By / 11 يوليو، 2019

تاريخ أجهزة الأمن السياسي في مصر (2) عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879) وبداية الاحتلال البريطاني

نص نظام الوراثة في الأسرة العلوية على أن يتولى الحكم أكبر الذكور من أبناء محمد علي وأحفاده، وهو ما سعى إسماعيل باشا إلى تغييره، فاستصدر فرمانا من السلطان العثماني عام 1866 بتجريد شقيقة من غير أمه وولي عهده مصطفى فاضل من ممتلكاته وأمواله، وأبعده إلى تركيا، وجعل وراثة العرش في أبنائه بدلاً من أشقائه. وكان فاضل من  أكثر أفراد عائلة محمد علي ثراء حيث امتلك قصرا فخما في الاسكندرية. وكذلك كان الخديوي يخشى من وجود مطامع سلطوية لدى عمه الأمير محمد عبدالحليم أصغر أبناء محمد علي. ومن ثم حرص إسماعيل على تنشيط أعمال الأمن السياسي وأوكلها إلى خورشيد مأمور ضبطية الإسكندرية، حيث عهد إليه بموافقته بتقارير عن:

  • أفراد عائلته وعلى رأسهم أخيه مصطفى فاضل وعمه الأمير محمد عبد الحليم.
  • التيارات المعارضة له.
  • علاقات أعدائه بالباب العالي بالأستانة.

وتضمنت تقارير الأمن: الاتصالات – التحركات – الأحاديث المتداولة – أقوال الصحافة – الصفات الشخصية للأفراد المتحرى عنهم وحالتهم النفسية.

 وقد أسفر وضع نيازي بك ناظر دائرة مصطفى فاضل تحت المراقبة، عن رصد توزيعه لصور فاضل سرا بالقاهرة ضمن مساعيه لاكتساب أنصار له. وفي النهاية ألقى القبض على نيازي وبحوزته مراسلات بالفرنسية واليونانية والعربية تحوي بيانات تفصيلية عن عادات الوالي، ومواعيد خروجه، والأشخاص المحيطين به.

ونظرا لتخوف اسماعيل من عمه محمد عبدالحليم، فقد لفق له تهمة الضلوع في محاولة اغتياله عبر وضع قنبلة أسفل مقعده في أحد المسارح في عام 1868. وقد تحدثت الوقائع المصرية عن الحادث واصفة من يقف خلفه بأنه (ذو خلق ذميم آثر منفعته الخصوصية على المنفعة الشاملة العمومية..  وخائن ذي حقد يريد منفعة نفسه). وقد اتُهم في الحادث ناظر المسرح وثلاثة من أعوانه الأوروبيين. واعترف أحدهم بأنه وضع العبوة ثم أبلغ عنها من أجل نيل تكرمة من الخديوي. ولكن وجد إسماعيل في الحادث فرصة لاتهام عمه بالوقوف خلف الحادث، ومن ثم أصدر قرارا بإبعاده من البلاد.

وقد شهد عهد إسماعيل إحدى أبرز عمليات الاغتيال السياسي والإخفاء الأبدي عبر تصفية وزير المالية والرجل الثاني في الدولة إسماعيل باشا صديق. ففي أبريل من عام ١٨٧٦ اشتدت الضائقة المالية بالبلاد نتيجة إثقال الميزانية بالقروض والديون الغربية، وتبذير الخديوي في النفقات، فاتفقت انجلترا مع فرنسا على إرسال بعثة مشتركة تمثل الدائنين، وتفرض الرقابة الأوروبية على المالية المصرية، واشتهرت البعثة باسم مسئوليها (جوشن وجوبير)، وعندما اعتزمت البعثة مقاضاة وزير المالية أمام المحاكم المختلطة عن العجز الواقع في الميزانية، رأى الخديوي أن الوزير إذا قدم للمحاكمة فسيورطه معه، فرتب الخديوي محاكمة للوزير بتهمة التآمر على شخصه، وقبل أن تبدأ المحاكمة استدعاه إلي سراي عابدين، وتلطف في محادثته، ثم اصطحبه إلى سراي الجزيرة مظهرا أنه رضي عنه ثم قتله، وألقى جثته بالنيل في نوفمبر 1876، واستمرت المحاكمة الصورية ماضية في سبيلها، وحكمت بنفي الوزير المقتول غدرا إلى دنقلة وسجنه بها.

وقد شهد عهد إسماعيل ظاهرة الاستعانة بالخبراء الأجانب لتنظيم جهاز الشرطة وفقا للنظم الأوروبية. فتمت الاستعانة بـ خبيرين إيطاليين هما كارليس مو ونيجيري. وكذلك زاد النفوذ الأجنبي إلى درجة منع رجال الشرطة من التدخل في المنازعات التي تنشأ بين الأجانب، وفي حالة ارتكاب أحد الأجانب جناية أو جنحة لا يصح ضبطه إلا بمساعدة القنصل الذي يتبعه، ولا يجوز دخول مسكنه لتفتيشه أو معاينته ما لم يحضر أحد مندوبي القنصل أو إذا وافق المتهم على ذلك كتابة، وكثيرًا ما كان القناصل يتذرعون بإبداء الحجج لتعطيل أو إرجاء إرسال مندوبهم حتى ولو كان طلب دخول المنزل صادرًا من القضاء.

ورغم ما سبق، فقد تراجع النفوذ الأجنبي بالبلاد مع تنامي التوجهات الوطنية المناهضة للتبعية للغرب، وهو ما برز بشدة في ثورة عرابي ضد الخديوي توفيق. ويلاحظ على الشرطة في تلك المرحلة أنها كانت تقوم بأدوار مجتمعية بجوار دورها المتعلق بحفظ الأمن، ففي عام 1880 صدر قانون شهير باسم التعليمنامة، وتضمن عدة واجبات للشرطة من بينها: منع تعاطي الخمر جهرا، إيقاف مواكب الزفاف التي تسير في الشوارع لإخلالها بالأمن العام، والقبض على العاطلين والدجالين وتجار الرقيق، ومنع حفلات الزار، ومنع اختلاط النساء بالرجال عند الأضرحة وفي الموالد، ومنع النساء من الغناء في المقاهي والحانات. وضرورة تغطية النساء لوجوههن في الشوارع، وتحصيل ديون النفقة المحكوم بها للفقيرات من النساء منعا من تعريضهن للمتاعب مع المحكوم عليهم بها.

وقد استعملت الحكومة المصرية في عهد الأسرة العلوية إجراءات مشددة تجاه من يهدد الأمن العام، فاعتمدت مبدأ اتخاذ رهائن من أقارب الشخص المطلوب لحين ضبطه. وهو ما جرى تقنينه لاحقا بعد الاحتلال البريطاني، حيث أصدر الخديوي مرسوما في 21 مايو 1885 يقضي بأنه في حال عدم ضبط أحد المطلوبين من العربان، يلتزم شيخ قبيلته بإحضار أحد أولاد المطلوب أو أعز أقاربه ويرسله إلى المديرية رهينة لحين ضبط المطلوب أو تسليمه لنفسه.

وكذلك صدر قرار في عام 1874 ينص على عقاب شيوخ البلد في النواحي التي تحدث بها جرائم قتل يعجزون عن كشف حقيقتها، بحيث يعاقب شيخ الناحية بإرساله إلى الليمان لمدة 6 شهور، وطرده من الشياخة، ومنع أولاده وأقاربه وأصهاره من تولي الشياخة من بعده.  وفي هذا السياق ألزم المشايخ الأهالي بالمشاركة في دفع قيمة المسروقات والديات بحيث يقع غرم الجريمة على أهالي الناحية.

الاحتلال البريطاني والمدرسة الهندية

جاء البريطانيون  إلى مصر عام 1882 بذريعة حماية الخديوي توفيق(1879- 1892) من تمرد أحمد عرابي، وحماية الأجانب من اعتداءات المصريين عقب حدوث اشتباكات بين الأهالي والأوربيين بالإسكندرية على خلفية طعن أحد رعايا مالطة لصاحب حمار مصري إثر اختلافهم على أجرة النقل. حيث انتهت الاشتباكات بمقتل العشرات من الأوروبيين والمصريين، وإصابة المئات من بينهم المستر كوكسن قنصل انجلترا وقنصلي اليونان وإيطاليا في ظل اتهامات لعناصر الشرطة والجيش بالإسكندرية بالتواطؤ مع الأهالي في استهداف الأجانب، حرص الإنجليز على تفكيك المؤسسات المصرية حيث أصدر الخديوي توفيق مرسوما في 19 سبتمبر 1882 بإلغاء الجيش المصري تمهيدًا لمحاكمة قادته بسبب معارضتهم الخديوي. وهو ما تضمن إلغاء جهاز الأمن المصري الذي كان يعتمد في تشكيلة الداخلي على عناصر الجيش. وبالمقابل عمل الإنجليز على تشكيل أجهزة الإدارة المصرية وفق أساليب المدرسة الهندية التي أسستها وطورتها بريطانيا خلال فترة احتلالها الطويلة للهند. فاستعان الإنجليز بخبراء تمرسوا بالهند في مجالات الري والمالية والتعليم والجيش والبوليس. وسنستعرض في المقال القادم بإذن الله جهود الإنجليز في هذا المضمار، ومساعيهم لمأسسة أعمال الأمن السياسي في مصر.

المصادر:

  1.  (البوليس المصري- مدخل إلى تاريخ الإدارة المصرية :1805-1922)– عبدالوهاب بكر- دار الكتب والوثائق القومية – ط 2016. وهو في الأصل رسالة ماجستير نوقشت عام 1977 بكلية الآداب بجامعة عين شمس .
  2. الشرطة والنضال الوطني (1881-1981) – مركز بحوث الشرطة ط. 1982.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *