By / 28 مايو، 2020

بَلْ أنتم بَشرٌ مِمَّنْ خَلَقْ

د. علي فريد

كاتب بالشأن العام

مَا حَدَثَ لَنَا حَدَثَ لغيرِنَا..

مَا فَعَلَهُ غيرُنَا يَجِبُ أن نَفعَلَه..

تَنهضُ الأممُ بالأسبابِ كما تَسقطُ بالأسباب..

امتلاكُكَ العقيدةَ الصحيحة يُؤهلُكَ للنصرِ ولا يُحققه!!

اكتفاؤكَ بالعقيدة الصحيحة خَللٌ في فهمكَ للعقيدة الصحيحة!!

الأسبابُ المُمْكِنِةُ بوابةُ الأسبابِ الكافية.. تتابع الممكن نصر، وتتابع الكفاية فتح!!

التاريخُ حَركةُ الإنسانِ في الزمانِ والمكان، ومَا أَصلُهُ الحركة عَبثٌ أنْ تَعتقدَ ثَبَاتَه!!

لا ثابتَ- تَحتَ القَدَرِ والقُدرَة- سوى التَّغَيُّر!!

مَا يَحدثُ لا بُدَّ أنْ يَحدثَ لِيَحدُثَ ما ينبغي أنْ يَحْدُث!!

– لماذا ينجحون ونفشل؟!

– هذا سؤالٌ تافهٌ وغبيٌ ومُمِل!!

لقد نجحنا عشرة قرون وفشلوا عشرة قرون!!

أينَ- في التاريخ- رأيتَ نجاحاً دائماً أو فشلاً دائماً؟!

وكيف يمكن أن تصبح الدنيا (دُنيا) مع النجاح الدائم أو الفشل الدائم؟!

لم تُبنَ الدنيا على هذا أو ذاك، ولو بُنِيتْ على هذا أو ذاك لكانت جنةً بالنجاح أبداً، أو ناراً بالفشل أبداً، وَلَكَانَ خَلقُها- من البداية- عبثاً ولهواً.. وحاشاه جل وعلا أن يخلق عبثاً أو يتخذ لهواً!!

مَا على من أرادَ أن يَفهمَ الدنيا إلا فَهْمَ نَفْسِه!!

مَا خلق الله الدنيا لكَ وجعلك سيداً فيها- وليس سيداً لها- إلا وقد رَكَّبَ فيكَ بعضَ ما رَكَّبَ فيها من سُنَنِ الحركة والمدافعة والتغيير؛ فأنتَ لها كالولدِ للوالدة، وهي لكَ كالوالدة للولد؛ فيكما منكما ما به تدوم الحركةُ والمدافعة والتغيير؛ فإذا سَكَنَ أحدكما فَسَدَ وأفسدَ الآخر.. وهيهات السكون وقد طُبِعْتُمَا على الحركة!!

الإنسانُ للزمانِ والمكانِ كالعلة للمعلول؛ هما حَدَّاهُ اللذان يتغيران بحركته، وهو القلبُ الذي ينبض لحركتهما.. مُتَغيرٌ يُغَيِّرُ مُتَغَيراً.. وكلٌ في فلك يسبحون!!

” أنتَ في الدنيا.. ولا حَلَّ لذلك”!!

ليس أمامكَ سوى فَهمِ قوانينها وسُننها، ثم بذل الجهد للعمل فيها حسب قوانينها وسُنَنِهَا.. ولا سُنَنَ في الدنيا أقوى من المدافعة الدائمة، والحركة الدائبة.

الأمورُ بخواتيمها.. وخواتيمُ الأمور في نضج أسبابها لا في انتهاء حياتك!!

حياتُك- في نهر التاريخ- ليست في الحسبانِ إلا بقدر ما تُنتجُ فيها من آلياتِ حركةٍ أو أدواتِ تغيير، وإلا فهي قطرةٌ خرجت من منبع، وجرت في مجرى، وتاهت في مَصَبّ.. ثم إلى ربك المنتهى!!

لقد نجحنا عشرة قرون.. فيها من الانتصارات والانكسارات والفتوح ما تُستوفَى بمثله المغانم، وتُستخلصُ بمثله المغارم.. ولا تخلو أمةٌ مِن ضِدٍّ، ولا فَردٌ مِن نِدَّ.. وكما يرفعك اللهُ- نجاحاً- بالقوانين والسنن، ويضعك- فشلاً- بالقوانين والسنن؛ يرفعُ اللهُ الأممَ ويضعُها بذات القوانين والسنن.. تعاقبٌ كتعاقب الليل والنهار؛ فيه من حُلْكَةِ الليل وسُكونِه، ونورِ النهارِ وحركته؛ ما به يُنفذُ اللهُ أقدَارَه، ويُجري سُنَنَه، ويتخذ شهداءَه، ويمتحن أولياءَه!!

لقد نجحنا عشرة قرون.. بيد أنك تقرأ النجاح الماضي قراءةَ متكئٍ على أريكته، أو قراءة مُلتقطٍ عجلان- في كتابٍ أو كتابين من كتب التاريخ-، ثم تُعايش الفشلَ الحاضر ساعةً بساعة ويوماً بيوم ويأساً بيأس؛ غافلاً عن أنَّ ما تقرؤه الآن- متكئاً على أريكتك- عَاشَهُ أصحابُه أيضاً ساعةً بساعة ويوماً بيوم ويأساً بيأس؛ فلا الناجحُ دامَ نَجَاحُه ولا الفاشلُ دام فَشَلُه، وإنما هو السعي والكدح والتدافع!!

ما نحن فيه طبيعي جداً..

من غير الطبيعي أن نظلَّ كما نحن!!

كيف يمكن أن يخطر في بال عاقل أن أكثر من مائتي سنةٍ من الركود والتحريف والتغريب والتجريف، والاحتلال الكامل؛ يمكن أن يُمحَى أثرُه في عِقدٍ أو عقدينِ مَا تزالُ السيادة فيهما لأسباب التحريف والتجريف!!

وكيف يمكن أن يخطر في بال عاقل أن أمةً- كأمتنا- تملكُ كلَّ مقومات النهضة- مادياً ومعنوياً-؛ يمكن أن ييأس أبناؤها من تقليص فارق القوة بينها وبين أعدائها، في الوقت الذي كان أعداؤها هؤلاء يدفعون الجزية لبعض أقاليم الأمة منذ ثلاثمائة سنة فقط، ثم لم يَخلُ عِقدٌ زمني كامل- بعد ذلك وحتى الآن- من تمريغ رؤوسهم في الوحل على يدي ثلة من المجاهدين الصادقين بسلاحٍ خفيف وعقيدة ثقيلة؟!

الأمور لا تنقلب فجأة، وإنْ ظَنَّهَا المتعجلون كذلك!!

النهضةُ: تفاعلُ نتائجِ الفشلِ مع عواملِ إرادةِ النجاح!!

ونتائج الفشل تحتاج زمناً لظهورها، وزمناً لمحو آثارها.. تماماً كعوامل إرادةِ النجاح التي تحتاج- أيضاً- زمناً لبذرها، وزمناً لاستنباتها، وزمناً لقطف ثمارها، ثم لا بأس- بعد ذلك وخِلالَه- ببعض عوارض اليأس التي لا تُقيِّدُ حركةً ولا تعيق فعلاً ولا تُسقط هِمَّة!!

لقد استيأسَ الرُّسُلُ وظنوا أنهم قد كُذِبُوا..

” قال نوحٌ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا”.. يونس: “ذهب مغاضباً وظن أن لن نقدر عليه”.. يعقوب:” تولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم”.. يوسف:” قال للذي ظن أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك”.. موسى: “قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي”.. لوط: قال:” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد”.

طوارقُ اليأس عوارضُ بشرية لا يكاد يسلم منها بشر؛ والعارضُ لا يُقاسُ عليه؛ فإن أحبطكَ فسادُ واقِعكَ فتذكَّر حكمةَ إيجادِ الله لكَ فيه؛ فما أوجدكَ فيه إلا لإصلاحه، وقد جئتَ في وقتك تماماً- لا قبله ولا بعده- كما جاء المصلحون والمفسدون معاً؛ فانظر أين ستضعُ نفسك.. وكن على يقينٍ من أنَّ ما سَتُصلِحُه أنتَ اليوم سَيفسدُه غيرُك غداً، وما سيفسدُه غيرُكَ غداً سيصلِحُه غيرُه بعد غد؛ في حركةٍ دائبةٍ من الصراع والتدافع؛ فلا الإصلاح سيدوم ولا الإفساد سيدوم، وإنما هو العمل الذي تَعَبَّدَكَ الله به دون أن يكون لك من الأمر شيء!!

ما يعيشه المسلمون الآن لن يدوم، وهو- مع ذلك- طبيعي جداً؛ حدثَ لغيرنا كما يحدثُ لنا، وسينتهي عندنا كما انتهى عندهم، فلا يُيْئِسَنَّكَ إرجافُ المُرجِفين وتثبيطُ المُثَبِّطِين؛ فليسَ أكثرَ من النائحاتِ في المآتم!!
” ذلكَ الطافي سيطفو غَيرُهُ ويَظلُّ الغائرُ المنشودُ أروعْ”
هي (أزمنةُ مَعَابر انتقالية).. وأزمنة المعابر موحشةٌ وَحشة الخروج من حالٍ اعتدناه فاعتبرناه أصلاً وما هو بأصل، ووحشة الدخول في حالٍ جهلناه فاعتبرناه طارئاً وما هو بطارئ، وليس أخوف للإنسان من قادمٍ غامضٍ يلوحُ فتستشرفه النفوس ثم لا تدري أعارضٌ ممطرٌ هو، أم ريحٌ فيها عذاب أليم!!

طبائعُ الأزمنةِ الموحشةِ واحدةٌ في كُلِّ عَصرٍ ومِصْر:

الإحباطُ والكآبة.. الخوف والقلق.. الأنانية والفَردانية.. اختلالُ المعنى وضبابية الغايات.. الشعور بالضآلة والضياع.. سقوط الثوابت أو اهتزازها.. الاستهانة بالمقدس أو إنكاره.. الانشغال بسفاسف الأمور.. عُلُوُّ السِّفلةِ وتَغَلُّبُ الأوباش.. إسقاط الرموز وتسيُّد الرويبضات.. التأرجح بين الأفكار ونقيضها.. التَّفلُّتُ من العملِ بطلبِ أعلى العمل.. غَلَبَةُ الشبهات والشهوات.. التجمد في أعراض ما بعد الصدمة.. الارتهان النفسي لمتوالية الهزائم..

وليس أسوأ- في طبائع هذه الأزمنة- من خروج السَّقَطِ والأنصافِ ومُحْدَثِي فَكِّ الخَطِّ وتَهَجِّي الحرف على الناس لقصفهم بالشبهات والشهوات صباحَ مساء، وضربهم بالتفاصيل التي يكمن فيها الشيطان، وإشغالهم بمعارك جانبية تافهة لا يُرجى من ورائها علم ولا يُبنى على تفاصيلها عمل؛ تؤزهم في ذلك نفسياتٌ مريضة مهزومة مأزومة؛ لا هَمَّ لها سوى استخراج أسوأ ما طمره الماضي؛ لتخلطه بأبشع ما قاءه الحاضر، ثم تتهارش مع الناسِ حول السوء والبشاعة كما تتهارش الكلابُ على العظام القذرة!!

المعتزلة والأشاعرة.. السلفية والصوفية.. تجديد الخطاب الديني.. تنقية التراث.. البخاري ومسلم.. قراءة ثانية للإسلام.. الحرية قبل الشريعة.. تمكين المرأة.. تعدد الزوجات.. لا دولة في الإسلام.. الشيوخ سبب الإلحاد.. الجهاد والجهاديون سبب الخراب.. الإسلاميون لا يملكون مشروعاً.. تهنئة النصارى بأعيادهم.. المواريث.. الحرية الجنسية.. قبول الآخر (ذاك الذي يجب أن تقبله وقدمه فوق رأسك)!!

هذا.. وغيره.. وأمثاله.. يكادُ يكون لازماً من لوازم الأزمنة الانتقالية في حياة الأمم كلها؛ فاحذر نقيق كائناتها المشوهة التي تتخلق في عفن مستنقعاتها؛ فهي أشد وطأة عليك من تلك الأزمنة ذاتها، وما اشتدت وطأةُ تلك الأزمنة إلا لوجودِ تلكَ الكائنات فيها!!

تجميدكَ في أعراض ما بعد الصدمة هو هدفهم الأساس؛ فالصدمة مثيرٌ لا بد له من استجابة، وليس للصدمة سوى استجابات ثلاث: المقاومة أو الهرب، أو التجمد.. فإن قاومت أو هربت؛ فقد اتَّسَقَتْ استجابتُك مع طبيعة الحياة والأحياء، وصارت الصدمة لكَ بوابة تغييرٍ لا قبر موت؛ (ولا يُدهشنك أن يكون الهربُ مقاومة؛ فهو- لحفظ النفس، وتجديد العزم، وتلافي الأخطاء، واستحداث الأدوات- أصل كل مقاومة).. وإن تجمدت؛ فسيدكونك بالصدمات تباعاً حتى يكون أهون ما تلقيته هو الصدمة الأولى؛ فلا تستفيق من صدمةٍ إلا ليوقعوك في أخرى، ولا تخرج من دَرَكَةٍ إلا ليسقطوك في التي تليها؛ “ظلماتٌ بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها”، حتى يوصلوك إلى (الصدمة المعقدة) التي تُحيل طاقة الحياة الخارجة منك إلى طاقة موتٍ محصورةٍ فيك؛ فتصبح طاقتُكَ كالماء الآسن؛ حِيْلَ بينه وبين الجريان؛ فصار مستنقع أوبئة تتخلق فيه ومنه حشراتٌ تتغذى به وعليه؛ فكأنك- بتجمدك في أعراض ما بعض الصدمة- تخلق في نفسك من نفسك ما يلتهم نفسك.. ولا يلتهم النفوسَ شيءٌ مثلُ الخوف، والقلق، والاكتئاب، والخيالات المقتحمة، والذكريات المعاودة، والشعور بالخزي والعار.. وكلها أعراض ما بعد الصدمة المراد تجميدك فيها!!

فإنْ قِسْتَ على حال الفرد حالَ الأمة؛ فستجد حالَ الأمة قريباً من حالِ الفرد.. صدماتٌ متوالية في الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والهُويَّة؛ يوقعوننا بها في أمراض الأزمنة الموحشة؛ لتتآكل الأمة من الداخل، أو تخلق من نفسها في نفسها ما يلتهم نفسها، أو تنقسم بين تيارين أحمقين لا يشتد بأسهما إلا بينهما: تيارٍ متجمدٍ في أعراض ما بعد الصدمةِ مغلوبٍ على أمره، صار- لطول استسلامه للاضطهاد- مازوخياً يستلذ بالعذاب، ويركن للسلمية المناقضة للفطرة، ولطبائع الحياة والأحياء، وللسيرة النبوية ذاتها.. أو تيارٍ متحركٍ دائماً وأبداً دون وعي أو هدف أو غاية؛ سيطرت عليه- لطول شعوره بالاضطهاد- رغبةُ الانتقام المجردةُ من الوعي أو الغاية أو الهدف؛ فصار كالفيل الغاضب في متجر خزف!!

وليس السؤال الآن السلمية أم السلاح؛ فهو سؤال سفسطائي أنتجته الصدمة للانشغال به عن الحركة في الواقع- ولا حركة في الواقع دون جهادٍ لسانيٍّ أو سنانيّ- فلا محل للسؤال إلا عند من أقعدته الصدمة عن العمل؛ فاستسلم لها ثم فَلْسَفَ استسلامه بالسلمية!!

تسييلُ طاقةِ الأمة المتجمدة وانعتاقُ جسدها وروحها من الصدمة هو السؤال الأساس، ولا جواب لهذا السؤال إلا بمعرفة من نحن وماذا نريد، ثم معرفة طبيعة المرحلة التي نعيشها؛ إذ معرفةُ طبيعة المرحلة أصلٌ في معرفة كيفية الخروج منها.. فإذا عرفت- يقيناً- أنك مسلمٌ أولاً وآخراً؛ ولستَ مصرياً أو سورياً أو عراقياً، أو غير ذلك من هُويَّات الجاهلية التي فرقت الأمة وأذهبت ريحها وجعلت بأسها بينها شديداً، ثم ظَهَرَتْ هذه المعرفة في حالك واقعاً لا في لسانك قولاً فقط؛ فواليتَ عليها وعاديت؛ كنتَ قميناً أن تعرفَ مرادَ الله منك فتعمل به وله وفيه حسب طبيعة المرحلة التي أوجدك الله فيها؛ غير منتظرٍ لثمرة أو مُحْبَطٍ بعقبة أو مُنتَكِسٍ بفتنة.. ولا شيء يضيع سدى؛ فإن نجحت فبها ونعمت، وإن فشلتَ فقد بذرت بذراً يوشك أن يستنبته غيرُك، وألقيتَ أُسُسَاً يوشك أن يبني عليها سواك.. وما أكثر ما أصلحَ اللهُ بفردٍ أمة وبطائفةٍ طوائف!!

أتحبطك الفُرقةُ والتشرذم، والهزائم المتتالية؟!

وهل كانت أمريكا- إن كانت تكبر في صدرك- سوى ولاياتٍ متفرقةٍ؛ تكونت شيئاً فشيئاً من شذاذ آفاقٍ ومغامرين وتجار ولصوص وقَتَلَة ومضَّطَهدين في بلادهم الأصلية؛ كإسبانيا وإنجلترا وهولندا والبرتغال وفرنسا، ولم يجتمع الشعب الأمريكي- إن صح أن تُسمى هذه الأوشاب شعباً- في جمهورية واحدة على الهيئة التي تراها الآن إلا بعد أكثر من مائتي سنة من الفرقة والتشرذم وتداخل الولاءات الاستعمارية، والهزائم المتتالية، والثورات، والحروب الأهلية!!
ألمانيا والألمان- الذين تراهم الآن ورأيتهم أيام هتلر- كانوا منذ مائتي سنة تقريباً أضحوكة الغرب كله.. أكثر من ثلاثمائة دويلة مع أكثر من ألف وخمسمائة كيانٍ بين متوسطٍ وصغيرٍ ومتناهٍ في الصِغَر، اعتادوا- كالعرب الآن- الهزائمَ والانكساراتِ حتى وصفهم تولستوي على لسان أحد شخصيات روايته (الحرب والسلام) قائلاً:” إنهم لا يجيدون شيئاً سوى التناحر فيما بينهم، وهم دائماً يُهزمون، محظوظٌ من يحاربهم، محظوظٌ نابليون الذي لم يحارب حتى الآن سوى الألمان؛ ومَن الذي لم يهزم الألمان؟!”.. وحين ظهر (بسمارك) رافعاً شعاره الشهير:” المشاكل المهمة لا تُحل بالخطب؛ بل بالحديد والدم”؛ فرض الوحدة قسراً- عسكرياً وسياسياً-، وسار بالألمان من نصر إلى نصر، حتى أسقط باريس، ولم يكتفِ بهزيمة جيوش فرنسا النابوليونية التي أذلت بلاده سابقاً فقط؛ بل أعلن تأسيس الامبراطورية الألمانية من قصر فرساي الفرنسي نفسه بعد استيلائه عليه.. وكانت لحظة (فرساي) هذه هي اللحظة الختامية لمحاولات توحدٍ فاشلة استمرت أكثر من مائة سنة!!

الجيش الأمريكي الذي ترى قواعده الآن في كل مكان؛ كان- إبان الثورة الأمريكية- مجرد ميليشيات مدنيةٍ مشتتةٍ لم تصل في مجموعها إلى عشرين ألف جندي، ولم تملك سلاحاً حقيقياً أو مؤناً أو عتاداً أو ملابس كافية، وخاضت- في ثمان سنوات- أكثر من مائة وخمسين معركة؛ هُزمت في معظمها، وانسحبت- مع قائدها جورج واشنطن- من كل أرضٍ فتحتها؛ حتى عَمَّ اليأسُ كثيراً من الضباط والجنود، وانقلب كثيرٌ منهم على جورج واشنطن في مؤامرتين متتاليتين قمعهما بشدةٍ وعنف..

ما دمتَ مصمماً على الاستمرار؛ فلا خسارة في الهزيمةِ وإنْ هُزمت؛ كلُّ هزيمةٍ عاجلةٍ نصرٌ آجل إنْ تَعَلَّمْتَ منها!!
أيحبطكَ قِلةُ وعي الشعوب المسلمة وانشغالها عن الغضب للدين وأحكامه بالغضب للقمة العيش؟! أيحبطك انشغال من يسمونهم النخبة بالسفسطة الفارغة والتناحر فيما بينهم على سفاسف الأمور؟!

الشعبُ الأمريكي الذي رُوِّجَ لمبادئيته ومُثُلِهِ العليا لم يَثُر في القرن الثامن عشر من أجل المبادئ والمُثُل؛ بل من أجل (أكياسِ شايٍ) فرض الاستعمار البريطاني الضريبة والجمارك عليها، مختتماً بذلك سلسلةَ ضرائب على السكر والورق والزجاج ومواد البناء؛ فجاءت ضريبة الشاي كالقشة التي قصمت ظهر البعير؛ فأشعلت غضبَ شريحةٍ لا يُستهان بها في ثلاث عشرة مستعمرة أمريكية، وانقسم- رغم ذلك- الشعبُ الأمريكي إلى ثلاثة أثلاث؛ ثلثٌ مع الثورة على بريطانيا، وثلثٌ مع بريطانيا على الثورة، وثلثٌ (حزبُ كنبة) لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!!

في وجود الرغيف قد يتغافل العامةُ طويلاً عن إسقاط المبادئ، فإذا فُقِد الرغيف فكل شهوة لهم تصبح مبدأً يتشدقون بالدفاع عنه، ولا هدف لهم سوى الرغيف!!

في مرحلة الصراع بين ستالين ورفاقه ضد تروتسكي وزينوفيف؛ كتب أحدُ العمال قائلاً:” وأنتم تتجادلون فيما بينكم قد تموت أسرتي من الجوع.. سجالاتكم لا تختلف عن السجالات الدينية في القرون الوسطى”!!

أتحبطك الخيانات وتعدد الولاءات واللعب بالمبادئ والبحث عن حظوظ النفس؟!

تسعة وستون بالمائة من الموقعين على وثيقة الاستقلال الأمريكية كانوا موظفين لدى بريطانيا ومرتبطين بها استعمارياً، ولم يقرأ وثيقة الاستقلال من شرفة مجلس مدينة بوسطن سوى (توماس كرافتس) عضو جماعة (المخلصين التسعة) التي عارضت اتخاذ أي إجراء عسكري ضد الاحتلال البريطاني والبريطانيين!!

(بيندكت أرنولد).. بطل السنوات الأولى في الثورة الأمريكية، دَوَّخَ البريطانيين في معارك كثيرة؛ فأعجب به واشنطن وأرسله إلى فيلاديفيا (نُصرةً) لها؛ فلم يكتف بالانقلاب على واشنطن؛ بل خطط- بعد زواجه من ابنة أحد الأمريكيين الموالين للتاج البريطاني، وبتشجيعها- للالتحاق بالبريطانيين وتسليمهم منطقة (ويست بوينت)، ثم هاجم ولاية فرجينيا وأنهى خيانته بالهجوم على مسقط رأسه (كونكتكت)؛ ليحصل على رتبة عميد في الجيش البريطاني بلا عملٍ حقيقي أو وظيفة، ويعيش سنواته الأخيرة في بريطانيا مكتئباً ومصاباً بمرض عصبي نتيجة ازدراء البريطانيين وتنكرهم له!!
في الثورات؛ لا نكاد نعرف أيهما أسرع سقوطاً؛ الثوار، أم الأنظمة التي ثاروا عليها!!

أيحبِطُكَ ما يقال عن الدم المسفوك دون جدوى؟!

في معركة (بنكرهيل) أراد الجيش البريطاني حصار بوسطن فقرر احتلال المرتفعات حولها، وحين عرفت المليشيات الأمريكية ذلك قررت تفويت الفرصة عليه باحتلال هضبة (بنكرهيل).. ولأنهم كانوا مليشيات بدائية لا يكادون يعرفون جغرافية بلدهم؛ احتلوا هضبة (برييد هيل) بدلاً من (بنكرهيل)، واستعدوا ببنادق صيد وسيوف وخناجر للقاء جيش نظامي مزودٍ بأحدث أسلحة العصر؛ وكانت المفاجأة أنهم أبادوا الموجة الأولى للهجوم البريطاني ثم الموجة الثانية، ثم استحر القتلُ فيهم بعد نفاد ذخيرتهم في الموجة الثالثة؛ فانسحبوا تاركين الهضبة للجيش البريطاني بعد أن كبدوه خسارة مُذلة غَيَّرَ بعدها تكتيكاته في الحرب؛ معتبراً أن الثمن المدفوع في الاستيلاء على هضبةٍ لا جدوى حقيقية من الاستيلاء عليها؛ هزيمةٌ رغم وهم الانتصار، وخسارةَ المليشيات الأمريكية لهضبةٍ لا مكسب حقيقي من الاحتفاظ بها بعد إذلال الجيش البريطاني فيها؛ نصر رغم وهم الهزيمة!!

في بعض المراحل.. إذا لم تستطع هزيمةَ عدوك فلا أقل مِنْ أن تجعل انتصارَه صَعباً!!

أيحبطكَ تَحَزُّبُ لصوصِ المحميات العربية وأسيادُهم على ثورات العرب وجهاد المسلمين؟!

اجتمعت دول أوروبا على الثورة الفرنسية ومخرجاتها، وتحزبت سبعة جيوش أوروبية ضد الثورة، وأعادت الأسرة الملكية الحاكمة، واحتلت باريس، وهزمت نابليون، ثم تسربت أفكار الثورة الفرنسية إلى تلك الدول ذاتها، وكانت عاملاً مهماً من عوامل تثوير شعوبها وإسقاط أنظمتها.. ومَنْ يدرس تاريخ القرن التاسع عشر جيداً سيكتشف أنه قرنُ صراعٍ وتدافع بين أفكار الثورة الفرنسية ومخرجاتها، وبين الثورات المضادة لها..
ليس هناك ثورات فاشلة؛ هناك ثوارٌ استسلموا!!

أتحبطك فوضى الثورات وعدم امتلاكها مشروعاً متكاملاً للنهضة أو تصوراً واضحاً للحكم؟!

ومَن قال لك أن ثورةً في التاريخ امتلكت- قبل اشتعالها- مشروعاً كاملاً للنهضة، أو تصوراً واضحاً للتعامل مع واقع ما بعد الثورة؟! إنهم يكذبون عليك ليشغلوك عن الأصل بالفرع، وعن المتن بالهامش..

لم تكن مفاهيم الثورة والوحدة والاستقلال والدستور موجودة أصلاً إبان الثورة الأمريكية.. لم يرفع المستوطنون شعار:” الشعب يريد إسقاط النظام”، بل رفعوا شعار:” لا ضريبة دون تمثيل”، فانحصر اعتراضهم حول ضرورة تمثيلهم في البرلمان البريطاني لأنهم كانوا يعتبرون بريطانيا هي الوطن الأم.. لم يكن هناك أكثر من هذا عشية ما سُمِّي بـ(حفلة الشاي) في بوسطن.. وشيئاً فشيئاً بدأت أفكار الثورة والاستقلال والوحدة تنبت في نفوسهم وعقولهم، ونسجت الأقدار نسجها الغريب بظهور (توماس بين)- الكاتب البريطاني المتأمرك المغمور-؛ فكتب كُتيباً صغيراً أشبه بالمذكرة؛ عنوانه (الفطرة السليمة)؛ فكان هو (كـفأر السد) الذي خلخل سدود بريطانيا الاستعمارية في أمريكا، وكان كُتيِّبُه الصغير كعود ثقاب أشعل في النفوس آمال الوحدة والاستقلال والثورة، حتى أمر جورج واشنطن بقراءته على الجنود والمستوطنين في كل مكان.. وحين بدؤوا حرب الاستقلال كان وضعهم- مقارنة ببريطانيا- مُزرٍ جداً بلا دولةٍ أو حكومةٍ أو جيشٍ حقيقي أو نظامٍ ماليٍ أو سياسيٍ أو إداريين أكفاء.. وازداد الوضع سوءاً حين فرضت بريطانيا الحصارَ على سواحلهم فحرمتهم من وسيلة التواصل والسفر والتجارة الوحيدة بين مستوطناتهم؛ ليجدوا أنفسهم مضطرين لاستحداثِ طرقٍ برية بطيئٍة وقليلةِ الجدوى!!

في الثورة الفرنسية.. بدأت التهيئة الفكرية لها بكتابات (ميكافيلي) الإيطالي و(هوبز) و(لوك) الإنجليزيين؛ وانتقلت تلك الأفكار إلى فرنسا عن طريق (جان جاك روسو) و(مونتسكيو) اللذين قَعَّدَا لنظريتي (فصل السلطات)، و(العقد الاجتماعي).. وبجماليات أدب (فولتير)- الذي حَوَّلَ فلسفةَ هؤلاء وتنظيراتهم إلى خُطب وأشعار-؛ شُحِنَتْ أرواحُ الفرنسيين بالرفض والتمرد.. وبنفي زعماء الثورة السويسرية (كاستيلا، وريباز، وإيتان دمون) إلى فرنسا؛ تفاعلت خبرات الثورة السويسرية الموؤدة مع بوادر الثورة الفرنسية الوليدة.. ولم يُترجم كلُّ هذا إلى ثورة إلا حين بلغت المعاناة حدها الأقصى بعد موت لويس الرابع عشر، ثم لويس الخامس عشر، ثم اندلعت الثورة في عهد لويس السادس عشر؛ فعمت الفوضى أرجاءَ البلاد، وتَغَيَّرَ الدستور أربع مرات في خمس سنوات، وفشل الثوار فشلاً ذريعاً في التعامل مع مشكلات ما بعد الثورة، وضربت المجاعةُ الفرنسيين حتى جُمعت المواد الغذائية قسراً من فلاحي فرنسا كلها فلم تكف لإطعام باريس وحدها، وانقلب الفرنسيون على الثورة والثوار حتى صاروا يبحثون عن مُخَلِّصٍ ولو كان ديكتاتوراً، وتعددت لجانُ الثوار وجمعياتُهم وفصائلُهم وانقلاباتُ بعضهم على بعض؛ حتى دخلوا عصرَ إرهابٍ تساوت فيه- تحت المقصلة- رقابُ الثوار مع رقابِ من ثاروا عليهم؛ فأكلت المقصلةُ (دانتون)، و(سانت جاست)، و(روبسبير)؛ كما أكلت لويس السادس عشر وماري أنطوانيت!!

في الثورة الروسية.. لم يكن الألماني (كارل ماركس) يسعى لانتصار البروليتاريا؛ بل كان يراها حتميةً تاريخية ستقع دون سعي أو عمل.. حتى جاء لينين وتروتسكي فالتقطا الفكرة وطوراها وعملا عليها، ثم يئسا وهاجرا، ثم اندلعت الثورة حين توفرت ظروفها؛ فعادا ورَكِبَاهَا، ثم التقطَها منهما الأعنف والأقسى والأخبث ستالين؛ ليستقر المشروعُ الشيوعي السوفيتي على نحوٍ لم يكتبه ماركس أو يطوره لينين أو يتمناه تروتسكي!!

الثوراتُ لا تحملُ مشاريعَ متكاملة.. هي رؤى فكرية، وأهدافٌ كلية، ومبادئ عامة؛ تتفاعل عبر زمنٍ- يطول أو يقصر- مع دواعي الثورة في المجتمع، حتى تتهيأ لها شرارة مناسبةٌ لانفجارها؛ فتنفجر محدثةً انقلاباً في المفاهيم والتصورات والأوضاع، يعقبه تدافع دموي بين الجديد والقديم، مع ارتدادات متتابعة تنضج بها الرؤى والمبادئ والغايات؛ لتتنزل على الواقع في صورة مشاريع متخصصة تتغير تفاصيلها بتغير الواقع وتقلباته.

إنْ أحبطكَ ما نحن فيه الآن وكَبُر في نفسك ما هم فيه الآن؛ فاقرأ تاريخنا وتاريخهم لتكتشف أنَّ ما يحدثُ لنا- رغم بشاعته- لا يعادل ربع ما حدث لهم أو ما فعلوه بأنفسهم قديماً وحديثاً.. وما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بتجرعهم قديماً أضعاف ما نتجرع حديثاً، وما انتصروا علينا لفرطِ ذكاءٍ رُكِّبَ في فِطَرِهِم وحُرِمنَا منه؛ بل لبشاعة تجاربهم التي تعلموا منها وطبقوها علينا.. فإن ظننت- لفرطِ قوتهم- أنهم لا يُقهرون؛ فقد ظنوا هُم أيضاً- لفرطِ قوتنا قديماً- أننا لا نُقهر، ولم ينتبهوا إلى إمكانية قهرنا أو هزيمتنا إلا بعد انكسار الدولة العثمانية أمام فيينا سنة 1683م؛ فتحولت نفسياتهم المسحوقة إلى نفسياتٍ متطلعة، وتَنَزَّلَ المستحيلُ في نفوسهم شيئاً فشيئاً حتى صار ممكناً.. ولا ينتصر المهزوم إلا إذا تحولت (نفسيةُ الهزيمة) فيه- بنصرٍ ما ولو كان ضئيلاً- إلى (نفسيةٍ إمكانٍ) تضؤل بها في عينه هالةُ عدوه رويداً رويداً حتى تختفي..

في الفتوحات الأولى للمسلمين أمرَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه عبدَ الرحمن بنَ ربيعةَ الباهلي بغزو الترك- قبل إسلامهم- ومناوشة الخزر على بحر قزوين؛ ولكثرة انتصارات المسلمين؛ ظن التُركُ أنَّ المسلمينَ لا يموتون، وظلوا على هذا الظن حتى عهد عثمان رضي الله عنه، ثم تذامروا- على حد قول الطبري- من كثرة انتصارات المسلمين عليهم، وتواعدوا على نصب كمين لهم ليتأكدوا هل يموتون أم لا، ورمى أحدُ الترك أحدَ المسلمين بسهمٍ فقتله؛ فتيقن التركُ أن المسلمين بشرٌ أمثالهم يموتون كما يموتُ الناس؛ فقويت نفوسهم وحميت عصبيتهم، وخاضوا معركة (بلنجر الثانية، بداغستان اليوم) فهزموا المسلمين، واستشهد عبد الرحمن بن ربيعة، وانحاز سلمان الفارسي، وأبو هريرة رضوان الله عليهما- وكانا في المعركة- إلى مدينة جيلان.. ومن الغرائب آنذاك أنَّ الترك أخذوا جثمان عبد الرحمن بن ربيعة؛ فكرموه وبنوا عليه مقاماً يزورونه ويستسقون به!!

وليس أدلَّ على ما يمثله تغير نفسية الهزيمة بنفسية الإمكان من قول المثنى بن حارثة رضي الله عنه لجنوده بعدما سحقوا الفُرسَ في معركة البويب:” قاتلتُ العربَ والعجمَ في الجاهلية والإسلام، واللهِ لمائةٌ من العجم في الجاهلية كانوا أشد عليَّ من ألفٍ من العرب، ولمائةٌ اليوم من العرب أشد عليَّ من ألفٍ من العجم؛ إن الله أذهبَ مصدوقتَهم ووهَّنَ كيدهم؛ فلا يروعنكم زهاءٌ ترونه ولا سوادٌ ولا قِسِيٌّ فُجٌّ ولا نبالٌ طوال؛ فإنهم إذا أُعجِلوا عنها أو فقدوها؛ كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت.”!!

لا يهولنك ما ترى وتعايش؛ فالأمر نَفْسِيٌ ابتداءً.. فإن زالت نفسية الهزيمة فيك بنفسية الإمكان؛ هانَ- باستصحاب العقيدة- اتخاذُ الأسباب، والتحركُ في الواقع حسب تقلبات الواقع!!

ما ذلت أمةٌ في الأرض كما ذلَّ اليهود، وما حلمت أمةٌ في الأرض كما حلم اليهود.. قبل ستة وستين سنة من قيام ما يُسمى بدولة إسرائيل كتبَ أحدُ اليهود الروس من فلسطين رسالةً إلى صديقه المؤرخ الروسي شمعون دوفنوف، يقول فيها:” لم آتِ إلى إسرائيل لأبني حياتي الشخصية، عليَّ العَفَاءُ لو أردتُ ذلك، بل هدفي وحلمي- وهو حُلمٌ ليسَ بعيد المنال- أن نسيطر على أرض فلسطين ونبني دولتنا.. لا تضحك مني.. سنبني دولتنا”.. ثم ذَكَرَ عِدَّةَ وسائل لفعل ذلك منها: تأسيس المستعمرات الزراعية والصناعية، وإنشاء المصانع والصناعات، وتدريب الشباب على الإنتاج والسلاح معاً.. ثم ختم رسالته بقوله:” إنني غارق في الأحلام، لكن سيأتي هذا اليوم الرائع”!!

هل عليَّ أن أقول لك: احلم كما حلم اليهود، وتَمنَّ كما تمنى اليهود، واسعَ كما سعى اليهود، أم في ديننا وتاريخنا ومجدنا السابق ما يكفي ليشعل جذوة السعي والعمل والحركة في روحك؟!!

الأمور تنقلب وتتقلب، والبُعد القدري سببٌ من الأسباب.. بذور السقوط تُبذر في أوج الصعود، وبذور الصعود تبذر في قاع السقوط.. في اللحظة الذي أكتب لك فيها الآن؛ هناك موسى ينشأ في قصرٍ لفرعون، وهناك فرعون يبذر بذور هلاكه!!

في سنة 656ه أسقط التتارُ الدولةَ العباسية ودخلوا بغداد وقتلوا آخر خلفائها المستعصم بالله.. وفي ذات السنة وُلد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية!!

في سنة 532ه هربت أسرةٌ في ظلام الليل من قلعة تكريت خوفاً من أعدائها، وفي الأسرة رضيعٌ علا صياحُه حتى هَمَّ أبوه بقتله خوفاً من أن يدركهم أعداؤهم؛ فنهاه أحدُ أتباعه؛ ليحفظ اللهُ الطفلَ المسمى (صلاح الدين الأيوبي) لحطين والقدس!!

في أوج عظمة الدولة العثمانية سنة 1535م؛ غَرَسَ أعظمُ سلاطينها سليمان القانوني بذرة (الامتيازات الأجنبية) كأولِ غَرْسِ خرابٍ نبتَ واستفحل على مَرِّ العصور؛ حتى كان من أقوى أسباب سقوط الدولة بعد ثلاثة قرون!!
لا تستهن بنسج الأقدار ولا تسخر منه؛ فإن الله لا يتركُ خَلقَه لِخلقِهِ وإن ظَنَّ المتعجلون ذلك.

لم يكن الثوب قبل اكتماله سوى قطعةِ قماشٍ عَمِلَ فيها المقصُّ والإبرةُ عملهمَا حتى اكتمل ثوباً، ولم يكن السيف قبل اكتماله سوى حديدةٍ عملت فيها النارُ عملها حتى اكتمل سيفاً.. أنت تنظر إلى الأشياء بعد اكتمالها وتنسى مسيرة آلامها نحو الاكتمال.. تريد أن تستيقظ صباحاً لتعايش لحظةَ هارونِ الرشيد وهو يقول للسحابة: “أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك”، وتنسى مسيرة المعاناة التي خاضها أجدادُه على مدار سبعين سنة ليوصلوه إلى تلك اللحظة.

لقد تحققت للمسلمين في عِقدٍ زمني واحد مكاسب ما كانت لتتحقق لولا هذه الثورات والثورات المضادة.. تساقطت في نفوسهم صنمية الدولة عامةً وصنمية الدولة القومية والوطنية خاصة، وفقدت مؤسسات الأنظمة احترام قطاعٍ واسع من جماهير المسلمين، وظهرت الجيوش والعروش على حقيقتها كوكيلٍ للنظام العالمي المحتل، وانهارت شعارات الوطن والوطنية حين رأى الناسُ لصوصَ أوطانهم الحكام يقتلونهم ويستعينون بالاحتلال لقتلهم، وتَعَرَّتْ القوى العلمانية والليبرالية والمتأسلمة برموزها ومؤسساتها، واكتشف الناسُ سرابية صندوق الانتخابات وألاعيب النظام العالمي به وفيه، وظهرت الديمقراطية على حقيقتها كأداةِ حرب يَسحقُ بها النظامُ العالمي المسلمين؛ لا كنظام حُكمٍ يَصلُحُ أن يسوسَ به المسلمون المسلمين، وتجذرت روح (الأشعث الأغبر) في نفوسِ كثيرٍ من شباب الأمة عامةً وشبابِ الجماعات الإسلاموقراطية خاصة؛ بعد أن كانوا يرونها- منذ عشر سنوات فقط- تهوراً وحمقاً ومجلبةً للخراب!!

كلُّ هذه المكاسب وغيرها.. مَثَّلت خروجاً لأفرادِ الأمة من التيه، بيد أنها لا تكفي لإدخالهم الأرض المقدسة.. تحتاجُ الأرضُ المقدسةُ إلى خلاصٍ كاملٍ من شوائب الجاهلية المعاصرة، ولا خلاص إلا بالعقيدة الأولى.. لا خلاص إلا بخلع الثوب كله، والخروج من الصندوق كله، وإسقاط الأوهام كلها.

المراحل لا تنتهي إلا بهجرة- جسديةٍ كانت أو عقلية- وقد انتهت المرحلة المكية بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة، ولن تنتهي مرحلتنا إلا بهجرة عقولنا ونفوسنا وأرواحنا من أوشاب العلمانية والقومية والوطنية؛ إلى صفاء الإسلام ونقائه.. وإنَّا لنعلمُ أن هذه الهجرة لن تحدث- في الواقع- بين عشية وضحاها؛ فليس أشد بُطْأً من التحولات الجذرية في المجتمعات، وليس أشد عنفاً من ارتداداتها؛ فلا يهولنك عنفُها إن ارتدت عليكَ؛ فإنَّ عنفَهَا حين الارتداد دليلُ ضعفٍ لا دليل قوة.. ولا يُلَبِّسَنَّ عليك إبليسُ فتتنازل- أمام عنفها- عن بعضِ ما لا يُتنازل عنه؛ فإنَّ إعادةَ الناس إلى التيه بعد أن أنقذهم الله منه؛ جريمةٌ لا تسقط بالتقادم ولا تُعللُ بالغفلة!!

واعلم أنكَ لن تجدَ واقعاً أشدَّ فساداً من الواقع الذي نُبِّئ فيه الأنبياءُ وأُرسِلَ فيه الرُّسُل؛ ولولا شِدَّةُ فسادِه ما أُرسِلُوا، ولستَ أكرمَ على الله من رُسُلِه ليُصلِحَ لك- دون سَعيٍ منك- واقعاً لم يُصلِحْهُ لهم، وقد أكرمكَ اللهُ بإيجادك في واقعٍ شبيهٍ بواقعهم لتصلحهُ كما أصلحوه؛ فإن لم تكن منهم فَسِرْ على آثارهم تكن معهم، ولا تنتظر في حياتك ثمرةَ سيرك؛ فموسى مات في التيه، وعيسى رُفع في الفتنة، ومحمدٌ- عليه وعلى أنبياء الله ورسله الصلاة والسلام- ارتدَّ أعرابُ جزيرته بعد موته، ولو وضعَ أبو بكر رضي الله عنه يَده على خَدِّهِ ويئس- حين انتقض عليه أعرابُ الجزيرة- ما وصلكَ مما وصلكَ من الدين شيء.. حسبك أن تؤذِّنَ كما أذَّنَ إبراهيم، ومَا عَسى يبلغُ صوتُ إبراهيم!! إنما عليكَ الأذانُ وعلى الله البلاغ، ولكلِ ثغرٍ أذانُه، وكُلُّ الثغورِ شاغرة؛ فإن وجدتَ ثغركَ فالزمه- وذلكَ عبادتُك- وإن لم تجده فابحث عنه- وذلك أيضاً عبادتُك-.. حَسْبُكَ ألا يراكَ اللهُ إلا على ثَغرٍ أو باحثاً عن ثغر!!


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *