنه في الإستراتيجية المعتمدة للدولتين التركية والجزائرية في التعامل مع ملف “ضم الشعوب” التي هي مكون أساسي وتاريخي وديني وثقافي للأمتين التركية والجزائرية .

2- الحدود:

إن اتخاذ الحدود المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية ، او بعيد الاستقلال “المشروط” كمسلمات وثابت في هوية الفرد والدولة هو الانتحار بعينه ..في الوقت الذي نرى فيه الدول الاوربية تلغي حدودها البينية او كما تفعل روسيا بضم الدول كسوريا والقرم.. والأراضي المتاخمة لها كـابخازيا واستونيا ..

حتى ان ألكسندر دوغين منظر الكرملين وعقل بوتين يسمي أوكرانيا بروسيا الجديدة و أعضاء من الكرملين أطلقوا على سوريا اسم روسيا الجديدة ايضا(نوفايا راسيا)

لا يعقل أن العالم متجه لموازين قوى جديدة تتشكل معه جغرافيا جديدة وتركيا والجزائر يستميتون في الحفاظ على الحدود القديمة التي ستخنق همها حتما في الصراعات القادمة

لابد التوجه الى استراتيجية “ضم الديموغرافيا وتصحيح الجغرافيا”لابد من ضم كل الشعوب ذات العرق التركي والشعوب العربية والكردية اللصيقة بتركيا ولو تجنيسا كمرحلة أولى ..كما تفعل روسيا الان في اوكرانيا وباقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي تمهيدا للتمدد وردم الفجوة الديمغرافية

وكذلك الجزائر لا بد من ضم كل الشعوب البربرية في الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي..ولو تجنيسا كمرحلة اولى ايضا ..والحدود يرسمها آخر فرد من الدولة على آخر ذرة تراب يقف عليها آخر جندي  أو يقف عليها آخر راعي بغنمه ودوابه ..

ووجه العداء الخفي هنا ان هذه الشعوب التي هي الامتداد والأصل اما ان تجعلها معك واما هي ورقة ضدك..

واما ان ترسم بها حدودك الجديدة او يرسمون بها حدودا جديدة داخل القطر الغبي (أعني الغباء الاستراتيجي في مفهوم الحدود في الدولة القطرية الوظيفية  ).

3- الإنقلاب الحرفي:

إن حجم الخسارة الكارثية التي لحقت بالأتراك يمكن الوقوف عليها حين نقارن بين عمر الدولة العثمانية وهويتها ونفوذها ..و عمر الدولة القومية التركية الحديثة و هويتها ونفوذها

ولا شك أن أكبر ناقل للتاريخ والموروث الحضاري هو الحرف الأبجدي الذي بنيت عليه أمجاد الماضي ..

من هنا يتبين أن النكسة الحضارية التي لحقت بالأتراك ليس فقط سقوط الدولة العثمانية عسكريا وسياسيا  لكن كانت هناك نكسة اعمق واخطر إنه الانقلاب الحرفي عندما حول الأتراك من الحرف العربي الى الخَرف اللاتيني ..

وأنا أراه مصدر كل الانقلابات  السياسية التي حدثت في تركيا بما في ذلك انقلاب 15 تموز 2016 خصوصا بعد قرار الرئيس أردوغان بإلزامية تعليم اللغة العثمانية للصف الشرعي وبالخيار لباقي الصفوف..

وكذلك في الجزائر  لا زالنا في حرب ضروس بين دعاة الفرانكوفولية و بقية الشعب ..لازال “الحرف المحتل” حاضرا في اللغة الرسمية والإعلام والجامعات..بل وشريحة كبيرة من عموم الناس ..

وهناك إهمال رسمي وتحطيم متعمد وممنهج  للغة العربية في المنظومة التربوية من وزير التربية بن بوزيد الذي نخر العربية 19سنة وصولا الى الوزيرة بن غبريط التي لا تحسن العربية أصلا

ووجه العداء هنا ان إحداث القطيعة الحرفية بين الشعوب وتراث حضاري يمتد 1300 سنة كما هو الحال للجزائر أو 600 سنة كما في تركيا ..سيمنع أي قفزة نحو العودة الحضارية والقيادية ..

لأنه بكل بساطة لابد لكل قفزة من مرتكز صلب وثابت ..وما يستطيع من يقفز من الهواء إلا السقوط

ففي الوقت التي تغري فرنسا البربر باسترجاع واحياء حرفهم (إذا سلمنا بصحة ذلك) نجد تحطيما ممنهجا للحرف العربي فأولئك موعودون بدولة و هؤلاء ماضون نحو تحطيم الدولة .

لذلك أرى أن أول مرتكز يتيح عودة المشروع التركي هو إنهاء الإنقلاب الحرفي كما انهى الشعب التركي الانقلاب العسكري في 15 تموز 2015.

4- الدولة العميقة :

حراس المعبد (غالبا ما يختطفون أعلى مستويات الامن في الدولة القطرية) وعملاء العدو دورهم الأساسي ليس فقط قمع الشعوب وتأمين خراج البلاد للدول المهيمنة ..لكنه  الحراسة الدقيقة والمستمرة لبقاء ثالوث العدو الخفي

  1. التشتت العرقي.
  2. الحدود القطرية العدوة
  3. اللسان الأجنبي المحتل

وعبرت عن خفاءها من وجهين :

  1. أنها أصبحت مسلمات للهوية الزائفة للفرد والدولة
  2. ولأنها أصبحت ثوابت الأمن “القومي”!

والحقيقة أنها ناقضة له من جذوره.

وإن اي عودة حضارية بالحلم التركي او مشروع استكمال التحرر للامة الجزائرية لابد ان يمر حتما بضم الديموغرافيا وتصحيح الجغرافيا.. والا سننتج ذات النموذج من الدولة التي تغتال السيادة وتجعل من العبودية غاية وراية .


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *