By / 29 يوليو، 2019

(3) بدايات عهد الاحتلال البريطاني (1882-1910)

(من يسيطر على المالية والجيش والشرطة يسيطر على مصر) اللورد دوفرين

حرص الإنجليز عقب دخولهم مصر عام 1882 على إحكام قبضتهم على المصريين، والتخلص من كافة العناصر التي شاركت في الثورة العرابية. ومن ثم أوفدت بريطانيا في أكتوبر 1882 سفيرها لدى الأستانة اللورد دوفرين لدراسة تنظيم أجهزة الدولة المصرية. ودوفرين شخص مخضرم تولى منصب الحاكم العام لكندا (1872-1878)، ثم صار سفيرا لبريطانيا في القسطنطينية (1881-1884) ثم تولى لاحقا منصب نائب الملك بالهند (1884-1888).

 استعان دوفرين في تقريره الخاص بتنظيم الأوضاع في مصر بمشورة المسئولين البريطانيين السابقين في الهند مثل أوكلاند كولفين، وجيرالد فيتزجرالد. وفي مطلع عام 1883 أرسل تقريره النهائي إلى لندن مقترحا إجراءات تحد من قدرة الجيش المصري على القيام بثورة مجددا، وذلك عبر  تخفيض عدد الجيش، وجعل قيادته بريطانية، والتفريق بين قوات البوليس والجيش كي لا تعضد إحداهما الأخري، وإدارة قوات البوليس عبر ضباط أوروبيين منعا لتكرار انخراطها في مواجهة الأجانب مثلما حدث بالإسكندرية في أحداث 11 يونيو 1882، والتدقيق في العناصر المصرية الملحقة بجهاز الشرطة الجديد بحيث يستبعد أي عنصر انحاز قبل الاحتلال إلى عرابي. 

وأوصى دوفرين بالتالي:

  1. تعزيز قوات الشرطة على حساب تصفية قوات الجيش. فصار تعداد قوات الشرطة 7390 فردا من بينهم 596 أوروبيا، بينما بلغ تعداد قوات الجيش 6174 فردا.
  2. إيجاد قوات خاصة لقوات الشرطة تتبع نظارة (وزارة) الداخلية ولا تخضع لقيادة الجيش ولا لنظارة الحربية.
  3. حصر قيادة قوات الشرطة في يد مفتش عام بريطاني يعاونه مساعدون بريطانيين وأوروبيين.
  4. عزل الشرطة عن الإدارة المصرية بسحب سلطة المحافظين والمديرين والمأمورين المصريين على قوات الشرطة.

اقرأ أيضا: تاريخ أجهزة الأمن السياسي في مصر (2) عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879) وبداية الاحتلال البريطاني

وكذلك اقترح دوفرين وضع معدلين للرواتب بحيث يمنح الموظف الأوروبي ضعف راتب نظيره المصري. وبالتوازي مع توصيات دوفرين، نفذ الإنجليز حملات اعتقال واسعة لأنصار عرابي، فبلغ عدد من اعتقلوا 29 ألف مصري على رأسهم أحمد عرابي، ورئيس الوزراء محمود سامي البارودي، وقائد الجيش طلبة عصمت، فضلاً عن عدد كبير من الأعيان وقادة الجيش والشرطة و شيوخ الأزهر. وحكم عليهم بأحكام متفاوتة بدءا من الإعدام إلى النفي، كما شُكلت لجنة للبحث في أسباب حوادث قتل الأجانب بالإسكندرية، واتهمت اللجنة عدداً من عناصر الشرطة بالمشاركة في الأحداث، وإحالتهم للمحاكمة. وقضت المحكمة بإعدام ضابطي الشرطة ومجند بالإضافة للحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على 33 ضابطا وجنديا آخرين. ونُفذ الحكم في الضابطين يوم 19 سبتمبر 1883 أمام مقر عملهما بالإسكندرية على مرأى من المواطنين بهدف بث الرعب في نفس كل من يفكر في مقاومة المحتل البريطاني.

ورغم ما سبق، فسرعان ما بدأ الشباب المصري في تشكيل جمعيات سرية مناهضة للمحتل، وأرسلوا خطابات للخديوي والأمراء والقناصل الأجانب والمتعاونين مع الاحتلال تهددهم بالقتل وتطالب بجلاء الاحتلال. فلجأ البريطانيون إلى مراجعة قوائم المرتبطين بالثورة العرابية والأماكن التي يترددون عليها، ونجحوا في يونيو عام 1883 في القبض على تلك المجموعة التي اشتهرت باسم جمعية (الانتقام)، وقد حكمت المحكمة بنفي قادة الجمعية للخارج، وأفرجت عن 20 من أعضاء الجمعية لخلو القانون المصري الجنائي آنذاك من أي مواد تجرم الانضمام إلى التنظيمات السرية. 

وفي تلك الآونة كان جهاز الشرطة يتولى أعمال الأمن بشقيها الجنائي والسياسي، ولم توجد حاجة ملحة تدفع لتأسيس جهاز يختص بالأمن السياسي حيث اقتصر النشاط المتعلق بالجانب السياسي على مراقبة المناوئين للخديوي توفيق من أفراد الأسرة المالكة، والمتأثرين بأفكار جمال الدين الأفغاني، وأصحاب الصحف والمجلات التي تندد بأعمال الحكومة. وركز الإنجليز اهتماماتهم على أنشطة الجاليات الأجنبية والأيدلوجيات المنتشرة بين العمال الأجانب، وتحركات الخديوي اسماعيل وتواصلاته مع الأستانة والدول الأوروبية بعد عزله.

تأسيس مكتب البوليس السري عام 1988

بالتوازي مع توتر الأوضاع على الحدود المصرية السودانية مع اقتراب أنصار المهدي من تخوم أسوان، سجل عام 1888 بداية ميلاد الأمن السياسي في مصر بمفهومه الفني، وذلك عقب تأسيس مكتب البوليس السري التابع لمفتش عام البوليس اللواء شارل بيكر. ويوضح د. عبدالوهاب بكر الفارق بين مفهومي الأمن الجنائي والسياسي قائلا (الأمن الجنائي لا يتجاوز التحقيق في الواقعة، واستجواب الشهود، وضبط المتهمين، وعرضهم على النيابة. بينما الأمن السياسي يتعلق بجمع المعلومات، وتحليلها، ورسم التوقعات، وترتيب الإجراءات المضادة بهدف إحباط العمل المعادي).

 تشكل  المكتب من مدير وثلاثة موظفين يشرفون على مجموعة من المرشدين الأجانب والمصريين. وتولى إدارة المكتب يوسف دوبريه، وهو أحد عناصر البوليس من الشوام، وسبق أن انضم في أحداث عام 1882 إلى الخديوي توفيق ضد عرابي. اختص المكتب بإصدار تقارير عن الحالة السياسية الخارجية وصلتها بالوضع الداخلي بمصر. وكانت القنصلية البريطانية في مصر تمد المكتب بنسخ عن الصحف الصادرة في عدة دول مثل تركيا والنمسا وإيطاليا وإنجلترا ليستعين بها في كتابة تقاريره التي ترصد الأخبار المرتبطة بالشأن المصري.

نشر المكتب شبكة من المرشدين على الحدود المصرية السودانية عقب هجمات المهديين على بعض مواقع البوليس المصري. وكذلك عمل المكتب على رصد أنشطة وحجم تواجد المهديين على الحدود المصرية، والتعرف على المتعاونين معهم من المصريين وخاصة شيوخ قبائل العبابدة والبشارية الذين أمدوا المهديين بالآلاف من شباب القبائل. ورصد الإمدادات الغذائية التي ترسل من الصعيد إلى أتباع المهدي، وتتبع جهود المهديين لاكتساب ولاء السكان في المنطقة الممتدة من دراو حتى أسوان. وتقييم تأثير أخبار اقتراب المهديين على السكان. وكذلك عمل مكتب البوليس السري على دس مرشديه في المسارح والتجمعات المصرية للتعرف على أنصار الخديوي السابق اسماعيل وطبيعة أنشطتهم، وحجم تأثيرهم. ولم يستمر عمل المكتب طويلا، حيث توقف نشاطه في عام 1892 بسبب خفض ميزانية البوليس في ذلك العام مع الاكتفاء بقيام جهاز البوليس العادي بتلك المهام.

اقرأ أيضاً: تاريخ أجهزة الأمن السياسي في مصر (1) عهد محمد علي وسعيد

ولم تخل تلك الفترة من الاستعانة بخبراء أوروبيين في مجال الأمن السياسي، فعقب اعتصام العمال الإيطاليين العاملين في بناء سد أسوان عام 1899 للمطالبة بحقوقهم، استعان الخديوي عباس بضابطين من المباحث الإيطالية لدراسة الوسائل الكفيلة بالقضاء على موجة الإضرابات التي يقوم بها العمال الأوروبيين في البلاد، وتقديم النصح فيما يتعلق بمنع سريان عدوى هذه الأفكار إلى العمال المصريين.

ومع تزايد تأسيس الجمعيات السياسية الوطنية بعد حادث دنشواي عام 1906 وبالأخص الجمعيات المرتبطة بمصطفى كامل والحزب الوطني، وتزايد الأنشطة المناهضة للاحتلال الإنجليزي عبر عقد المؤتمرات والاجتماعات، وكتابة المقالات في الصحف، وتنظيم الاعتصامات، اهتم البوليس برصد أنشطة تلك الجمعيات ومدى ارتباطها بالحزب الوطني، وأقوال المتحدثين في اجتماعاتها، وأعداد الحاضرين ومستواهم الاجتماعي والتعليمي فضلا عن رصد الأزجال والأغاني البلدية ومدى احتوائها على مضامين سياسية، وهوية مردديها، واتجاهاتهم السياسية.

وكذلك حرص الإنجليز على تطهير جهاز الشرطة باستمرار من العناصر الوطنية، وفصل كل من له علاقة بالحزب الوطني. فعقب رصد حضور قائد كلية الشرطة خليل حمدي اجتماعا للحزب الوطني طالب المتحدثون خلاله باستقلال مصر، اعتبر الانجليز وجود حمدي في الوظيفة التي يشغلها مصدر خطورة نظرا لاحتمالية أن يبث أفكار الحزب الوطني في عقول الطلبة، ففصلوا حمدي من الخدمة وألغوا وظيفته في عام 1909.

ومع تطور أنشطة الحزب الوطني، وانبثاق مجموعات عنه تتبنى العمل المسلح ضد الإنجليز وأعوانهم مثل جمعية التضامن الأخوي، تطورت بالمقابل أعمال الأمن السياسي وصولا إلى مأسسة نشاط الأمن السياسي عبر تأسيس (مكتب الخدمة السرية للعمل السياسي) في عام 1910 عقب اغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي على يد الصيدلي الشاب إبراهيم الورداني عضو جمعية التضامن. وسيتطرق المقال القادم بمشيئة الله إلى ظروف نشأة (مكتب الخدمة السرية للعمل السياسي)، وطبيعة أنشطته.

المصدر: (البوليس المصري- مدخل إلى تاريخ الإدارة المصرية :1805-1922)– عبدالوهاب بكر- دار الكتب والوثائق القومية – ط 2016. وهو في الأصل رسالة ماجستير نوقشت عام 1977 بكلية الآداب بجامعة عين شمس.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *