By / 24 أغسطس، 2020

الهجرة ومهارة التربية الأسرية (بيت أبي بكر نموذجًا)

د جمال عبد العزيز أحمد

 كلية دار العلوم- جامعة القاهرة

     تهلُّ الهجرة خلال ساعات قلائلَ ، وهي من أهم أحداث الإسلام، وأعظم تاريخه، حتى إن سيدنا عمر لقيمتها، وجلال شأنها أرَّخ بها تاريخ الإسلام كله وجعله تقويما متصلا بها؛ لما تحمله من قيم تربوية، ودروس إيمانية، ودلائل تاريخية تتكشف لنا أسباب عظمتها عامًا بعد عام، وهنا نأخذ درسًا من دروسها، وقيمةً من قِيَمها ، وهي التربية الْأُسْرِيَة على تحمُّل تكاليف الدعوة، والنهوض بتبعاتها، والقيام بحقها، وقد كان أبو بكر خيرَ مثال في ذلك؛ حيث قام هو وأسرته بدور كبير لن ينساه التاريخ الإسلامي له – رضي الله عنه وعن أسرته- ؛ إذ أسهم بجهد غير قليل هو وكلُّ أبنائه في إنجاح أحداث الهجرة، فبدأ بنفسه، ورصد كلَّ أمواله لنجاحها، ولم يُبْقِ شيئًا لنفسه، وكان هذا العمل الكريم مما قدَّه على غيره عند الرسول الكريم حُبًّا، ووُدًّا وأخوَّة، حيث اختاره الرسول وحده دون غيره من الصحابة الكرام؛ ليكون رفيقا له في هذه الرحلة الإيمانية الكبرى، حتى بكى سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه- من شدة الفرح، ولم يُعهَد على أحد- في ذلك الزمان- أن يبكيَ من شدة الفرح، حيث حَكَتْ لنا ذلك ابنته السيدة عائشة – رضي الله عنها – إذ ورد عنها، وهي تصف حال أبيها أبي بكر عندما أخبره الرسول الكريم بالاستعداد للهجرة معه, قولُها:” لقد رأيتُ أبا بكر عندها يبكي من الفرح”، ثم قالت عائشة- رضي الله عنها-: “فَلَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي”.

    جهز أبو بكر راحلتين كوسيلة للسفر، وعَهِدَ بهما إلى عبد الله بن أريقط رغم عدم إسلامه، لكنه كان يتمتع بالأمانة والإخلاص، وكان خِرِّيتًا أيْ خبيرا بدروب الصحراء، ومخارجها ومداخلها وتعرجاتها وخريطتها كاملة، وقد اختاره مشركا حتى لا يشك أحد فيه ولا في تنقلاته بالراحلتين، حيث دفع له ثمن أكلهما، وما تطلبه من ثمن لأجرته، وثمن الرحلة إلا أن الرسول الكريم قد دفع ثمن راحلته، وكان أبو بكر يتمنى أن يتحمَّلها عنه، لكنْ رغبة الرسول الكريم في الثواب، وتحمُّل تبعات الدعوة من: مال، ونفْس، وعرق، وجهد كان قويًّا، وحريصا أشد الحرص عليه، ويضرب بذلك القدوة لغيره: ألا نأكل بدعوتنا، وأن نبذل لها الغالي، والرخيص، والطارف، والتليد، والروح، والنفس، وكذلك بَدا حب الصديق لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حينما دخل الرسول إلى الغار فاستبقه أبو بكر؛ لينظف الغار، لعل حشرة سامة موجودة، أو بعض الزواحف السامة، فيخرجها، ولمَّا اطمأن على ذلك، وأغلق جميع فتحات الغار، أذن لرسول الكريم بالدخول، ولمَّا وجد فتحة يسيرة وضع رِجْله فيها؛ ليغلقها، فتقول الروايات : إن عقربا لدغه في قدمه، والرسول نائم فلم يشأ أن يحرك رجله، أو يحدث صوتا ؛ لئلا يوقظ الرسول الذي كان يستريح ليومٍ طويلٍ، ورحلة مرهقة، ولكنَّ دمعه سال من شدة الألم على خد الرسول الكريم، فقام، وسأله عن سبب دموعه، وعرف أن العقرب قد لدغته، فتَفِلَ على مكان الألم، فيقول أبو بكر:” فوالله ما أحسستُ بعدها بأيِّ ألم، ولا تعب، ولا أعرف يُمناي من يُسراي كانت تتألم”، وكذلك بدا جهده، وحبه عندما كانا يمشيان في أعالي الجبال، إذ  كان يسبقه، ويتطلع هنا وهناك؛ خشية وجود عدوٍّ متربص، أو حيوان يفاجئهم، فيدفعه عن شخصه الشريف حتى وصل المدينة، ولم يكن الناس يعرفون مَنْ فيهما الرسول، فبادر- بإلهام من الله- ليعدِّل له  الغترة التي فوق رأسه، فعرفوا أنه رسول الله، وكان أول مرة يرونه- صلى الله عليه وسلم-، فقام بدوره خير قيام- رضي الله عنه-.

    ربَّى أبو بكر- رضي الله عنه- أولاده: بنينَ وبناتٍ على شرف الذود عن حياض الإسلام، وجلال الدفاع عنه بكل ما يملكون، وقد بدا ذلك واضحًا في كلٍّ من السيدة عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، وأسماء بنت أبي بكر، فهذه السيدة أسماء- رضي الله عنها، وأرضاها- لما جاء أبو أبي بكر، أيْ جدها أبو قحافة بعد أن نما إلى علمه هجرة ابنه، تَحَسَّرَ أن يكون قد أخذ المال معه كله، وكان أبوه لا يزال مشركًا على دين قريش، وكان ضريرًا لا يرى، وجاء يسأل عن المال، هل أخذه أم تركه؟ ، أو ترك شيئا منه؟، فتروي السيدة أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنه- أن جدها أبا قحافة هذا دخل عليهم، وكان قد فقد بصره، وقال لهم: “والله، إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه”, وهو يذهب بقوله هذا إلى أنه قد تركهم بلا مال، ولا شيء، فكان الرد الطيب الذي يدل على حسن تربية، ومهارة وعمق فهم من ابنته السيدة أسماء, حيث قالت لجدها :”كلا يا أبتِ، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، فأخذتُ أحجارًا فوضعتها في كُوَّة البيت التي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعتُ عليها ثوبًا، ثم أخذتُ بيد جدي، فقلت: يا أبتِ، ضعْ يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن”، فأحْسَنَتِ التخلص من هذا الموقف الذي لا يُحمَد عقباه، حيث كان سيمضي في دروب مكة يحكيه، ويقوله هنا وهناك، وكان سيكون مثارَ ضيق من الناس، وأن الإسلام لا يتبصر في عواقب الأمور، وأنه يترك الأبناءَ للتشرد والضياع، ونحو ذلك من حديث لكبار السن، وخصوصًا الأكِفَّاء منهم، فكانت تربيةً ذكيةً، وحصيفةً، قامت بها بنت من بناته- رضي الله عنه-، وَضَّحَتْ لنا كما اجتهد، وعلم، وكم بذل، وربَّى.

    أما دور ابنه عبد الله بن أبي بكر فقد كان دورا خطيرا للغاية، وكان ثمنُ الاجتهاد فيه كبيرًا، حيث كان من الممكن أن يطاح برأسه لو اكتشف، أو عرف، وهو القيام بدور الاستطلاع، وعمل ما تقوم به المخابراتُ في كل مكان، وهو تحسُّس الأمور، ومعرفتها قبل أن تقع، وجمع البيانات القوية لكل حدث قبل وقوعه، وهذا الدور الاستخباراتي العظيم، والكبير لابنه: (عبد الله بن أبوبكر) يتطلب منه أن يتجول بين ظَهْرَانَيِ القرشيين، يجمع الأخبار من أفواههم، والذي يجري على ألسنتهم مما ينوون فعله، ويتحدثون فيه، وتلوكه ألسنتهم بالنهار؛ لينقله بين يدي الرسول الكريم، وصحبه ليلا، ثم يأتي قبيل طلوع الشمس إلى بيته، فيصبح، وكأنه كان بينهم، كأنه كان يَبِيت معهم، وهم لا يشعرون بما نقله، ووضعه بين أيدي الرسول الكريم، وصاحبه؛ ليتصرفوا بناءً على ما جمعه من أخبار، وما سمعه من مكر، وكلام، وهو يتجوَّل بين المشركين؛ ليعرف أخبارهم، وطريقة تفكيرهم في عرقلة مسيرة الرسول والإسلام، ولك أن نتعجب من تلك النفس الشجاعة القوية التي وَهَبَتْ روحها لله، ولنصرة دينه كما تربَّتْ من قبلُ على ذلك، وهي مخاطرة صعبة للغاية أقدم عليها ذلك الشابُ المؤمنُ، وتحمَّل عواقبها، ولو كانت إزهاقَ روحه، فسيكون راضيًا؛ لأنها ستكون لله، وكل الأسرة وهبتْ نفسَها لهذا الدين، والذود عن حياضه، ونشره مهما كلفهم ذلك من مال، وجهد، وأرواح، فلو-لا قدر الله- عرفوا، واكتشفوا أمره ما تركوه، ولَكَانَ مصيره خطيرًا، قد يصل إلى حد الموت تحت وطأة التعذيب, ولكنَّ ذلك العجبَ سرعان ما يزول إذا كان ذلك الرجلُ هو ابن للصديق أبي بكر- رضي الله عنه- الذي أحسن تربيته، وأخلص في تأديبه ؛ من أجل تلك اللحظات المهمة في تاريخ الإسلام، وما أجمل حصاد فعله!، وما أنبل ما جنى من ثمارها في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام!, وما أعظم تلك الثمرات!، والتربية المجاهدة عندما تستثمر في شكلها الدقيق، ويخطَط لها بصورة تُؤتي أكلَها كاملةً كل حينٍ  بإذن ربها- جل في علاه، وعز في أرضه، وسماه.

     ويأتي دور السيدة أسماء مرة ثانية حيث كانت وحدها بمثابة كتيبة الإمداد والتزويد بالمؤونة، والطعام طيلة ثلاثة أيام كاملة باتَ فيها الرسول الكريم، ووالدها في الغار، فكانت- رغم كل ظروفها- من حملها، وأنها كانت في أشهرها الأخيرة، ومن خطورة الليل في الصحراء حيث الوحوش والثعابين وطول ارتفاع الغار، ومكانه العالي فوق الجبل، وصوت الليل يسري، ويرعب كبار الرجال- رغم ذلك إلا أنها كانت تحمل الطعام والشراب، وتمضي كلَّ تلك المسافات وحدها في الليل، وهي حامل، وليس معها إلا الله، وسوادُ الليل يغطي الصحراء، وصوتها يعصف بكل شيء، ومع ذلك قامت بمهمتها خير قيام؛ لكونها رُبِّيَتْ على عينيْ أبي بكر، وسمعه، وعشقت بذل أقصى ما في الوسع والطاقة؛ لإنجاح تلك الرحلة حتى آخر لحظة لهما، ثم مَضَيَا بعدها إلى المدينة المنورة ، فجاءت بزاد أكبر؛ ليتزودا به في طريق الهجرة الكبير الموحش، فقد أدت دورا لا يستهان به، وفي لحظات الوداع للانطلاق للسفر كان عليها أن توفر غذاء كبيرا وشرابا وفيرا كثير؛ ليكفي الرسول وأبا بكر في طريق هجرتهم إلى المدينة، وهنا تصف لنا السيدة أسماء بنت أبي بكر ذلك هذا الموقف قائلة:”حين أراد أن يسافر إلى المدينة فلم نجد لسفرته وسقائه ما نربطهما ، فصنعت سفرة للنبي، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، قال: شقيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخرة السفرة”.

     ولما رأى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا الاجتهاد منها ، وأنها شقت نطاقها نصفين، مضحية بها، قال لها حين فعلت ذلك: أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة، فقيل لها من أجل ذلك: (ذات النطاقين)، وتلك المرأة المجاهدة نفسها قد تحملت ضربة قاسية، ولطمة شديدة على وجهها الكريم وهى حامل من أبي جهل، حيث انتشر خبر خروج النبي للهجرة، وصاحبه, فذهب أبو جهل إلى بيت الصديق، ولما طرق الباب بشدة، فتحت السيدة أسماء- رضي الله عنها-، فقال لها في شدة وغلظة: “أين أبوك يا بنت أبي بكر؟” قالت: “لا أدري”، فرفع أبو جهل يده، ولطم خدها حتى أطار قرطها”.

فأثبتت بتحملها كل تلك الأمور، وكل ذلك الأذى ما لا تتحمله عشرات النساء القويات ، فكانت خير مثال لكل النساء بسبب تربيتها الكريمة على التحمل لكل تبعات هذا الدين ونشره والذود عن حياضه.

     وأخيرا ، هذا هو مولى أبي بكر الذي أعتقه، وحماه من أذى قريش: (عامر بن فهيرة)، حيث صار مولى له فيما بعد، أدى ذلك الرجل دورًا كبيرًا معروفا في أحداث الهجرة النبوية، وذلك برعْي أغنام كانت لأبي بكر- رضي الله عنه- حيث جعلها تمشي فوق آثار أقدام النبي، وصاحبه الصديق؛ حتى يضيع على المشركين فرصة تتبع آثار الأقدام، وقد كانوا مهرةً حاذقين في تتبع الأثر، ومعرفة صاحبه، وكانوا في ذلك معروفين بالحذق، والمهارة وورد عنهم كثيرا مسألة قص الأثر، والتوصل إلى كثير من الأمور التي كانت خافية، بسبب فهمهم للأثر، وإلمامهم بهذا العلم الدقيق، والأخبار بذلك معروفة.

      تلك هي أسرة أبي بكر، وكلُّها قد شارك في أحداث الهجرة، وكانتْ له مهمةٌ محددة يقوم بها، وقد قام بها خيرَ قيام، وكانت سببًا كبيرا في سلامة الرسول، وصاحبه، ووصولهما سالمين إلى المدينة المنورة، وقيام دولة الإسلام عزيزةً، شامخة، قوية على مر الزمان، وتعاقب الحِدْثَانِ، رضي الله عن أبي بكر وأسرته جميعا، وتقبل جهودهم، وجعلها مضاعفة الأجر، رافعة القدر، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله، وسلم، وبارك على صاحب الذكرى العطرة، وعلى آله وصحبه أجمعين.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *