By / 5 يناير، 2019

تحصينات العسكر القانونية.. إفلات من العقاب وضمان للسيطرة على حكم مصر

على مدار السنوات الأربع السابقة، استطاع قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح السيسي، تكريس سيطرته بشكل كامل على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وجعل القرار بيده وتحت تصرفه، في الوقت نفسه استطاع أن يحصن قادة المجلس العسكري دستوريا و يمنحهم امتيازات ليجعلهم ظهيرا قويا له لتحجيم المعارضة من داخل المؤسسة العسكرية.

ولم يكن تحصين القوات المسلحة دستوريا منذ بداية الانقلاب العسكري فقط، بل سبقه في عام 2011 عقب ثورة يناير، فقد أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقتها قانونا يعتبر جميع أعضاء المجلس آنذاك مستدعين للخدمة بالقوات المسلحة مدى حياتهم، بهدف إنقاذهم من أي مساءلة عن الوقائع الدامية التى وقعت بعد الثورة، ومنع تحريك أي بلاغات فساد ضدهم أمام جهات التحقيق القضائية العادية.

إلا أنه منذ أكتوبر 2017 الماضي أصبح أمر القوات المسلحة بيد السيسي، عندما أطاح بقائد سلاح الدفاع الجوي عبدالمنعم التراس، آخر القادة الذين عملوا مع عنان، الذي كان قائده في السلاح نفسه، إذ كان التراس آخر ممثلي جيل حرب 1973، ولم يعد بين قيادات الجيش من هو أكبر سناً من السيسي إلا الفريق محمد فريد حجازي، صديقه والذي عيّنه أخيراً رئيساً للأركان، واللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية.

ومؤخرا، فقد وافق برلمان العسكر على مشروع قانون يخص كبار قادة القوات المسلحة في البلاد، مقدم من حكومة الانقلاب، تضمن موادّ تحصنهم من أي محاكمة داخل البلاد وخارجها، ويوفر لهم امتيازات ويعاملون معاملة الوزراء

وكشف مشروع القانون المسمى بـ”معاملة كبار قادة القوات المسلحة”، عن النية الحقيقية لنظام الانقلاب في إفلات عصابة المجلس العسكري بجرائمهم من العقاب، وعدة أهداف أخرى غير معلنة سنكشف عنها خلال التقرير التالي.

إفلات من العقاب والمحاكمة

ومن بين أهداف مشروع القانون إفلات العسكريين من العقاب والمحاسبة، أو اتخاذ إجراء قضائي عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور- منذ انقلاب 3 يوليو 2013 وحتى يونيو 2014-  وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب مهامه أثناء تأديتهم مهام مناصبهم أو بسببها، إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ما يعني عدم محاسبتهم على المجازر التي ارتكبت في تلك الفترة كمذبحة رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة وغيرهم.

ويتمتع المخاطبون بأحكام هذا القانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم وكذا مدة استدعائهم، إذ سيتمتع هؤلاء بحصانة دبلوماسية أثناء تواجدهم خارج مصر، وبالتالي يمنع ضبطهم أو اتخاذ أي إجراء قانوني بحقهم.

وأشار مراقبون إلى أن بعض العسكريين موضوعين على قوائم ارتكاب جرائم جنائية، تستدعي محاكمتهم عليها دوليا والمخرج الوحيد لمنعهم من العقاب الجنائي الدولي هو وضع قانون يحصنهم دبلوماسيا.

الولاء للسيسي

يسعى السيسي من خلال هذا القانون للسيطرة على الأفراد التي لا تدين له بالولاء الكامل والتخلص من جذور المعارضة داخل المؤسسة العسكرية، كمحاولات انقلاب على الانقلاب، أو الموالين لرئيس الأركان الأسبق سامي عنان.

فالسيسي يمنح نفسه الحق في الإبقاء على قادة الجيش الموالين له ويضمن استمرارهم في المؤسسة العسكرية مدى الحياة، مع احتفاظهم بكافة الامتيازات التي يحظى بها قادة الجيش.

وبموجب القانون فإن السيسي يريد أن يظل المتحكم في اختيار الشخصية العسكرية التي تنافسه على الحكم مستقبلا، إذا تقرر تعديل الدستور بشكل يسمح له بالترشح لولاية ثالثة. ويرتبط البعد الآخر بشكل مباشر بزيادة قاعدة التحصين للقادة العسكريين الذين يختارهم السيسي، بحيث ينعموا بالأمان.

معاملة الوزراء

بموجب ذلك القانون فإن قادة القوات المسلحة يتمتعون بمزايا وزير الدفاع الحالي، ويتمتعون بجميع الحقوق المقررة للوزراء في الحكومة، إذ أن وزير الدفاع هو المتحكم الوحيد في مصير الضباط المستدعين، وهو الذي يتخذ قرارات إنهاء استدعائهم أو تعليق الاستدعاء، أو السماح لهم بمباشرة حقوقهم السياسية، وذلك بعد استشارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وبموجب القانون أيضا فسوف يحصل صدقي صبحي وغيره من القادة الذين شاركوا السيسي انقلابه، على معاش وزير، حتى وإن لم يشغلوا المنصب، فضلاً عن كل المزايا والمخصصات المالية التي يحتفظون بها كضباط سابقين تحت الاستدعاء، ومنها الجمع بين المرتب الشهري والمعاش الشهري ووسائل التنقل والمساعدة.

وتنص المادة الثالثة على أن “تحدد بقرار من رئيس الجمهورية المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون. ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقررة بناء على أحكام هذا القانون وبين أي ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر”.

منع القادة من الترشح للرئاسة

وكشف مصدر مقرب من الدائرة الخاصة بالسيسي أن قائد الانقلاب قلق من الطموحات الشخصية لبعض أعضاء المجلس، مثل: رئيس الأركان السابق محمود حجازي، ووزير الدفاع السابق صدقي صبحي، وقائد الجيش الثاني السابق أحمد وصفي.

وأضاف- في تصريح لـصحيفة “العربي الجديد” أن القانون له هدف غير معلن يتمثّل في منع جميع القادة الذين شاركوا السيسي في انقلاب يوليو من الترشح مستقبلاً لأي مناصب سياسية إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وأكد المصدر أن ظهور هذا القانون في هذا التوقيت تحديداً، بعد رحيل صدقي صبحي عن منصب وزير الدفاع، ليس صدفة، بل هو حصيلة مناقشات مستفيضة بين السيسي ومدير مكتبه السابق عباس كامل، والمستشار القانوني لوزير الدفاع ممدوح شاهين، لإجراء “مزاوجة متوازنة” بين مطالب صدقي صبحي بتأمينه وتحصينه نهائياً من أي خطر قانوني مستقبلي، وتأمين مزاياه المالية، وبين مخاوف السيسي من دخول صبحي عالم السياسة تحت ضغوط دوائر معارضة أو طموحات شخصية.


Be the first to write a comment.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *