By / 9 نوفمبر، 2020

“الوعي” صمام أمان الثورة

ما من شعب مُحتل إلا وله صولات وجولات من الثورة في وجه محتلّيه وقراراتهم التي تسعى لترسيخ الكولونيالية وطمس حقوق الشعب الذي يقاتل من أجل أن يجد له موطأ قدمٍ في طابور الحقوق الذي يتقدمه ويتوسطه ويتأخره حتى المستعمرين الأجانب، فلا يتركوا للشعب وشبابه سوى حق الثورة الذي لم يُسجّل التاريخ لمُستعمرٍ أنه تمكن من سلبه برغم الهراوات والكسارات وصواعق الكهرباء ومدافع الغاز والهواء والماء وبنادق المطاط والدروع الزجاجية.

مقدّسة هي تلك الثورة ومقدّسٌ أهلها وجهدهم وتضحياتهم، مقدّسةٌ الدماء التي تسيل في سبيلها وقطرات العرق على جباه الثوار واختلاطها بدموع الحزن على فقد الشهداء ودموع الفرح بانتصار المرابطين. هذه القدسيّة يمكن أن يتلوّث طُهرها إذا لم يكن الشعب على درجة من الوعي بما يجري وبما يحيط بثورتهم وبمن يحاول أن يسرق إنجازهم فإما يحوله إلى هباء منثور كما ركب الثورات العربية من ركبها من المتشدقين بنصرتها، وما هم إلا كالثاقب في السفينة ينخر قواعدها حتى لا يسع الشعب أن يرقعها فتخرّ بهم جميعا، وإما أن يركبها المثبّطون والمحبّطون بل والمحاربون للثورة حين يجيء نصر ربّك فيقولوا إنا كنا معكم.

التجربة الفلسطينية في يوليو القدس وانتفاضة المرابطين في وجه البوابات الإلكترونية والكاميرات الحرارية تُعدّ نموذجا يستحق التأمل والتدقيق والدراسة والتحليل، البعد الأمني لدى المرابطين في الحفاظ على بوصلة الوعي لديهم لتكافح كل ما يثار من إشاعات مغرضة تسعى لتقزيم العمل الفدائي وتهميش القوة العسكرية لهم بالإضافة لمعرفتهم التامة بالنّاصر والمُحاصِر لهم ولثورتهم كان حجر ركيزة لانتصارهم النموذجي في وجه المحتل الصهيوني.

مرابطو القدس لم يتركوا مساحةً لأولئك الذين كانوا يطالبون غزة بكتائبها أن تُقحم نفسها بالصراع المقدسي عسكريا لعدة اعتبارات كان الثوار على وعي تام بها، لذلك نجد أن الهتاف الشهير “يا كتائب القسام، الانتقام الانتقام!” كان هتاف المرابطين في باحات المسجد الأقصى منذ يومهم الأول، ولكنهم لم يلوموا القسام ولا فصائل المقاومة العسكرية على اكتفائها بالمسيرات الغاضبة والعروض العسكرية في غزة، بل وجهوا اللوم لمن خذلهم حقيقةً منذ يوم ثورتهم الأول وهم الزعماء العرب بمن فيهم “زعيم فلسطين”.

الوعي لدى قادة المقاومة بعدم حرف مسار الهبّة الجماهيرية إلى حرب عسكرية، كما وعي الجماهير المنتفضة لحساسية الموقف وثقتها بأن الجدار الوحيد الذي تستند إليه ظهورهم وهو جدار المقاومة لن يخذلهم ولم يخذلهم في معركتهم التي لم يطلَق فيها صاروخ واحد، بالإضافة لوعي الشارع ومثقفيه بحفنة المتسلقين والمتصيدين في المياه العكرة ممن اتخذوا من انتفاضة المقدسيين باحة همزٍ ولمزٍ للمجاهدين، كان ذلك هو ما شكل صمام الأمان الذي أمّن لهم انتصارا متكامل الأركان.

الوعي تجاه الذين يسعون لإسقاط كفة العمل المسلح من معادلة التحرير، هو أيضا نوع من أنواع تأمين الشعب لثورته، فانتصار القدس “السلمي” -إن دقّ التعبير- لا يعني فشل الحل العسكري، ونجاح جولة المقاومة السلمية -أيضا إن دقّ التعبير- لا يعني نجاحاً لثقافة الاستسلام والتنازل، بل هو نجاح لمنظومة المقاومة بأشكالها المتعددة والتي يكمّل بعضها بعضاً.

إنه من الأهمية بمكان أن يتم النظر لحالة الوعي المجتمعي ومكافحة سواءً الإشاعات أو حملات تشويه صورة الواقع، كبعد أمني شعبي مهم لحماية ثورات الشعوب ومكتسباتها على حدّ سواء. هذا البعد يحتاج -كما الأبعاد الأمنية الأخرى الفردية والمجتمعية- اهتماما بالغاً من الفرد والمسؤول، يبدأ هذا الاهتمام بتوعية الناس بأهمية أن يكونوا واعيين لما يدور حولهم في دهاليز السياسة وصنع القرار، وألا يكونوا إمّعات يساقون كما تساق الشاة إلى مذبحها، ولا تنتهي بإجراءات عملية يمارسها الثائر في وجه مضلّليه، يحمي بها ثورته وما اكتسبت يداه لها.

                                           


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *