By / 16 يونيو، 2019

2- بداية تبلور النظام الدولي في القرنين السابع والثامن عشر

تمركزت معظم القوى الكبرى في أوروبا خلال القرنين السابع والثامن عشر، فالولايات المتحدة الأميركية كانت تعيش في عزلة كبيرة عن الأحداث التي تجري خارج حدود القارة الأميركية، بينما كانت الدولة العثمانية تعاني من تراجع قوتها أمام الدول الصاعدة آنذاك بفعل العديد من التطورات المجتمعية والفكرية والعلمية والسياسية التي شهدتها أوروبا، والتي تركت تداعيات ملموسة على نمو قوة الدول الأوروبية مقارنة بغيرها. ولم تشهد تلك الفترة تشكل أي مؤسسات دولية اقتصادية أو سياسية.

ونظرا لأن السياسة الدولية توصف في تلك المرحلة بأنها سياسة أوروبية نظرا للدور المركزي التي لعبته الدول الأوروبية آنذاك في تشكيل المشهد السياسي، فسأستعرض أولا مدى حضور الدولة العثمانية في الساحة العالمية باعتبارها الدولة الإسلامية الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية آنذاك، كي لا يغيب ذكرها أثناء تناول المستجدات في أوروبا.

الدولة العثمانية:

بدأت الدولة العثمانية تتوسع في البلقان منذ القرن الرابع عشر، فسيطرت على بلاد البلغار واليونان والبلقان الشمالية عام ١٣٩٦م، وفتحت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام ١٤٥٣، وترسخ بذلك نفوذ العثمانيين في جنوب ووسط أوروبا مما دفع إمارات ولاشيا ومولدافيا (رومانيا حاليا) إلى قبول السيادة العثمانية. وكذلك سيطر العثمانيون على صربيا والبوسنة وألبانيا. وخلال النصف الأول من القرن السادس عشر بدأت الدولة العثمانية تتوسع في العالم الإسلامي. فاستطاعت أن تسيطر على معظم البلاد العربية (الشام، ومصر، وشبه الجزيرة العربية، والعراق، وشمال أفريقيا بأسره ماعدا مراكش)، كما توسعت في وسط أوروبا واستولت على المجر، و حاربت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وحاصرت عاصمتها فينيا عام ١٥٢٩ دون أن تنجح في الاستيلاء عليها. وابتداء من منتصف القرن السابع عشر بدأ تدهور الدولة العثمانية على خلفية الصراعات بين السلاطين، وفساد نظم حكم وإدارة الولايات التابعة لها، وعدم مواكبة التطور العلمي الذي كانت أوروبا قد بدأت تشهده في ذلك الوقت.

وقد تزعم الحروب ضد العثمانيين آنذاك، 3 دول هم:

  1. الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي تمدد العثمانيون في البلقان على حسابها. وهي إمبراطورية مرت بالعديد من التغيرات، فبعد أن كانت إحدى أكبر القوى الأوروبية، إذ شملت في القرن التاسع الميلادي معظم الأراضي التي تشكلت منها الإمبراطورية الرومانية الغربية القديمة، عدا إنجلترا واسبانيا وجنوب إيطاليا، تقلصت قوتها بانفصال فرنسا واسبانيا عنها لاحقا عام ١٠٠٠م. وتحول اسمها عام ١٨٠٦ إلى إمبراطورية النمسا مع تراجع قوتها، وفقدانها للعديد من أراضيها.
  2. روسيا، التي تعتبر نفسها وريثة الإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية التي قضى عليها العثمانيون، وأيضا بسبب سيطرة العثمانيين على البحر الأسود ومضيقي البوسفور والدردنيل اللذان يتحكمان في طريق المرور البحري لروسيا إلى البحر الأبيض المتوسط.
  3. فارس، بسبب سعيها للهيمنة على الأماكن التي يقدسها الشيعة في العراق، فضلا عن سعي الفرس لنشر المذهب الشيعي داخل الدولة العثمانية.

وقد أدت عوامل الضعف الداخلية في الدولة العثمانية، فضلا عن التحالفات الخارجية ضدها إلى تراجع قوة الدولة منذ القرن الثامن عشر.  

صلح وستفاليا والنهضة الأوروبية:

بدأت معالم النظام الدولي الذي تهيمن عليه أوروبا تتبلور مع عقد صلح وستفاليا عام ١٦٤٨، وهو صلح أنهي ثلاثين عاما من الاقتتال الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك، وقد اندلع بالأساس بين بعض الولايات الألمانية الكاثوليكية من جهة ضد الولايات الألمانية البروتستانتية من جهة أخرى، ومن ثم انضمت العديد من الدول الأوروبية لكل طرف من المتقاتلين. وانتهت الحرب بتشرذم الأراضي الألمانية إلى العديد من الولايات المستقلة، فضلا عن استقلال هولندا وسويسرا عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة.  

وقد أسفر صلح وستفاليا عن إرساء عدد من المبادئ الجديدة على السياسة الأوروبية مثل: إقرار مبدأ التعايش الديني بين الكاثوليك والبروتستانت، واحترام سيادة الدول بحيث يكون من حق الدول فقط عقد المعاهدات، كما دشن الصلح توازن للقوى بين بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وبروسيا بحيث لا تسيطر دولة واحدة على السياسة الأوروبية، حيث تعهدت الدول الأوروبية بالوقوف ضد مساعي أي دولة لفرض سيطرتها على القارة الأوروبية. وهو ما تجلى في تدشين بريطانيا وهولندا لما سمي بالتحالف الأعظم الذي ضم أيضا الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ودوقية براندنبرج الألمانية، والبرتغال، ودوقية سافوي الإيطالية ضد لويس الرابع عشر ملك فرنسا عقب محاولته توريث عرش إسبانيا لنجله وولي عهده من ابنة ملك إسبانيا ماري تيريز بعد وفاة أبيها. وانتهت الحرب بهزيمة القوات الفرنسية والاسبانية وتوقيع معاهدة أوترخت عام ١٧١٣. بينما خرجت بريطانيا من الحرب كأقوى دولة أوروبية.

التطورات العلمية والاقتصادية:

شهدت أوروبا تطورات بارزة بدءا من القرن السابع عشر مع اعتمادها على النهج العلمي القائم على الملاحظة والتفسير والتنبؤ، مما ساعد العلماء على فهم الظواهر الكونية، وتحقيق العديد من الاكتشافات والاختراعات البارزة مثل اختراع الآلة البخارية عام ١٧٧٦، والآلة الكهربية عام ١٨٣١، فحدثت ثورة صناعية تبدت ملامحها في استخدام الآلات الميكانيكية في الزراعة والصناعة، وازدياد إنتاج الفحم، والحديد والصلب، واعتماد أسلوب الإنتاج الكبير في المصانع بدلا من الإنتاج المنزلي المحدود. وقد واكب تلك المستجدات تعرض العمال في المصانع لأوضاع غير آدمية من قبيل زيادة ساعات العمل، أو انخفاض الرواتب، وغياب الرعاية الصحية مما ساهم في نشأة التيارات الاشتراكية التي تطالب بحقوق العمال. ومع تلك المستجدات تحولت الرأسمالية التجارية التي تعتمد على التجارة إلى رأسمالية صناعية تقوم على تحويل المواد الخام إلى مواد مصنعة. وتمركزت الثورة الصناعية بشكل رئيسي في بريطانيا ذات الثروة الوفيرة بسبب مستعمراتها. وقد أدى تضخم الإنتاج الصناعي في بريطانيا وبقية دول أوروبا الصناعية إلى التوسع الخارجي بحثا عن:

  • المواد الأولية اللازمة للصناعة.
  • الأسواق الجديدة لتصريف فائض الإنتاج.
  • مجالات جديدة لاستثمار فائض رؤوس الأموال.

وتحولت بذلك الظاهرة الاستعمارية من ظاهرة تجارية تقوم على نهب وجلب المعادن النفيسة والرقيق والتوابل من المناطق الساحلية في أفريقيا وأوروبا لتصبح ظاهرة صناعية تقوم على جلب المواد الخام من المستعمرات، وتصدير السلع المصنعة إليها. ومن ثم امتد الاستعمار إلى داخل القارات. ونمت قوة الدول الأوروبية، وبالأخص بريطانيا، وتمكنت من توسيع دائرة نفوذها في العالم. بينما صارت الدول التي تأخرت عن ركب الثورة الصناعية مثل الدولة العثمانية هدفا للتوسع الاستعماري.

وكذلك ظهر مفهوم الحرية الاقتصادية الذي يعتبر أن النشاط الفردي هو محور السياسة الاقتصادية بحيث لا يتعدى الدور الاقتصادي للدولة دور الحارس الذي يقتصر على الأمن والدفاع. وكذلك ظهرت في أوروبا الأفكار التي تتحدث عن الحرية السياسية، والحقوق الأساسية للمواطن. وأثناء ذلك ترسخ مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، وأصبحت الكنيسة مجرد مؤسسة من مؤسسات المجتمع ليس لها سلطة فرض آرائها على المجتمع. كما تأكدت ظاهرة الدولة القومية التي لها حدود معينة، وسيادة على أراضيها وحكام مدنيين يمارسون تلك السيادة.

خريطة القوى الدولية:

يمكن تصنيف أبرز الدول المستقلة آنذاك حسب أربعة أقسام:

  1. الدول الكبرى: وهي بريطانيا، وفرنسا، وبروسيا، وروسيا، والإمبراطورية الرومانية المقدسة (النمسا).
  2. الدول المتوسطة: وهي إسبانيا، والبرتغال، والسويد، وهولندا، والدولة العثمانية، والولايات المتحدة الأمريكية.
  3. الدول الصغيرة: وهي فارس، والدانمارك، وبلجيكا، وسردينيا، وسويسرا.
  4. الدول القزمية: وهي حوالي ۳۰ دويلة ألمانية مثل دويلات بريمن، وبادن، وبافاريا، ومجموعة من الدويلات الإيطالية مثل بارما، وتوسكانيا والصقليتين.

ويلاحظ أن هذه الدول، ماعدا الدولة العثمانية وفارس والولايات المتحدة، كانت دولا أوروبية. وتكونت كامتداد للتطور الذي شهدته أوروبا منذ القرن السادس عشر بتطور الفكرة القومية ونشأة دول مستقلة ذات سيادة.

كما كان النظام السياسي في تلك الدول نظاما ملكيا. فروسيا حكمتها آنذاك أسرة رومانوف، وبروسيا حكمتها أسرة هوهنزلرن، والنمسا حكمتها أسرة هابسبورج، وبريطانيا حكمتها أسرة ستيوارت حتى سنة ١٧١٤ وبعدها أسرة هانوفر حتى سنة ۱۸۳۰(وإن كانت الملكية البريطانية جرى تقييدها من قبل البرلمان منذ عام ١٦٨٨، بينما كانت بقية الدول الأوروبية تحكمها ملكيات غير مقيدة). أما فرنسا فقد حكمتها أسرة البوربون حتى سنة ۱۷۹۲ ثم عادت للحكم مجددا من سنة ۱۸۱۰ حتى سنة ١٨٢٤.

وقد مثل اندلاع الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر زلزالا ضرب استقرار القارة الأوروبية، وهدد عروش الأسر الحاكمة مع إعلان قيام دولة جمهورية لأول مرة في قلب أوروبا، وهو ما سنتناول تداعياته في المقال القادم بإذن الله.

المصادر:

يمثل هذا المقال تلخيصا لمباحث من الفصل الثاني في كتاب (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) للدكتور محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *