By / 31 مارس، 2022

تحديات العلاقات النفطية الروسية الأوروبية

 

نورا عبه جي

أُعد بالمعهد المصري للدراسات

تعد روسيا مورد النفط والغاز الطبيعي الخارجي الأكبر للاتحاد الأوروبي لذلك يسعى الاتحاد الأوروبي إلى أن يحافظ على دورها ويعززه كمورد آمن وموثوق به في مجال الطاقة، ولهذا سعى كلا الطرفين إلى إقامة شراكة استراتيجية لضمان أمن لإمدادات الطاقة، وبمقدار تعلق الأمر بالطلب المتزايد من قبل الاتحاد الأوروبي على الطاقة الروسية تسعى روسيا إلى تحويل هذا الطلب إلى عامل قوة استراتيجية، في وقت هي بأمس الحاجة إلى تصدير طاقتها إلى الاتحاد الأوروبي كونه المستهلك الرئيس، وقد حولت روسيا الطاقة إلى مكاسب سياسية واقتصادية أثارت مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية على شريكها الاستراتيجي وللدور العالمي الذي تلعبه روسيا بورقة الطاقة،[1] في وقت يحتاج فيه الطرفان الروسي والأوروبي لضمان الإمداد الآمن للطاقة كانت شبكة الأنابيب النفطية والغازية الأداة والوسيلة الأمثل، لولا تعرضها لضغوط الأزمات السياسية خصوصاً الأزمتين الأوكرانية والجورجية، وهو ما سيتم عرضه في هذا المبحث على سبيل المثال لا الحصر لأبرز تحديات العلاقة المشتركة بين الاتحادين الروسي والأوروبي في مجال الطاقة.

المطلب الأول: الولايات المتحدة الأمريكية والتقارب الروسي الأوروبي في مجال الطاقة

أثارت الهيمنة الروسية على سوق الطاقة وتحكمها في واردات الاتحاد الأوروبي مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه شركة غاز بروم في البنية التحتية للطاقة في الاتحاد الأوروبي وسيطرتها على وارداته من النفط والغاز، وسعي روسيا إلى استخدام مواردها من النفط والغاز في تحقيق أهداف جيوسياسية تعوض ما ليس بوسعها تحقيقه بالتوسع الجغرافي أو الانتشار العسكري، بما يؤكد المخاوف من أن موارد الطاقة حين تمتلكها دولة مجهزة عسكرياً ذات طموحات إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى وتجاورها دول فقيرة في هذه الموارد، تصبح هذه الموارد أكبر من كونها سلعة وتصير تجارتها نوعاً من الحرب الباردة،[2]خصوصاً وأن روسيا تتبع استراتيجية ذات أبعاد مختلفة لدعم القدرة التنافسية لها في سوق الطاقة الأوروبية وإحكام قبضتها على شبكات نقل الطاقة وتوزيعها، وهذا الأمر أقلق الأمريكيين مما دفعهم إلى البحث عن بديل يقوض الطموحات الطاقوية الروسية وتحرير الأوروبيين من البقاء تحت النفوذ الروسي فيما يتعلق بأمن الطاقة،[3] ونظراً لأن موارد الطاقة من نفط وغاز ليست مجرد سلع تجارية، ولكنها موارد استراتيجية وجيوسياسية بما يكفي لتفاقم مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام النفط والغاز سلاحاً استراتيجياً من جانب روسيا الاتحادية خصوصاً في الساحة الأوروبية التي بقيت ميدان النفوذ الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية.

لذلك اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية منذ النصف الأول في التسعينات إلى البلدان التي كانت ضمن منظومة الاتحاد السوفيتي السابق في آسيا الوسطى والقوقاز للحد من النفوذ الروسي هناك ومنع إمكانية توظيفه من قبل روسيا كورقة ضغط في التقارب الروسي الأوروبي الساعي إلى أن يصبح نوعاً من الشراكة الاقتصادية بينهما إلى حد يمكن أن يؤثر سلباً على التطلعات الأمريكية في سيادة العالم، ولهذا فإن الصراع من أجل السيطرة على طرق خطوط الأنابيب من حوض بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية ليس مسألة بسيطة، فخطوط الأنابيب لروسيا ليس مصدر إيراد فقط، ولكنها تزود موسكو بالتأثير السياسي على الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى الجنوب منها، واستخدامه كورقة ضغط قوية في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، وهذا هو بالضبط سبب تصميم الولايات المتحدة الأمريكية على إضعاف الهيمنة الروسية على تدفق الطاقة من تلك المناطق إلى السوق الأوروبية.[4]

لقد ربطت واشنطن خطوط الطاقة، لاسيما خط أنابيب باکو – تلبسي – جیهان، بأمنها القومي نظراً لحساسية موسكو لمسألة الطاقة وما تظهره لجيرانها في الجنوب ولدول الاتحاد الأوروبي من مباهاة بالقوة، أثارت في واشنطن جدلاً  في ما يتعلق بالدوافع الروسية بين تيارين، فبينما يرى بعض المحللين والمختصين أن الأهداف الرئيسة لبوتين غير مؤذية ومفيدة، فهي تشجع النمو الاقتصادي في روسيا وتعيد الاستقرار إلى حدوده الجنوبية، لاسيما في المناطق ذات الأكثرية المسلمة في القوقاز وآسيا الوسطى، ويخلصون إلى أن زيادة إنتاج الطاقة الروسي يتفق كلياً مع المصالح الحيوية الأمريكية، يرى محللون أخرون ينظرون إلى سياسة روسيا بمنظار أكثر قتامة بوصفها جزءاً من جهد حقيقي تبذله موسكو لإعادة تأكيد مكانتها العالمية وإعادة فرض نفوذها على المستهلكين الكبار، وهذه الرؤية الأخيرة شائعة بوجه خاص بين المحافظين الجدد الذين لم يتخلوا تماما عن شكوكهم التي رسختها الحرب الباردة. [5]

بالعموم تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى أمن إمدادات الاتحاد الأوروبي من الطاقة بذات النظرة على أنه أمر من أمور أمنها القومي فقد شجعت أوروبا على تنويع مصادر إمداداتها من الغاز الطبيعي سواء من خلال أنبوب نابوكو للغاز أو من خلال ممر أوروبي جنوبي للغاز من شمال أفريقيا، ولقد نظرت إدارة بوش الابن إلى الموضوع من الناحية الجيوبوليتيكية، وانتقدت روسيا لاستعمالها إمدادات الطاقة وسيلة سياسية للتأثير على البدان الأخرى , بينما دعت إدارة أوباما إلى تنويع مصادر الطاقة، ولكنها لم تنتقد بصراحة اهتمامات روسيا الإقليمية، لكي لا يؤثر ذلك على إعادة تسوية علاقاتها مع موسكو،[6] فيما وقفت إدارة الرئيس دونالد ترامب بين الرؤيتين وإن كانت أكثر مرونة حيال التخوف من دور روسيا الإقليمي دون أن يقلل ذلك أهمية أن اعتماد الاتحاد الأوروبي الشديد على إمدادات الطاقة الروسية من منظور الولايات المتحدة الأمريكية يعد سبباً لتنامي المخاوف، فقد خشي صناع السياسات الأمريكيون من احتمال أن يؤدي تعرض الدول الأوروبية لضغوط الطاقة الروسية في المحصلة إلى إضعاف العلاقات الأوروبية – الأمريكية، ولقد كانت إدارة بوش الأكثر صراحة ولاسيما في شجب ابتزاز الطاقة الذي تقوم به موسكو.

ومع تزايد اهتمام الدول الأوروبية بأمن طاقتها الخارجي، ومفاعيل زيادة النفوذ الروسي المحتمل شجعت الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي على تنويع إمدادات الطاقة الخارجية باتجاه موارد أخرى، وهذا ما يعد هدفاً جوهرياً لسياسة طاقة الاتحاد الأوروبي المستقبلية، ففضلاً عن دول أسيا الوسطى والشرق الأوسط، ينظر إلى دول الشمال الأفريقي كالجزائر وليبيا بشكل خاص، على انهما مزودان بديلان محتملان من النفط والغاز وهذا يمكنه أن يساعد على الحد من ضعف أوروبا تجاه ضغوط الطاقة المحتملة من روسيا، وكان هدف الاتحاد الأوروبي السعي لتعزيز التعاون في مجال الطاقة بينه وبين بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط جلياً في إعادة طرح الشراكة الأورو متوسطية على شكل الاتحاد من أجل المتوسط.[7]

ومما تقدم يمكن القول إنه وعلى الرغم من التفرد الأمريكي في إدارة المنظومة الدولية، لاسيما ما يتعلق بشؤون الطاقة وإقامة التحالفات الاستراتيجية لتقويض الدور الروسي في الهيمنة على القارة الأوروبية في مجال الطاقة الذي أفرز تأثيراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، تبقى روسيا المتحكم الرئيس في واردات الاتحاد الأوروبي على الرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها فإنها كرست جهداً كبيراً لتحقيق تطلعاتها العسكرية في الوصول إلى المياه الدافئة لاسيما في الشرق الأوسط، وباتت أحد اللاعبين الرئيسين في ما بات يُعرف بملف غاز شرق المتوسط، بما يثير حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت أن التفرد الروسي في توريد الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي يخلق نفوذاً سياسياً واقتصادياً، وهذا ما ينعكس على المكانة الدولية لروسيا التي تسعى إلى إعادة نفوذها السابق الذي يعارض التفرد الأمريكي في السيادة على العالم، لذا فإنها أعادت إحياء ملفات الأزمات السياسية في بلدان أسيا الوسطى والقوقاز، ودفعت الأوروبيين إلى الدخول في تفاهمات جديدة مع هذه البلدان من اجل توريد الطاقة بعيداً عن الأراضي الروسية.[8]

فقد كانت قضية جيوبوليتيك خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى الأسواق المستهلكة له في أوروبا وأماكن أخرى من العالم واحدة من القضايا الرئيسة في الاستراتيجية الأمريكية منذ منتصف التسعينات حيث فضلت الولايات المتحدة الاعتماد على تركيا كحليف استراتيجي لها في هذه المسألة، نظرا للروابط السياسية والاقتصادية التي تجمع بين الغرب وتركيا لاسيما أن تركيا عضو مهم في حلف الناتو، وتوفر بحكم موقعها الجغرافي وعلاقتها مع دول آسيا الوسطى ودول حوض بحر قزوين قاعدة هامة للمصالح الغربية،[9] ولهذا جرى تقديم دعم كبير منذ البداية لمد خط أنابيب جديد وعملاق من العاصمة الآذرية باكو على بحر قزوين عبر جورجيا وصولاً إلى جيهان على الساحل التركي للمتوسط، سمي هذا المشروع بخط (باکو-تلبيسي-جيهان)، فهو أكثر المشاريع النفطية المثقلة بالدوافع السياسية،[10] حيث تحاول الولايات المتحدة الأمريكية مواجهة تحكم روسيا في أمن الطاقة عن طريق الوسائل الأتية:[11]

  • إقامة شراكة بين أذربيجان وجورجيا وتركيا لدفع مشروع خط أنابيب الغاز (باکو – تبليسي – أرضروم) الذي يمتد بموازاة خط النفط (باکو تبليسي – جيهان)، وتهدف مثل هذه المشاريع إلى سحب الغاز من بحر قزوين والحقول الغربية لآسيا الوسطى وضخها إلى تركيا للاستفادة من بيع كميات متزايدة للسوق التركية عبر خط أنابيب (السيل الأزرق) * تحت مياه الجزء الشرقي من البحر الأسود الذي بدأ تشغيله عام 2003 وذلك للحد من النفوذ الروسي.
  • رأت الولايات المتحدة إن تشكيل اتحادات سياسية وتكتلات اقتصادية موالية لموسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وعلى رأسها كومنولث الدول المستقلة يشكل تهديداً لأمنها القومي في تلك المنطقة لهذا عملت على دفع هذه الدول للانسحاب من تحت البساط الروسي لتشكل تحالفات مضادة، ويعد اتحاد (غوام) الذي تأسس عام 1997 ويضم جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدوفا وأوزبكستان (والاسم مستمد من الأحرف الأولى لأسماء هذه الدول) محاولة لإيقاف سيطرة روسيا على الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي لاسيما ما تعانيه هذه الدول من احتكار غاز بروم لأمن الطاقة في هذه الدول.
  • جعل تركيا بديلاً لروسيا في أمن الطاقة العالمي من خلال عقد تحالفات مع الدول المنتجة للغاز والمتمثلة في أذربيجان (الحليف الاستراتيجي لأنقرة في القوقاز) من ناحية، والدول المستهلكة للغاز والمتمثلة في دول جنوب أوروبا إيطاليا واليونان بالدرجة الأولى من ناحية ثانية، والدور الذي تسعى تركيا إلى لعبه هو تطويق روسيا من خلال تمرير النفط والغاز الأدري عبر أراضيها إلى أوروبا عبر خطي (باکو – تبليسي – جیهان) لنقل النفط، وخط أنابيب (نابوكو) للغاز، وتسعى تركيا بتشجيع من الولايات المتحدة إلى الحصول على عدد من المزايا بالغة الأهمية أن تمكنت من أن تحل محل روسيا وهي:[12]

– تمهيد الطريق لانضمامها للاتحاد الأوروبي.

–  التأثير الجيوسياسي على جنوب أوروبا وشرقها.

– الأرباح الضخمة التي ستجنيها مقابل مرور النفط والغاز عبر أراضيها.

– تأمين مصدر طاقة منتظم لاستهلاكها المحلي.

في ضوء ذلك، يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية المتخوفة من تعمق أواصر العلاقات الروسية – الأوروبية من مدخل الطاقة، نجحت إلى حد كبير في الضغط على بلدان آسيا الوسطى من جهة وتركيا من جهة أخرى، للحد من الضغوط الروسية على حاجة أوروبا لإمدادات الطاقة بإيجاد البديل عبر شبكات لأنابيب النفط والغاز بعيداً عن روسيا.

المطلب الثاني: شبكات أنابيب النفط والغاز

تعتبر روسيا أكبر دولة في العالم، من حيث مساحتها التي تبلغ حوالي17 مليون كم مربعاً، معظمها يقع في آسيا ولها امتدادات في أوروبا*، ففي شرق روسيا هناك ثلاثة بحار ضمن المحيط الهادئ، بحر برينغ، بحر أوخوتسك و بحر اليابان، ومن الغرب، نجد لها حدوداً مع بيلاروسيا أوكرانيا ولاتفيا واستونيا وخليج فنلندا والنرويج، وإقليم كالينيغراد هو إقليم روسي يقع بين ليتوانيا و بولندا، أما من الشمال فنجد بحاراً ضمن المحيط الشمالي المتجمد وبحر برانس وبحر كارا وبحر لابتيف وبحر شرق سيبيريا وبحر شوكشي وفي الجنوب، هناك الصين ومنغوليا وكازاخستان وأذربيجان وجورجيا والبحر الأسود، إضافة إلى كوريا الشمالية في الجنوب الشرقي من قارة أسيا، كما أن جنوب روسيا متصل بشكل كلي بالقارة الآسيوية، ما يجعلها دولة ذات موقع استراتيجي خاصة وأنها تجاور الصين في الجهة الجنوبية الشرقية، فنظرياً التقارب الجغرافي بين الدولتين يجعل التعاملات الاقتصادية بينهما أكثر تميزاً خاصة في الجانب الطاقوي، لذلك تسعى روسيا منذ بداية الألفية إلى تقوية شركائها الاقتصاديين في آسيا عبر إقامة مشاريع لأنابيب النفط والغاز الطبيعي باتجاه الصين، كشريك استراتيجي مستقبلي قد يكون البديل المهم لروسيا في حالة تأزم العلاقات مع أوروبا،[13] خصوصاً وأن أهم المناطق المنتجة للغاز الطبيعي متواجدة في سيبيريا وبالمناطق القريبة منها، كإقليم تيومن (Tyumen) المتموقع شمال غرب العاصمة الروسية موسكو وإقليم ياملو ننيتس في شمال روسيا لذا تعتبر هذه المناطق ذات أهمية استراتيجية،[14] في إطار الخطط المستقبلية للعلاقات الروسية الصينية.

من ناحية أخرى تجدر الإشارة إلى أنّ طول حدود روسيا يسمح لها بمجاورة العديد من الدول من أسيا وأوروبا ما يمنحها الأفضلية في خلق منافذ لنقل مواردها الطبيعية على غرار النفط والغاز الطبيعي، بالتالي هي دولة غير منعزلة جغرافياً، بحيث لها منافذ بحراً وبراً، ما يسهل عليها معاملاتها التجارية من جهة، واكتسابها لثقل جيوبوليتيكي من خلال رسم سياسة إقليمية خاصة بها استناداً على تموقعها جغرافياً من جهة أخرى، ساعدها في ذلك توزيع نقاط إنتاج الغاز والنفط المتواجد في مناطق مختلقة من الفيدرالية الروسية، بالتالي هناك عدة منافذ نحو الدول الأخرى التي تستورد الغاز الروسي، وهناك دول أخرى تعتبر معابر، كما يتضح من الشبكة المعقدة لأنابيب الغاز الطبيعي في شرق وغرب روسيا، أي الأقاليم القريبة جداً من الصين و شرق أوروبا، التي استحوذت على أهمية خاصة في الرؤية الروسية الإقليمية، فهي منافذ للغاز الروسي نحو غرب أوروبا، ومنه تعمل روسيا على استمالة أنظمة هذه الدول وكسبها لصف موسكو قصد تأمين دائم ومستمر لتزويد أوروبا بالغاز الروسي في أحسن الظروف الملائمة لسياسة روسيا أوروبياّ.

وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأن هناك مناطق إنتاج محورية في روسيا، أي توزيع لهذه المراكز في أقاليم مختلفة قصد خلق توازن بينها من جهة، وكذا جعل كل نقطة إنتاج بوابة إلى دول أخرى، التي هي إما دول مستهلكة أو دول تلعب دور نقاط عبور إلى دول أخرى خاصة في الجهة الغربية من روسيا نحو أوروبا،[15] عبر شبكة معقدة من خطوط أنابيب النفط والغاز أبرزها:

أولاً: خطي أنابيب السيل الشمالي 1و 2

تعد ألمانيا في مقدمة الدول التي تعتمد على الغاز الروسي وبنسبة 36% من إجمالي استهلاكها من الطاقة، ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة بما يزيد عن 50% بعد إكمال مشروع أنابيب (السيل الشمالي)، وتعتمد بولندا 47% من الغاز من مصادر روسية، فضلاً عن عشر دول في شرق أوروبا ووسطها تعتمد بنحو 90-95% على الغاز الروسي من خلال سيطرة روسيا على ما يقرب عن 154 ألف كم من أنابيب الغاز في القارة الأوروبية[16] , وهذا ما دعا الخبراء ومراكز الأبحاث إلى معالجة ردود الأفعال المتوقعة التي لابد من أن يضطلع بها حلف الناتو اتجاه التهديدات المحتملة للغاز الروسي، بخاصة بعد تكرار أزمة وقف موسكو تصدير الغاز عبر أوكرانيا ووسط أوروبا عام 2006، في وقت ازدادت فيه روسيا إصراراً على إنشاء هذه المشاريع بعد الأزمة الأوكرانية الأخيرة 2014، تركزت هذه المشاريع على مشروع السيل الشمالي 1و2 ومشروع السيل الجنوبي.

على الرغم من معارضة الولايات المتحدة لمشروع السيل الشمالي إلا أنه حقق نجاحاً كبيراً بحصوله على التأييد الأوروبي، نظراً لسعي روسيا إلى تأمين إمدادات الطاقة الأوروبية عبره، وهو المشروع الذي يلتف ما وراء أوكرانيا ويمتد من الأراضي الروسية عبر بحر البلطيق إلى الأراضي الألمانية مباشرة وبوساطة هذا الأنبوب ستحصل ألمانيا على حاجتها المتزايدة من الغاز بأسعار تفضيلية، ومن ثم تتولى ألمانيا توزيع وبيع الغاز الروسي في مختلف بلدان أوروبا الغربية، فضلاً عن أن ألمانيا ستزود بهذا الخط بريطانيا وهولندا وفرنسا والدنمارك وغيرها بالغاز الروسي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أهمية هذا الخط يمكن الاستدلال عليها من أن المستشار الألماني السابق غيرهارد شرویدر يشغل منصب رئيس مجلس المساهمين في شركة السيل الشمالي المملوك بنسبة 51% من شركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم، حيث يعد المشروع خطوة استراتيجية جريئة من قبل روسيا الاتحادية لتحقيق أهداف بعيدة المدى من أجل تنويع إمدادات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي، وأن الذي قام بطرح مبادرة السيل الشمالي هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه، لذلك يتمتع المشروع بتأييد كامل في روسيا و ألمانيا على السواء.[17]

إضافة إلى ذلك سعت روسيا إلى زيادة تصدير الغاز إلى ألمانيا من خلال العمل على تنفيذ مشروع السيل الشمالي 2 الذي يمر بمحاذاة مشروع السيل الشمالي 1، ويتضمن مشروع السيل الشمالي2، الذي تتجاوز قيمة استثماراته 4 مليارات دولار، لبناء أنبوبين اثنين لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا مروراً بقاع بحر البلطيق، ومن المخطط أن تصل طاقة خط الأنابيب التي يمر عبرها الغاز إلى 55 مليار م3 من الغاز سنوياً.*

تواجد هذه المشاريع معارضة شديدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حيث دعت إدارة الرئيس جو بايدن الأوروبيين إلى وقفها وتحرير الاتحاد الأوروبي من التبعية الروسية فيما يخص الغاز، باعتباره وسيلة ضغط وتأثير تجاه سياسات الاتحاد الأوروبي التي عجزت أمام الهيمنة الروسية على مصادر الطاقة،[18] في وقت تفتقر فيه الدول الأوروبية إلى وضع استراتيجية واضحة موحدة فيما يخص مصادر الطاقة، فالدعوة إلى تنويع مصادرها وعدم الاعتماد على روسيا قد أصابها الفشل بسبب عدم وجود ألية موحدة بين دول الاتحاد، وافتقارها إلى البنية التحتية التي يمكن أن تنقل الطاقة من آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط إلى دول الاتحاد على الرغم من الدعم المتواصل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، حتى باتت مشاريع الغاز الجديدة (السيل الشمالي 1-2) من المشاريع الريادية فيما يخص التنويع بعيداً عن الأراضي الأوكرانية تجنباً لأي أحداث قد تؤدي إلى توقف إمدادات الطاقة عبر أوكرانيا وكما مبين في الخارطة الأتية: [19]

 خارطة مسار مشروعي أنابيب السيل 1-2

خارطة مسار مشروعي أنابيب السيل 1-2

الشبكة الدولية للمعلومات، على الرابط

حقق مشروعا السيل الشمالي 1-2 أهداف الاستراتيجية الروسية في الهيمنة على توريد الطاقة إلى دول الاتحاد الأوروبي، وعززت من تنامي العلاقات الروسية الألمانية، وعلى الرغم من القلق الشديد من قبل دول الاتحاد تجاه الاعتماد على الغاز الروسي الذي لم يتزامن فقط مع بدايات الأزمة الأوكرانية بل يرجع إلى ما قبل ذلك في ظل محاولات أوروبية لتنويع مصادر الغاز الواردة إليها، من جهة أخرى سوف يشهد زيادة في الطلب الأوروبي على الغاز الروسي، مما يشير إلى أن كلا الجانبين روسيا أو الدول الأوروبية لن يستطيعا الاستغناء عن بعضهما البعض، ولن تستطيع أوروبا أن تدير ظهرها للغاز الروسي، ولن تستطيع روسيا أن تكف عن تصدير الغاز إلى أوروبا في لعبة المصالح المشتركة، [20]على الرغم من ذلك تقدمت بولندا ودول البلطيق الثلاث وتشيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا وكرواتيا واليونان برسالة إلى الاتحاد الأوروبي في اجتماعه الخاص بأمن الطاقة عام 2020 تعارض فيها تنفيذ المشروع لكونه يزيد من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ومن ثم يهدد أمن الطاقة في القارة الأوروبية، وتعارض أوكرانيا كذلك هذا المشروع، لأنه يتجنب المرور عبرها ويحرمها من الرسوم الكبيرة التي تحصلها نتيجة مرور الغاز الروسي عبر أراضيها إلى البلدان الأوروبية، ولكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تدافع عن المشروع، ويؤيدها في ذلك رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر الذي يتفق مع موسكو في ضرورة عدم تسييس هذا المشروع، وخصوصاً أن مشروع غاز هناك أنبوب أخر لا يمر على أراضي دول شرق أوروبا، ألا و هو خط روسيا – ألمانيا عبر بحر البلطيق، الذي يدعى بالسيل الشمالي (Nord Stream)، يبلغ طوله 1224 كلم. هذا الخط لا يزود فقط ألمانيا، بل يتفرع إلى بريطانيا، هولندا، فرنسا والدانمارك ودول أوروبية أخرى،[21] هذا الأنبوب الرابط بين روسيا و ألمانيا مباشرة، لا يمر في أي دولة، بالتالي فهو يربط دولتين عن طريق بحر البلطيق، هذا ما يمنحه أهمية إضافية كونه يقلل من تأثره بتقلبات الأوضاع السياسية – لو مر عبر أراضي دول شرق أوروبا – و كذا الأزمات المحتملة بين روسيا و دول أوروبا، زد على ذلك ربح روسيا لتكاليف المرور مع تقليص احتمال المساومات السياسية. البداية الفعلية لإنجاز هذا الأنبوب الذي ينقل الغاز إلى ألمانيا كانت سنة 2006، وتم إنهاء الأشغال به سنة 2010،[22] كما توضحه الخارطة التالية:

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وألمانيا (Nord Stream)

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وألمانيا (Nord Stream)

المصدر: موقع شركة غاز بروم (Gazprom.com)

لهذا فوجود خطان رابطان بين روسيا وألمانيا، الأول يمر بدول من شرق أوروبا والثاني يمر فقط على بحر البلطيق، دليل قوي على رؤية روسيا لعلاقاتها مع أهم دول الاتحاد الأوروبي وأقواها اقتصادياً،[23] حيث بدأ توريد الغاز إلى أوروبا عبر الأنبوب الأول في الربع الأول من عام 2018، وكما موضح في الخارطة الآتية:

خارطة مسار مشروع أنبوب (السيل الجنوبي)

خارطة مسار مشروع أنبوب (السيل الجنوبي)

المصدر: الشبكة الدولية للمعلومات، على الرابط: http://www.kobayat.org

ثانياً: مشروع السيل الجنوبي

هو خط أنابيب الغاز الذي يقوم بنقل الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر قسمه الأرضي المار ببلغاريا بعد مرور قسمه الأول تحت الماء بطول 930 كم عبر البحر الأسود في المياه الإقليمية لكل من روسيا وتركيا وبلغاريا ليزود دول الاتحاد الأوروبي بالغاز الروسي، الذي كان من المفترض أن يزود هذا الخط كل من بلغاريا وهنغاريا والنمسا وإيطاليا وكرواتيا وصربيا، بالغاز الروسي.[24]

تقدر تكلفة مشروع السيل الجنوبي بنحو 16 مليار يورو، أي ما يعادل 21.5 مليار دولار، 10 مليارات يورو منها لبناء القسم البحري من خط الأنابيب المار عبر قاع البحر الأسود، وستبلغ التكلفة الإجمالية لمشروعي السيل الجنوبي والممر الجنوبي، نحو 40 مليار دولار، وسيبلغ طول الأنبوب المار عبر الأراضي والمياه الإقليمية الروسية نحو 230 كم، وعبر الأراضي البلغارية سيتراوح ما بين 220 كم و230 كم، أما في المياه الإقليمية التركية فسيقطع الأنبوب مسافة 470 كم، وليدخل إلى أوروبا عبر السواحل البلغارية ليصل إلى صربيا والمجر وسلوفينيا وإيطاليا وكرواتيا وجمهورية البوسنة والهرسك، ويتألف خط السيل الجنوبي من أربعة أنابيب، قدرة كل منها تتراوح بين 15 و 75 مليار م3 من الغاز، وتم البدء في إنشاء الأنبوب الأول من الخط في شهر كانون الأول من عام 2015.

ثالثاً: خط يامال

أوروبا مدت روسيا العديد من خطوط أنابيب الغاز الطبيعي نحو أوروبا مروراً بدول من شرق القارة، و من بين أهم هذه الخطوط نجد أنبوب يامال (Yamal) – أوروبا، الذي يعتبر المغذي الأول لألمانيا بالغاز الطبيعي، إضافة لكونه يمر على عدة دول شرق أوروبا.

خارطة خط أنبوب الغاز الطبيعي يامال –أوروبا

خارطة خط أنبوب الغاز الطبيعي يامال –أوروبا

المصدر: موقع شركة غاز بروم (Gazprom.com)

توضح هذه الخريطة أهم نقاط مرور الخط الرابط بين يامال وأوروبا، فشبه جزيرة يامال تقع غرب سيبيريا، فهذا الخط يمر على بيلاروسيا وبولندا متجها إلى ألمانيا، على مسافة تصل إلى 2000 كلم، بحيث يمر عبر بيلاروسيا 575 كلم من طول الأنبوب، و683 كلم عبر بولندا، بالتالي فهذه المسافات مهمة وتعبر بشكل واضح عن أهمية النقاط التي يمر منها لكي يصل إلى ألمانيا، التي تعتبر المستهلك الأول للغاز الروسي في أوروبا. للعلم فهذا الخط شرع في إنجازه سنة 1994، وحتى 2006 بلغت قدرته إلى 9.32 بليون متر مكعب.[25]

إذاً هو خط لا يمكن تجاهل أهميته الحيوية بالنسبة لألمانيا، و حتى للدول التي تعتبر نقاط عبور، فهي تستفيد من مزايا عبور مثل هذه القنوات على أراضيها، في المقابل تسعى روسيا دائماً لجعل هذه الدول تابعة لها، و تعمل أوروبا من جهتها على الضغط على روسيا من أجل أبعاده عن الهيمنة عليها، علماً منها بأن روسيا تسعى لاستعادة الأطراف التي فقدت النفوذ عليها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية الثمانينيات، فهذه الأنابيب التي تنقل الغاز الطبيعي من روسيا نحو أوروبا مروراً بدول شرق القارة، يمكن اعتبارها آليات جيوستراتيجية من أجل خلق روابط متينة بين موسكو ودول شرق أوروبا، هذه الروابط هي ذات صبغة سياسية، لجعل هذه الدول أكثر ارتباطا بالنظام الروسي، خاصة مع تزايد الضغط الأوروبي الرامي إلى استمالة أكثر هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك انطلاقاً من كون أن الدول في بحث دائم ومستمر عن أمنها و قوتها،[26] فروسيا ترى أن أمنها القومي هو مرهون بشكل كبير بالتحكم أكثر بهذه الدول المجاورة لها و التي تفصلها جغرافياً عن غرب أوروبا بشكل عام، و عن أهم الفاعلين في الاتحاد الأوروبي بشكل خاص.

رابعاً: خط أنابيب السيل الأزرق (السيل التركي)

كان الغرض من بناء هذا الخط هو ضمان وصول الغاز الروسي بشكل منتظم ودون انقطاع أو تعطيل إلى الدول الأوروبية المعنية لاسيما بعد الأزمات التي سببتها أزمات أوكرانيا عام 2006 و2009 و2014، وجاء بناء هذا الخط متفادياً ومتجاوزاً الأراضي الأوكرانية، أسوة بالسيل الشمالي، حيث لم تنتظر روسيا طويلاً للرد على التصرفات الأوروبية المدفوعة من قبل الولايات المتحدة لاسيما وإن إمدادات الأنابيب لهذا الخط على الجانب الروسي استكملت بكلفة بلغت ما يقرب من 5 مليارات دولار، وكانت زيارة بوتين إلى تركيا أساساً لهذا الغرض والتوقيع على اتفاقيات جديدة في مجلات الطاقة والغاز الروسي، ومن تركيا صرح بوتين ” إذا كانت الدول الأوروبية لا تعتزم أن يتم تحقيق هذا المشروع، فإنه لن يتحقق سنقوم نحن بتغيير مجرى تدفق مصادرنا من الطاقة إلى مناطق أخرى من العالم لم نتمكن من الحصول على الأذونات الضرورية من بلغاريا، ولا يمكننا أن نكمل المشروع، ولا تستطيع أن تعمل كل هذه الاستثمارات حتى تقف على الحدود البلغارية”.[27]

كانت روسيا قد تبنت استراتيجية تغيير المسارات فيما يتعلق بأنابيب الغاز في ضوء العقبات التي تواجه مشروع غاز (السيل الجنوبي) نتيجة لمعارضة الولايات المتحدة الأمريكية للمشروع، ونتيجة لفرض روسيا مزيداً من التأثير السياسي والاقتصادي على دول الاتحاد الأوروبي بورقة الطاقة، حيث تمكنت روسيا من إقناع تركيا بلعب دور رئيس في توريد الغاز الروسي من خلال مشروع الغاز المسمى (السيل الأزرق) والاتفاق على تنفيذ مشروع غاز ريادي بين روسيا وتركيا المسمى (السيل التركي) الذي كان بنفس الطاقة التي من المقرر أن يتمتع به أنبوب غاز (السيل الجنوبي) وهي 63 مليار م3 سنوياً.[28]

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وتركيا ( Blue Stream)

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وتركيا ( Blue Stream)

المصدر: موقع شركة غاز بروم (Gazprom.com)

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وإيطاليا ( South Stream)

خارطة الأنبوب الرابط بين روسيا وإيطاليا ( South Stream)

المصدر: موقع شركة غاز بروم (Gazprom.com)

خامساً: خط أنابيب باكو – جيهان

تكمن أهمية هذا المشروع أنه أعطى تركيا قوة دفع للاستراتيجية التركية تستخدمها باتجاه الضغط في قبولها في البيت الأوروبي، خصوصاً وأنه يحظى بتأييد ودعم من الولايات المتحدة، ولهذا جرى تقديم دعم كبير منذ البداية لمد خط أنابيب جديد وعملاق من العاصمة الآذرية باكو على بحر قزوين عبر جورجيا وصولاً إلى جيهان على الساحل التركي للمتوسط، سمي هذا المشروع بخط (باکو-تلبيسي-جيهان)، فهو أكثر المشاريع النفطية المثقلة بالدوافع السياسية في عالمنا المعاصر.[29]

لذلك عملت تركيا في بادئ الأمر على محاولة تركيز جهودها لنقل النفط الأذربيجاني عبر ميناء جيهان الواقع على البحر المتوسط، معتمدة على مروره عبر وادي أرسا وعلى استعمال جزء من خط الأنابيب العراقي – التركي، إذ كان مخططاً له أن يمتد هذا الأنبوب من باكو إلى أرمينيا ومنها إلى تركيا على طول الساحل الغربي لبحيرة (وان) وبعد مدة قصيرة تحولت الأنظار اتجاه مسار جغرافي آخر للمشروع، ذلك بعد أن بدأ المسؤولون الأتراك يؤكدون على ضرورة إنشاء خط أنابيب يمر بالأراضي الجورجية، ليتم بذلك تجنب مروره بالكامل بمنطقة جنوب شرق تركيا التي يقطنها الأكراد بشكل رئيس، وكما موضح في الخارطة الأتية:

خارطة مسار خط أنابيب ( باكو – تيلبسي – جيهان)

خارطة مسار خط أنابيب ( باكو – تيلبسي – جيهان)

المصدر: الشبكة الدولية للمعلومات ، على الرابط : http://www.kobayat.org

بذلك أصبح الأنبوب يمتد داخل تركيا من منطقة أرضروم إلى أرزکان وقيصرية إلى الجنوب نحو ميناء جيهان، وهو المشروع الذي افتتح في عام 2005 باسم مشروع (باکو – تیلبسي – جيهان).[30]

سادساً: خط أنابيب مشرع نابوكو

بدأ هذا المشروع باتفاقية شراكة في عام 2002 بين تركيا وبلغاريا والمجر ورومانيا والنمسا بدعم وتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ثم انضمت ألمانيا إلى هذه الاتفاقية في عام 2008. وكان من المفترض أن ينقل غاز بحر قزوين ولاسيما من تركمانستان وأذربيجان عبر تركيا إلى وسط أوربا.[31] كما موضح في الخارطة الآتية:

خارطة مسار أنبوب نقل الغاز (نابوكو)

خارطة مسار أنبوب نقل الغاز (نابوكو)

المصدر: الشبكة الدولية للمعلومات ، على الرابط : http://www.dw.com

سابعاً: اتفاقية تركما نبشي

أثار مشروع نابوكو، كما مشروع باكو – جيهان سخط روسيا مما اعتبرته التطلعات الأمريكية في تهديد الأمن القومي الروسي، فسعت إلى إفشال هذه المشاريع لاسيما مشروع أنابيب نابوكو مثيرة تحفظات على الإطار القانوني لبحر قزوين والكيفية التي يتم بها إقناع كل من أذربيجان و تركمنستان في الوثوق بالتطلعات الأمريكية – التركية لمدى نجاح خط نابوكو،[32] فقامت بالتوقيع على اتفاقية الطاقة المعروفة باسم اتفاقية (تركمانبشي)[33] مع تركمانستان وكازخستان في عام 2007 التي بمقتضاها يتم نقل الطاقة من تركمانستان وكازخستان عبر الأراضي الروسية، كما احتكرت روسيا بموجبها غاز تركمانستان حتى عام 2028[34]. وتتمسك موسكو بضرورة مرور أنابيب نقل الغاز الطبيعي عبر أراضيها وموانئها ذلك لعدد من الأسباب:

  • الاستفادة من رسوم الترانزيت من خلال عبور الطاقة عبر أراضيها.
  • تدعيم دورها الاستراتيجي في المنطقة، فضلاً إلى تحقيق أرباح اقتصادية ونفوذ سياسي استراتيجي كبير على موارد الطاقة في المنطقة.
  • مواجهة التدخل الأمريكي للسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة.
  • إخضاع الدول المستهلكة للطاقة للاستراتيجية الروسية أو القبول بالأنموذج الروسي في الأوساط الدولية لاسيما من قبل الاتحاد الأوروبي والصين واليابان.[35]

المطلب الثالث: الأزمات السياسية في أوكرانيا وجورجيا

أولاً: الأزمة الأوكرانية

تهتم الجيوبوليتيك بدراسة المعطيات الجغرافية الطبيعية والبشرية للوحدة السياسية كونها تعد حجر الزاوية في تحديد أهميتها ومكانتها الدولية، وتكمن الأهمية الجيوسياسية للجمهورية الأوكرانية أن جغرافيتها تشكل محوراً مهما فهي تمثل الدولة العازلة بين الاتحادين الأوروبي والروسي، حيث شكلت الأحداث المتواصلة فيها منذ 2004 مخاوف للطرفين من انعكاسات الصراع الداخلي على الدول المجاورة ذات التوجهات المختلفة التي قد تنعكس بشكل أو بأخر على الاستقرار في المنطقة، لذلك رأت روسيا أن بقاء الاعتماد على أوكرانيا كممر رئيس للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي يمس أمن الطاقة بعدم الاستقرار مع احتمال أن تتعرض إمدادات الطاقة للانقطاع في أي وقت، فضلاً عن أن كثيراً من أنابيب الطاقة التي تمر عبر أوكرانيا تم إنشاؤها منذ فترات طويلة فهي متآكلة في الغالب،[36] حيث كانت الطاقة المحور الرئيسي في ما يخص التوظيف الروسي للأزمة الأوكرانية، وذلك على الرغم من التمسك الأمريكي الأوروبي بأوكرانيا ومحاولة ضمها إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، إلا أن روسيا دائماً ما تضغط بورقة الطاقة، للحيلولة دون تنفيذ ذلك، فإن خسارة أوكرانيا تعني وجود قواعد عسكرية غربية على الحدود الروسية، فضلاً عن أن أنابيب الطاقة سوف يملكها الاتحاد الأوروبي مما يضغط على التطلعات الروسية في إعادة التوازن الدولي.[37]

منذ نهاية الحرب الباردة، كانت هناك محاولات من دول الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين للتوصل إلى علاقات روسية أوروبية مستقرة، فكان توجه السياسة الخارجية الأوروبية تجاه أوكرانيا لعدة اعتبارات جيوسياسية.

أولاً، لأوكرانيا أهمية استراتيجية لأوروبا، فهي بمثابة الدولة العازلة بينها وبين روسيا، إذن ترى أوروبا في ضم أوكرانيا إلى فضائها فرصة كبيرة ووسيلة ناجعة للتصدي لروسيا في أوكرانيا.

ثانياً، الموقف الجيوسياسي الأوكراني مهم بالنسبة لأوروبا اقتصادياً، تلعب دور الرابط بين الشرق والغرب، ودوراً هاماً في تحقيق الاتحاد الأوروبي الكبير، والذي يضم كل أوروبا الشرقية ودول البلقان، ولهذا ركز الاتحاد الأوروبي على تحرير نظام التأشيرات مع أوكرانيا مقابل حزمة إصلاحات هامة، ووقع اتفاقيات شراكة تجارية مع أوكرانيا بهدف تحرير السياسات التجارية بينه وبين أوكرانيا لرفع مستويات التعاون الاقتصادي معها.

ثالثاً، أوروبا قوية اقتصادياً، لكنها لا تملك ثقلاً عسكرياً وسياسياً في مواجهة روسيا، التدخل الروسي في القرم وشرق أوكرانيا خلط أوراق الاتحاد الأوروبي، بعد أن هدد التدخل الروسي في شرق أوكرانيا، وما سبقه من ضم جزيرة القرم خريطة أوروبا، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تغيير موقفه من روسيا بشكل جذري، وتبنى حزمة من العقوبات الاقتصادية والمالية، وإلغاء كافة اتفاقيات التعاون العسكري، وتكثيف المناورات العسكرية.

رابعاً، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تغيير الحياة في أوكرانيا من خلال ضمها أوكرانيا في المستقبل إليه، من أجل تحقيق نقلة كبرى على المستوى الفكري والاجتماعي، وتحقيق حكم ديمقراطي، وتنمية اقتصادية شاملة، وفي حال تحقق ذلك يعتقد قادة الاتحاد الأوروبي أن النموذج الأوكراني سينتقل حتماً إلى روسيا والقوقاز، لهذا دعم عملية تحول أوكرانيا نحو الغرب، ولجأ حلف الأطلسي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى إلى دعم الحكومة الأوكرانية الجديدة لتشجيعها على التزام الإصلاحات بهدف تثبيت الوضع القائم وإقناع الشعب الأوكراني بتأييد القادة ذوي التوجهات الغربية، أملاً في تحسين الوضع الاقتصادي المتردي الذي خلفته سنوات حكم القادة الموالين لموسكو.

في ضوء هذه الاعتبارات يمكن الحديث عن معايير شكلت محددات لدور الأزمة الأوكرانية في العلاقات الروسية الأوروبية أبرزها:

1_ الموقع الجغرافي الاستراتيجي الأوكراني سلاح ذو حدين، حيث أنها حلقة الوصل (دولة عازلة) بين قوتين عظمتين القوة الشرقية (روسيا الاتحادية) القوة الغربية (الاتحاد الأوروبي) الذي يعتبر بمثابة الحليف للولايات المتحدة التي تعمل على إدخال أوكرانيا بحلف الناتو.

2_ المجتمع الأوكراني متعدد الإثنيات والأعراق واللغات، وأدى هذا الانقسام المجتمعي إلى ظهور انقسام سياسي بين الجزء الشرقي الذي يميل باتجاهاته السياسية إلى روسيا والغربي صاحب الأفكار التحررية الليبرالية الغربية.

3_ تعتبر أوكرانيا المعبر الرئيسي لتمرير الغاز الروسي إلى أوروبا، ففي أواخر العام 2019، انعقد في العاصمة الفرنسية باريس، القمة الرباعية في إطار عملية نورماندي للتسوية الأوكرانية بمشاركة الرؤساء الفرنسي إيمانويل ماكرون والروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وينظر إلى هذه القمة التي تأتي بعد قرابة خمس سنوات من النزاع بين الموالين لروسيا وقوات الحكومة الأوكرانية في شرق أوكرانيا، على أنها تمثل اختباراً دبلوماسياً للرئيسين الفرنسي والأوكراني.

4_ تمكنت روسيا وأوكرانيا من الوصول إلى اتفاق حول نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، بعد صراع طويل ومفاوضات شاقة بين الجارين اللدودين، وأعلن رئيس شركة “غازبروم” أليكسي ميلر، أنه بعد خمسة أيام من المفاوضات، وقعت روسيا وأوكرانيا مجموعة من الوثائق التي تضمن عبور الغاز الروسي عبر أوكرانيا بدء من أول 2020، بمقدار 75 مليار متر مكعب من الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية في عام 2020 حسب شركة نفط وغاز الروسية.

5_ تظل سيناريوهات الأزمة الأوكرانية إحدى أكبر الأزمات الأوروبية وأحدثها في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة مفتوحة على مصراعيها بين التهدئة أو التصعيد أو السلام البارد، في ضوء تناقض المصالح السياسية والاستراتيجية بين أطرافها المحليين والإقليميين من ناحية، وتعقد مصالحهم الاقتصادية والتجارية وتشابكها من ناحية أخرى، في ضوء رغبة جميع الأطراف المعنية في تجنب الوصول إلى حرب كبرى يصبح الكل فيها خاسراً.

شكلت الأزمة الأوكرانية تخوفاً من الجانب الروسي في البداية ورغم اشتداد الأزمة إلا أن ذلك لم يؤثر في أمن إمدادات الطاقة، وهو ما خالف التوقعات، حيث استمرت إمدادات الطاقة عبر أوكرانيا في ظل المفاوضات التي أدت إلى تجاوز مفاعيل الأزمة في الوقت الذي بحث فيه الجانب الروسي عن مناطق عبور أخرى مما عزز قدرتها التفاوضية مع الجانب الأوكراني بما يخدم المصلحة الروسية، وهذا راجع بالأساس إلى:

  • من الصعب على روسيا الحد من تبعيتها إلى أوكرانيا كدولة عبور في المستقبل القريب (حتى عام 2030) بسبب معارضة الاتحاد الأوروبي لمشاريع أنابيب الطاقة الروسية التي تتجنب أوكرانيا.
  • يشكل ممر العبور عبر أوكرانيا أقصر طريق لروسيا يمكنها من إيصال إمداداتها إلى دول أوروبا وبالتالي هو أفضل من الناحية التجارية.

بشكل عام تبرز مخاطر الاعتماد الروسي على أوكرانيا كدولة عبور من خلال مخاطر أبرزها في حالة صعوبة الوصول إلى نتائج وصول مدة المفاوضات بشأن بنود الاتفاقيات وكذا مخاطر سلامة شبكة أنابيب الطاقة باعتبار أنها شبكة قديمة تعود للحقبة السوفياتية وأخيراً مخاطر عسكرية في حالة نشوب أعمال عنيفة خاصة في شرق أوكرانيا.

ثانياً: الأزمة الجورجية

تعد منطقة آسيا الوسطى بمثابة البطن الرخوة لروسيا، بينما تشكل دول القوقاز المتاخمة لها خاصرة روسيا الجنوبية، وقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى حدوث فراغ استراتيجي جزئي في تلك المنطقة شغلته الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيران، ولكن الرئيس بوتين سعى إلى تعميق التوجه الأوراسي في الاستراتيجية الروسية منذ وصوله إلى السلطة عام 2000، وطرح في ذات العام ما يُعرف بمبدأ بوتين الذي ركز على أن تعزيز دور روسيا في عالم متعدد الأقطاب يستوجب العمل على استعادة دورها في آسيا والشرق الأوسط بشكل تدريجي، وعدم السماح للغرب بتهميش الدور الروسي على الساحة الدولية،[38] خصوصاً في مناطق النفوذ السوفيتي في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بسط نفوذها في بلدان الخاصرة الرخوة القوقازية لروسيا من خلال دعم الحكومة الجديدة في جورجيا، التي حظيت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على مكانة متميزة في سلم أولويات الغرب لموقعها المتميز كمعبر لمرور خطوط الأنابيب المقترحة التي تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا إلى إنشائها تجنباً لاحتكار روسيا لخطوط الأنابيب عبر أراضيها، مما عرض الأمن القومي والطاقوي لروسيا للانكشاف الاستراتيجي،[39] وأصبح الرد على التحركات الجورجية ضرورة أساس من ضرورات المكانة الدولية لروسيا الاتحادية للوقوف بوجه التهديدات والمخاطر التي تهدد الدور الجديد الذي صاغه بوتين لروسيا.[40]

تعد جورجيا ذات أهمية استراتيجية لروسيا والغرب، فهي هامة لروسيا لكونها تقع داخل دوائر الأمن القومي الروسي، أما الغرب فيرى في جورجيا نقطة تماس مع روسيا وفي الوقت ذاته تعد دولة عازلة للتطلعات الروسية، وعلى الرغم من افتقارها لموارد الطاقة إلا أنها تعد الممر الحيوي للطاقة من بحر قزوین إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، فإن مقتضيات أمن الطاقة لروسيا هو عدم السماح بالتدخل الغربي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق لاسيما في آسيا الوسطى والقوقاز التي تعد المنطقة الثانية في الأهمية بعد الخليج العربي من حيث الموقع الاستراتيجي وموارد الطاقة، لذلك تسعى روسيا إلى ضمان بقاء جورجيا تحت نفوذها.[41]

أما في الجوار الجغرافي لجورجيا، تعد أذربيجان اقوى المنافسين لروسيا في تصدير النفط والغاز الطبيعي إلى أوروبا عن طريق جورجيا وتركيا من خلال أنبوب (باکو – تلبيسي – جیهان)، ولهذا أضحت جورجیا ممراً استراتيجياً للمشروع الأدري – الغربي لنقل طاقة بحر قزوین بعيداً عن الأراضي الروسية.[42]

جاء التدخل الغربي في جورجيا وأذربيجان بهدف السيطرة على منابع النفط والغاز في بحر قزوين، الذي يشكل تهديداً محتملاً لروسيا في المنطقة ويكسر الاحتكار الروسي لمصادر الطاقة للاتحاد الأوروبي، ونتيجة لذلك عمدت روسيا إلى ربط دول بحر قزوين المستقلة حديثاً بعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية والاقتصادية والسياسية، ذلك للحيلولة دون سحب هذه الدول إلى تحت المظلة الأمريكية أو الغربية وعملت الحكومة الروسية على تدعيم وجودها العسكري لتخومها الجنوبية للوقوف بوجه التهديدات المحتملة ولاسيما بعد دعم كل من أذربيجان وجورجيا للانفصالين في الشيشان استخدمت روسيا أسلوب التهديد ضدها من خلال استغلال الوجود الكبير للجالية الأذرية في روسيا التي تعمل في قطاع الاقتصاد الروسي أي ما يقارب أكثر من 1.5 مليون اذري يعملون في الاقتصاد الروسي،[43] وفي الوقت نفسه تحاول روسيا إضفاء الشرعية على استراتيجيتها تجاه جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، بعدد من المبررات في مقدمتها الحفاظ على الأمن القومي، متبعة استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور:[44]

  • الكبح التدريجي لمحاولات التحرر الاقتصادي للجمهوريات المستقلة حديثاً من القبضة الروسية.
  • تقييد أي محاولة من محاولات البناء الذاتي للقوة العسكرية للدول المستقلة.
  • السيطرة على ثلاثة تهديدات رئيسة تعترض الأمن القومي الروسي وهي:

– وضع حد لعدم الاستقرار الناتج عن الأزمة الأفغانية والتدخل الأمريكي في المنطقة وانعكاس ذلك على المنطقة.

– كبح التدخل الإيراني التركي في آسيا الوسطى والقوقاز والتخوف من تأسيس دولة فارسية أو تركية كبرى (نظراً للامتدادات الثقافية والعرقية للدولتين).

– مكافحة الأصولية الإسلامية المتشددة، فعلى الرغم من الوجود الإسلامي الكبير في روسيا المقدر بأكثر من 20 مليون مسلم إلا أنها تنظر بعين الريبة من انتشار الأصولية الإسلامية الجهادية في دول القوقاز، لاسيما بعد الانتشار الكبير للجهاديين في الشرق الأوسط.

لذلك فإن التنافس بين روسيا والولايات المتحدة، التي تحاول الأخيرة أبعاد السيطرة الروسية عن موارد الطاقة في بحر قزوين وعزلها عن مجال نفوذها التقليدي، وتبدي روسيا قلقاً شديداً من أن الاستثمارات في حقول نفط بحر قزوين سوف تسلبها بعض أسواقها، ففي إطار التنافس على بحر قزوين فإن روسيا تخشى من احتمالين:[45] أولهما تأكل وضعها الجيوبولتيكي، وثانيهما، زيادة المعروض من النفط والغاز ومن ثم انخفاض أسعارها، ولهذا فإن جوهر الصراع في جمهوريات القوقاز قائم على السيطرة على إنتاج النفط والغاز، والسيطرة على خطوط الأنابيب التي ستقوم بنقل البترول إلى الأسواق الغربية.

في ضوء ذلك يمكن القول إن روسيا بعد عام 2009، استغلت الضعف الذي أصاب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية ونتيجة لتخبط الدبلوماسية الأمريكية في إدارة المنظومة العالمية، ولهذا فإن الأزمتين السياسيتين الأوكرانية والجورجية أصبحتا القضية الجوهرية للغرب في كيفية تطويق روسيا والوقوف بالضد من سياساتها العالمية في ظل تطور مفهوم الهيمنة بوساطة الطاقة،[46] حيث وظفت روسيا هاتين الأزمتين في خدمة استراتيجيتها الطاقوية من خلال عدد من المحاور:[47]

  • العمل على إشغال دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في صراع على حدودها الشرقية والتهديد بورقة الطاقة كحل سياسي للأزمة، والعمل على تفعيل الشراكة الاستراتيجية فيما يخص مسائل الطاقة فالاعتمادية المتبادلة بين روسيا والاتحاد الأوروبي في ازدياد مستمر، إذ أن روسيا تحاول تأمين إمدادات الطاقة بصورة مستمرة ومن دون انقطاع لكي تحقق مزيد من الهيمنة على الاتحاد الأوروبي.
  • وظّفت روسيا الأزمتين الأوكرانية والجورجية للعمل على توسيع قدرتها التصديرية إلى دول الاتحاد الأوروبي من خلال إطلاق مشاريع غاز تتجنب دول العبور كالسيل الشمالي والسيل الجنوبي فضلاً عن إقامة شراكة استراتيجية مع تركيا للإقامة خط أنابيب السيل التركي
  • شكلت استراتيجية الطاقة الروسية في جوارها الإقليمي عائقاً أمام نجاح المشروع الأمريكي الأوروبي (نابوکو) من أواسط آسيا وأذربيجان، من خلال قيام روسيا في توريد الغاز إلى تركيا عن طريق السيل الأزرق والسبل التركي، ومن خلال ما تقدم، نجد أن الاتحاد الأوروبي أصبح مرتبطاً بترتيبات الطاقة الروسية، ووفق ما تقتضي المصلحة الروسية في تحقيق مصالحها سواء في البيئة الإقليمية أو الدولية.

Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *