By / 29 أبريل، 2020

“النظام العالمي البديل”.. ثغرة كورونا الأمنية

الكاتب/ محمد هاشم الخباز

ناشط سياسي وحقوقي

أزمة لم تكن في الحسبان تلك التي فضحت كنه الدولة وهشاشة المؤسسات ولعبة النظام العالمي والاتحادات الوهمية التي تسيطر في الأساس على مقدرات الأفراد و مدخراتهم وتحويلهم لسلعة في دائرة استهلاكية كبرى.

ببروز أزمة “كوفيد – 19” على الساحة كجائحة أصابت الملايين وقتلت الآلاف في مختلف البلدان بات واضحا أن كل الدول تلعب لعبة الاقتراض البنكي أي أنها تستطيع توفير احتياجات البعض من أرصدة الآخرين وكذلك مع كل عميل حتى يكون السقوط عندما يطلب الجميع أموالهم في آن واحد.. هنا يعلن البنك إفلاسه.

كذلك المنظومات الصحية الرسمية أعلنت إفلاسها في مواجهة هذه الجائحة وباتت جل إجراءات التباعد الاجتماعي من أجل تسطيح منحنى الإصابات لضمان حماية المنظومة الصحية من الانهيار أما الفيروس نفسه فلم يتسنى وجود علاج له أو مصل واق أو فهم ماهيته على وجه كامل حتى كتابة هذه السطور

كانت هذه المقدمة ضرورية في الحديث عن أثر هذه الأزمة في تفكيك بنية النظام العالمي الحالي وربما يتعدى هذا الأثر لخلخلة بنية الدولة عند أفراد المنتمين لها فاعتماد الأفراد وثقتهم في جاهزية الدولة وقدرتها على التعامل مع الأزمات أفقدهم مهارة الإبداع الذاتي في تدبير آليات حماية النفس والعائلة الصغيرة خاصة عند اعتماد آلية الانتقائية في علاج المصابين عندما زاد الطلب عن قدرة احتمال المنظومات الصحية المعالجة أو طرح سياسة مناعة القطيع التي تقضي بالتضحية بالأقل مناعة وترك الأمر برمته لانتخاب الطبيعة “البقاء للأقوى” وعندما تجاوزت الأزمة حاجز الشهرين تعالت نداءات رموز الرأسمالية بضرورة العودة إلى تشغيل الدائرة الاقتصادية وبتعبير دونالد ترامب “لن يكون العلاج مشكلة أكبر من المرض نفسه” وهي العبارة التي ترددت في معظم البلدان تعبيرا عن القيمة الحقيقية للإنسان في نظم التسليع البشرية.

إن مجرد الخروج من هالة الإيهام الإعلامي للدولة والنظم العالمية يجرد الأكذوبة مما تتحلى به من وهم الأمان الزائف والقدرة الخارقة للعادة فلو ترك الفرد لتفكيره الوحدوي لدفعته الغريزة لابتكار أنظمة صحية وغذائية ودفاعية بسيطة تمكنه من البقاء المطلق على اختلاف القدرات الشخصية والإمكانات المتاحة في فرضية وجود الدولة مع عدم انسحاق الفرد.

إن الثغرة الكبرى التي تتجلى في هذه الأزمة هي الثغرة الأمنية وهي مناط البحث إذ الاصل في الوقاية هو التباعد الاجتماعي بيد أن الأنظمة الأمنية لأي دولة تقوم على آليات الدفاع المنظمة عبر أجهزة مترابطة يكون أفرادها حائطا متراص في مواجهة العدو الخارجي إذا كان جيشا أو الداخلي إذا كان الجهاز شرطيا مع استحالة العمل من المنزل 

كذلك على الصعيد المخابراتي فإن الأمر ربما يكون أكثر تعقيدا حيث صعوبة الاجتماعات السرية مع الاحتفاظ بمساحات التباعد الآمنة  والاحتفاظ  بالوثائق السرية ولما كان التواصل البشري هو عامود العمل الاستخباراتي فإننا في مأزق كبير ومهدد خاصة في الدول التي يتفشى فيها الفيروس بحد تعبير براين بيركينيز

وفي مثل هذا الوضع يعد الخطر الأكبرعلى الحكومات هو القرصنة الإلكترونية  وهجمات التجسس واختراق الحسابات المعلوماتية والبنكية وتعد الدول النامية هي الأكثر عرضة للسقوط إلا أن تجاهل الأزمة من قبل بعض حكومات هذه الدول مع التضليل في حجم الخسائر يجعل الشعور بالتغيير مع تصاعد منحنى الأزمة طفيفا جدا يكاد لا يُشعر به وبحسب التعبير المتداول إبان الأزمة المالية العالمية “العربة الأخيرة في القطار هي الأقل تأثرا عند التصادم “

أما الدول التي تمثل محاورالنظام ففي الأيام القليلة الماضية انطلقت من العاصمة الروسية ما لا يقل عن 110 حملة إلكترونية بهدف التضليل الإعلامي والقرصنة الالكترونية فضلا عن مئات الحملات التي أطلقتها بكين في سباق لا هوادة فيه مع الفيروس إذ أن القوى التي تخرج منتصرة في هذه الأزمة بطريقة ما ربما تقود العالم لمئات السنين.

وعند الحديث عن الجماعات المسلحة وفرق المقاومة فإن الوضع العام يشي بتقارب التكافؤ ففي الوقت الذي تعتمد فيه هذه المجموعات على استرخاص العنصر البشري لتحقيق التوازن مع تفوق الآلة تكون فيه جهات الدفاع الدولية في النقطة الحرجة من حيث تكتل الأفراد والعمل المنظم ومع صعوبة الاستنفار الأمني والتخوف من الإمساك بمشتبه في إصابته بالفيروس تكون فرصة نجاة هذه العناصر من القبضة الأمنية أكبر متضائلة طرديا في أوقات الحظر وفي حال اعتماد نظام “الذئاب المنفردة” الذي أطلقته بعض الجماعات المتطرفة فإن العالم كله سيكون في مأزق كبير إلا أن تاريخ الحركات المقاومة وحتى الجماعات التي أعلنت العالمية في وقت ما لم يتمخض عن فكر إبداعي شامل لتصور الهيمنة على العالم وطرح البديل والهروب من حيز المظلومية ورد العسف واستدعاء يوتوبيا أمجاد سابقة.

كذلك فإن الجريمة المنظمة يسري عليها التصور السابق حول الفرق والجماعات فضلا عن تميزها بالمحلية والقدرة على كسب التعاطف عند توجيه إمكاناتها لمساعدة الشعوب على اجتياز هذه الأزمة وهو ما فعلته تحديدا “ندراغيتا” أقوى مافيا في إيطاليا والتي تضم 30 ألف منتسب في منطقة كالابريا وحدها ويبلغ حجم معاملاتها 43 مليار يورو سنويا حيث قامت بتوزيع المساعدات المالية والأغذية على جمهور الايطاليين مع بطء وصول المساعدات التي أقرتها الدولة كذلك  وضعت الكثير من الأموال في شركات كانت في طريقها للانهيار وعملت على توفير المستلزمات الطبية ودعم الجهاز الصحي مما حدا بـ”نيكولا جيراتري” كبير مدعي ولاية “كانتزاروا ” إلى القول “إن هدف المافيا ليس إثراء أنفسهم ولكن إدارة السلطة”.

ربما لا تريد “ندراغيتا” إرهاق نفسها بإدارة شئون إيطاليا وجهازها المتخم والوقوف في وجه الملايين ولكنها بلا شك ستكون رقما مؤثرا في صناعة القرار السياسي ودعم المرشحين وإقرار القوانين وإلغاؤها.

وبالحديث عن جرائم الأفراد فمن المتوقع أن جرائم الاشتباكات مثل الضرب والضرب المفضي إلى الموت وإحداث العاهات وأيضا جرائم الطرق في طريقها للانحسار نظرا للتباعد الاجتماعي المفروض وقلة الاحتكاك كذلك جرائم السرقات بأنواعها فيما يتوقع زيادة معدلات جرائم الأموال كالنصب والاحتيال وإيصالات الأمانة غير مستردة القيمة وإصدار شيكات بدون رصيد.

لا شك أن فيروس كورونا أصاب النظام العالمي كما أصاب الملايين من البشر إلا أنه لا أحد يستطيع أن يتوقع إمكانية التعافي من عدمه ولكن المؤكد أنه سيترك خروقا وندوب في هذا الجسد يصعب رتقها.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *