By / 20 ديسمبر، 2020

المهندس القسامي السادس وقائد القسام في شمال الضفة

الشهيد القسامي/ إحسان نعيم شواهنة

المهندس القسامي السادس وقائد القسام في شمال الضفة

 

خيم صمت القبور على بلدة “كفر ثلث” في صبيحة يوم الاثنين 13/12/2004 بعد أن هز سكون ليلها الهاديْ خبر فقدها لأحد ابرز أبنائها، مهندس القسام السادس وقائد الكتائب في شمال الضفة الغربية: إحسان نعيم شواهنة الذي استشهد في اشتباك مسلح بمدينة نابلس، وبقي مئات من أهالي البلدة البالغ عددها ثلاثة آلاف مواطن، ينتظرون فارسها المسجى لتشييعه بعد ساعات من استشهاده، لتعطيل القوات الصهيونية وصوله انتقاماً منه شهيداً بعد أن فشلت منه حياً، وانتشرت عشرات البيارق الخضراء الموشحة بلفظ الجلالة على أسطح المنازل، والنسوة على النوافذ من خلف ستار ترقب طيف الشهيد، في حين أن شغف نظرات الأطفال بدت واضحة تبحث عن إحسان الذي لم يره الكثير منهم لطول غيابه حياً، لتشبع ناظريها برؤية مهندس القسام السادس الذي خرج من رحم بلدتهم الصغيرة حتى ولو شهيداً.

 

إحسان.. في كنف الإخوان

 

في قرية كفر ثلث الواقعة شرق مدينة قلقيلية في الضفة الغربية وفي 21/2/1977 كان بزوغ مهندسنا القسامي القائد إحسان نعيم حسن شواهنة، في كنف أسرة تتكون من ثمانية أفراد غير والديه، كان إحسان بكر ذكورهم الثلاثة وثاني أفرادها الثمانية، وفي بيت مشهود له بحسن الخلق وصلاح التربية نشأ إحسان، كانت خطواته الأولى ترشده إلى مسجد البلدة القديم، وهناك نهل إحسان أو “أبو الفداء المقدسي” -كما يحب أن يطلق عليه تيمناً بالشهيد القسامي محي الدين الشريف- من معين الإسلام الصافي، ما خوَّله قبل إكماله الصف العاشر، أن يكون من أوائل فتيان بلدته انضماماً للجماعة الأم، جماعة الإخوان المسلمين.

تلقى إحسان تعليمه في المرحلة الابتدائية والإعدادية بمدرسة كفر ثلث الثانوية، ليكمل مرحلته الثانوية في الفرع العلمي بمدرسة عزون الثانوية، كان إحسان من أبرز طلاب صفه وأكثرهم اجتهاداً، لينضم لصفوف جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس بعد أن حصل على معدل 86.5 في الفرع العلمي، وتنال كلية الهندسة كلية رفاقه: الحنبلي وعدوان وصلاح الدين مؤيد وثابت وأبو حجلة والقافلة تطول، شرف أن يكون الشهيد المهندس إحسان شواهنة فارسها الجديد.

 

في صفوف “الكتلة الإسلامية”

 

كان من الطبيعي على إحسان أن يلتحق بصفوف الكتلة الإسلامية في أول أيام التحاقه بجامعة النجاح الوطنية، لينضوي تحت لواء أميرها في العام 1995 عامه الأول في الجامعة منذر مشاقي، جندياً معطاءً مثابراً في خدمة الطلبة، وبعد أن رأى إخوانه في التزامه وإخلاصه وذكائه التميز، رشحوه ليكون احد أعضاء مجلس اتحاد الطلبة في المجلس الذي ترأسه الأسير المجاهد القسامي محمد صبحه في عام (1997-1998) عن اللجنة الاجتماعية، وهناك وفي عمله في الكتلة ومجلس اتحاد الطلبة أتيح له المجال ليتعرف على خيرة أبناء الكتلة الذين كان منهم رفيق دربه واقرب الشهداء إلى قلبه وزميله لاحقا في القسام محمد الحنبلي والشهيد القسامي قيس عدوان، لذلك فليس غريباً أن يطلب في وصيته أن يرافقه الشهيدان: الحنبلي والعدوان في بوستر استشهاده.

 

قال ربِ السجن أحب إليَّ

 

وكضريبة كان لزاماً على شرفاء الأمة دفعها جزاء تضحياتهم، وتمحيصا من الله للمؤمنين، كان نصيب القسامي المهندس القائد إحسان أكثر من سبعة سنوات من عمره في خمسة اعتقالات، اختلف فيها سجانوه إلا أن الهدف كان واحدا: ضرب المقاومة بشتى أشكالها، ومع هذا فقد كان القائد القسامي إحسان شواهنة يحوِّل غرفة التحقيق إلى مركز تعذيب نفسي لمحققيه، ويخرجهم من الغرفة كما دخلوا، لدرجة أن المحقق توسل له في احد جولات التحقيق بعد أن دنى من قدميه متوسلاً يطلب منه الاعتراف، دون أن يحرك إحسان لسانه بكلمة تؤذي المقاومة، شعاره فيها قوله تعالى على لسان مريم عليها السلام:”إني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم انسياً” وقد سطر على أبواب احد المعتقلات التي شهدت بطولاته مقولة: “الاعتراف خيانة كبرى”.

كان فاتحة اعتقالاته على يدي أبناء جلدتنا عندما اعتقل في عامه الأول بالجامعة عام 1995 لدى السلطة الفلسطينية في سجن جنيد لنشاطه في الكتلة الإسلامية، ليتنبه العدو لنشاطه ويعتقل في العام 1997مع رئيس مجلس الطلبة السابق محمد صبحة لفترة قصيرة لا تتجاوز الشهر، لتعاود تلك القوات اعتقاله في 9/9/1999 بتهمة الانتماء للكتلة الإسلامية والعمل في مجلس اتحاد الطلبة، وتغيِّبُه السجون في بطونها تسعة أشهر قضاها في سجن “مجدو”، ليخرج في أواسط عام 2000 بدون اعتراف، وقال له احد المحققين بعد أن استسلم من انتزاع أدنى معلومة منه، في احد جولات التحقيق: “من قال لك إننا نريد منك أن تعترف؟!!!”، “أنت وقيس والحنبلي تحملون نفس العقلية، درستم على يدي معلم واحد”، مضيفاً: “بعد التحقيق ستعتقل لشهر أو شهرين وتخرج، وبعدها سيأتيك صاروخا من السماء ونتخلص منك”.

ومع هذا فلم تطل فترة خروجه كثيراً، ليعاد اعتقاله في عام 2001 لمدة تسعة أشهر، وبعد أن بدأت ملامح نشاط عسكري لاحسان تلوح في الأفق، لعلاقته بالمهندس الخامس محمد الحنبلي، حيث حوِّل شواهنة للتحقيق من جديد لفترة تجاوزت الشهرين كان فيها إحسان الناحل الجسد مدرسة في الصبر، يقدم فيها جسده قربانا للدفاع عن صفوف القسام، وينقل خلالها لمركز التحقيق السري الصهيونية الذي تستخدم فيه شتى أنواع المحرمات في التحقيق لانتزاع ما لديه من معلومات ، إلا أن إحسان.. زاده الله إحساناً بعد أن خرج منتصراً على سجانيه.

أما رفاقه في السجن فيقولوا عن إحسان انه وبالرغم من تسلمه إمارة قسمه في السجن إلا انه كان قارئاًً من الطراز الأول وكان يقضى بالقراءة أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً، وقد كان يتحدث العبرية بطلاق وبالأخص لغة “الايدش” وهي أصل اللغة العبرية ولا يتقنها إلا القليل حتى من اليهود. ويؤكد من عاشروه في سجنه انه لم يكن يتهاون معهم في تطبيق العبادات داخل السجن، وكان يعاقب كل من يفوت سنة الفجر والتأخر في الاستيقاظ.

 

مهندسٌ في صفوف الكتائب

 

قد لا نستطيع تحديد وقت محدد لانضمام المجاهد القسامي إحسان شواهنة لصفوف الكتائب، ولكن أجمع الكثير ممن عرفوا إحسان عن قرب، أن حبه الكبير للشهيد المهندس الخامس محمد الحنبلي وقربه منه في عملة بالكتلة الإسلامية وحاجة الكتائب لجهود وإبداعات شواهنة، خوَّلته الانضمام لصفوفها على يدي المهندس محمد الحنبلي في الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى، فعادت القوات الصهيونية لاعتقاله في العام شهر 11 من العام 2003 بتهمة تقديم المساعدة وعلاقته بالمهندس محمد الحنبلي، ليعتقل لمدة احد عشر شهرا إدارياً بعد أن لم يثبت عليه أي من التهم الموجهة له.

وبعد الضربات المتوالية على كتائب القسام في شمال الضفة واستشهاد قائدها ورفيق دربه الحنبلي في 5/9/2003 تسلم إحسان اللواء من محمد ليعمل على ترميم ما أفسده الاحتلال، لتضعه بعدها القوات الصهيونية على قائمة التصفية الجسدية، بعد أن انكشف أمر احد أفراد خليته ابن قرية “رافات” الطالب طلال ابو عصبه، وهو متزنِّرٌ بحزامه الناسف في شهر آذار من عام 2004، في طريقة لتنفيذ عملية استشهادية، كانت بصمات إحسان شواهنة بادية على إبداع قسامي فذ، كما اتهمته القوات الصهيونية بالمشاركة في العديد من عمليات إطلاق النار على القوات الصهيونية وتفجير الجيب الصهيونية في وسط مدينة نابلس قبل شهر السابع من هذا العام، ليزيد من نشاط القوات الصهيونية بحثاً عن مهندس القسام السادس إحسان شواهنة، بعد أن عثرت على حزام ناسف بسيارة تجارية في الأيام الأولى من الشهر الحالي على حاجز “حوارة” يزن 7 كيلو غرامات، أبدعته أصابع إحسان، وكان مخطط له أن يدخل المناطق المحتلة عام 1948 على خصر استشهادي، فجندت القوات الصهيونية المزيد من العيون تقتفي آثار إحسان أو طرف خيط يقود لمختبره، لتنجح تلك القوات في العثور عليه في شارع الأرصاد في الجبل الشمالي بمدينة نابلس. وبعد اشتباك طويل يرتقي إحسان شهيداً ولسان حاله ينشد مبتهجاً:

لا تحزنوا يا إخوتي.. إني شهيد المحنة آجالنا محدودة ..ولقاءنا في الجنة

يا فرحتي بمنيَّتي.. اليوم أُنهي غُربتي ولقاءنا بمليكنا ..ومحمد والصُّحبة

 

الفصل الأخير

 

كان ذلك في تمام الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الاثنين 13/12/2004 بعد أن تهيأت الحور ووقفت في صف طويل تنتظر فارسها المرتقب، إحدى الوحدات الصهيونية تعثر على الشهيد القسامي القائد إحسان نعيم شواهنة مهندس القسام السادس وقائدها في شمال الضفة الغربية، بعد أكثر من عام من المطاردة الحثيثة في محاولة لإلقاء القبض عليه، ولكن أنى لهم هذا، وفارسنا القسامي المجاهد اقسم على الله أن لا يعود لسجنه الذي قضى فيه ما مجموعه سبع سنوات.

قوة كبيرة من الجيبات الصهيونية تتسلل في جنح الظلام إلى شارع الأرصاد في الجبل الشمالي بمدينة نابلس في تمام الساعة الحادية عشر والنصف من تلك الليلة، تطوق تلك القوة إحدى العمارات السكنية في ذلك الحي وتطالب سكانه الخروج لتفتيشه، بعد وصول معلومات تفيد بوجود المجاهد القسامي إحسان شواهنة في تلك العمارة، وباءت كل نداءات الجيش وتوسلهم المتكرر لاحسان بتسليم نفسه هرباً من المواجهة المسلحة معه بالفشل، بدأت القوات الصهيونية بإطلاق النار بشكل كثيف على الطابق الرابع الذي تحصن فيه إحسان الذي رد عليهم بالمثل، ولكنه أوقف إطلاق النار من جهته ليهيئ نفسه لجولة جديدة بعد أن اختبأ في “سدة” البيت، وليعتقد الجيش بانه انهى المعركة لصالحه ولكن هيهات، وبعد طول تردد وتفكير من سوء العقبى، استجمع الجيش الصهيوني المدجج بالسلاح قواه لاقتحام مخبأ مهندس القسام السادس إحسان شواهنة، كانت عيون أحسان ترقب كل حركاتهم، عين ترقب تحركاتهم وروح ترقب جزائها المنتظر، بعد أن تجلت له صور رفاقه الشهداء تُلوِّح له بالصعود.

تقدم قائد الوحدة الصهيونية وضابطها ومعه مجموعة من جنوده وعيونهم المُرتَعِبة تتجول في كل مكان تبحث عن إحسان،. أما إحسان الذي تهيأ وسلاحه، انقض عليهم بسيل من الرصاص الذي عاجلهم به، لتتدحرج على الفور جيفةُ قائدهم أمام أعينهم، ويتبادل الطرفان إطلاق النار لأكثر من ساعة، استدعيت فيها المزيد من التعزيزات الصهيونية ويصيب إحسان ثلاثة جنود بجراح مختلفة، في حين كانت ثلاثة إصابات في أنحاء مختلفة من جسد إحسان قد نالت من عزيمته، قبل أن يصوِّب احد الجنود سلاحه عليه، ويصيبه برصاصة في الجانب الأيمن من وجهه، ليصعد إحسان فرحاُ بعد أن بَرَّ بقسمه بأن لا يعود إلى سجنه ثانية، ولكن.. إلى رفاقه الشهداء….

 


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *